; تجارة البشر | مجلة المجتمع

العنوان تجارة البشر

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 01-مايو-2004

مشاهدات 56

نشر في العدد 1599

نشر في الصفحة 19

السبت 01-مايو-2004

هذه حرب متجردة من كل القيم.. ليس لها ميدان محدد، وإنما تمتد رقعتها حول العالم، لكن ضحاياها معروفون وأباطرتها وسماسرتها لا يخفون أنفسهم، فقد فاقت قوتهم قوة الجيوش الكبرى.

إنها حرب استعباد البشر والإتجار فيهم... فعبر شبكات التجارة فهناك أسواق رائجة لبيع الأطفال واستخدامهم في العمالة الشاقة أو الحروب أو الدعارة، وكلها أعمال نهايتها الفناء الجسدي أو النفسي أو الاثنان معا.

القضية قديمة متجددة، ومنذ منتصف القرن الماضي، والمنظمات الدولية والأهلية والمراكز البحثية تدق نواقيس الخطر ضد هذه الحرب المستعرة، لكن دون جدوى.. فقد تكسرت النواقيس في أيدي من يدقونها بينما الحرب تزداد اشتعالاً.

لكن المهتمين بها لم يصبهم اليأس بعد.. ومنهم صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) الذي صار يصدر تقارير بصفة سنوية حول آخر تطورات الظاهرة المأساوية، ومنها ذلك التقرير الذي أصدره مؤخرًا وركز فيه على محنة تجارة الأطفال في إفريقيا.

قدم التقرير بلاغًا خطيرًا يفيد بأن دول القارة الإفريقية الثلاث والخمسين تعاني جميعاً من تجارة وتهريب البشر.. وأن الأطفال هم الضحية الكبرى.. فاحتمالات الاتجار فيهم ضعف احتمالات الإتجار في النساء.

مديرة التقرير أندرياروس أفادت بأن «الإتجار قد يبدأ كعملية يُباع فيها النساء والأطفال، لكنها قد تبدأ كعملية هجرة»...

ويخلص التقرير إلى أن 89% من الدول الإفريقية تحدث بها عمليات لتهريب البشر، وأن 34% يزاولون هذه التجارة مع أوروبا.

على العموم... ليس هذا هو التقرير الأول أو الوحيد حول هذه القضية المثيرة، فالقضية قديمة متجددة وصدر بشأنها عشرات التقارير التي ترسم في مجمل بياناتها صورة بائسة وقاسية لأفاعيل البشر مع البشر أو لفعل الإنسان مع أخيه الإنسان... وإليكم بعض النماذج على سبيل المثال لا الحصر:

في فبراير من عام 1995م قالت وزارة الداخلية البريطانيةإن أكثر من 70 ألف طفل يتعرضون لاعتداءات جنسية سنويًّا في بريطانيا.

في نوفمبر من العام نفسه أكد مكتب العمل الدولي التابع للأمم المتحدة، أن سوق العمل في أنحاء العالم تستخدم أكثر من 80 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 5 و14 عامًا، وقال المكتب في بيان رسمي«إن هناك عشرات الملايين من الأطفال يعملون كعبيد»... لكن مكتب الإحصاء في الأمم المتحدة يشير إلى أن الرقم (80 مليونًاأقل بكثير من الواقع.

في فبراير من عام 1997م، اقترب صندوق رعاية الطفولة يونيسيف، أكثر من الأرقام الحقيقية، فأفاد بأن 250 مليون طفل تتراوح أعمارهم ما بين الخامسة والرابعة عشرة يعملون في ظروف مؤذية لصحتهم وغير مقبولة... ويقول هذا التقرير: «إن الأطفال الأمريكيين من أصل مكسيكي يعملون في مزارع مدنية بالحقول المنضبة بالمبيدات الحشرية، وفي بريطانيا يعمل ما بين 15 و26% من الأطفال في سن الحادية عشرة، و36% إلى 66% من الحادية عشرة إلى السادسة عشرة»...!

في يوليو من عام 1998م، نصحت إدارة الشباب الألمانية التابعة لولاية شمال الراين ويستفاليا المواطنين الألمان بعدم الثقة في إعلانات شركات تبني الأطفال، المعروضة على شبكة الإنترنت، وكشفت أن هذه الشركات (40 شركةتتولى في الحقيقة بيع أطفال أوروبا الشرقية والعالم الثالث في أوروبا الغربية وأنهناك 100 ألف طفل يباعون سنويًّا عبر الإنترنت.

وهكذا تستمر العملية القذرة... عملية الإتجار في البشر... تتفاعل وتتزايد وتنتشر ويتزايد في مقابلها إصدار التقارير والدراسات والبيانات القريبة من بيانات الشجب السياسي دون إجراء حقيقي وفعلي لوقفها.

بالطبع، فإن المجرم وراء ذلك هم التجار، لكن المجرم الأول يكون في بعض الأحيان أهالي الضحية الذين يقدمون على بيع فلذات أكبادهم... لكن تظل المافيا المنظمة عبر العالم هي الخطر، ويظل السكوت الدولي مشاركًا في الجريمة.

ويبرز سؤال مهمإذا كانت مأساة تجارة الأطفال والنساء الآمنين في بلدانهم بهذا الحجم الكارثي، فكيف تكون مأساة الأطفال والنساء في عالم الشتات والكوارث والحروب الذين لا يعيرهم أحد انتباهًا... إلا بكسرات من الخبز؟!

ويبرز سؤال أهم: إذا كانت الأمم المتحدة تنشط في عقد سلسلة من المؤتمرات عن الأسرة، بلغت حتى الآن ثمانية مؤتمرات دولية.. كرست برامجها وجهودها حول حرية المرأة الجنسية والأطفال في إسقاط ولاية الأبوين.

والسؤالألا تستحق التجارة في الأطفال والنساء مؤتمرًا يتصدى لتلك التجارة؟!.. أكاد أوقن بأن مؤتمرات الأمم المتحدة التي تلح على الترويج لإباحية المرأة وهدم الأسرة تخدم بطريق مباشر هذه التجارة الرخيصة.. فكلاهما يدعو للفوضى الشاملة داخل الأسرة... وفي داخل المجتمعات.. وكلاهما دعوة صريحة لتقويض بنيان المجتمع الإنساني الكبير.

الرابط المختصر :