; شارون يبحث عن المستحيل | مجلة المجتمع

العنوان شارون يبحث عن المستحيل

الكاتب زينات أبو شاويش

تاريخ النشر السبت 15-يناير-2005

مشاهدات 67

نشر في العدد 1635

نشر في الصفحة 28

السبت 15-يناير-2005

أفرزت الهجمة الشارونية المتواصلة على قيادات حماس وأبنائها وعلى رأسهم الشهيدان الشيخ أحمد ياسين والرنتيسي عدداً من التساؤلات التي لابد من طرحها للفهم ومن ثم الإجابة عنها 

أولاً: هل يمكن لشارون أن يقضي على حماس من خلال ما يقوم به من أعمال إجرامية قد تساهم في إضعاف الحركة على حد تعبيره؟ 

ثانياً: ما مدى صحة وحقيقة الاختراق الصهيوني لصفوف حماس؟

ثالثاً: هل نجح شارون من خلال سياسته الاستفزازية لحماس في أن يحقق الأمن الصهيوني؟ 

حماس واستراتيجية البقاء: نجحت حماس في أن تزرع حب الموت في أبنائها وكل من ينتمون إليها فباعوا الدنيا من أجل الآخرة لذلك سوف تمتد لحظتهم التاريخية إلى ما بعد الموت لكي تبقى حماس بقيمها وأفكارها ومبادئها.

أما من حيث مشروعية الرد من حماس أو غيرها من الفصائل على الاستفزازات الشارونية فهو أمر لا خلاف عليه، ولكن ذلك الرد منوط بالمدى الزماني والمكاني وفق منظومة التكتيكات السياسية التي تعمل حماس في إطارها وهي أن العمل العسكري لا ينفصل عن الأهداف السياسية وبالرغم من اغتيال آباء وزعماء الحركة إلا أن السياسة الشارونية لن يتحقق لها ما تسعى إليه في القضاء على حماس للأسباب التالية:

على المستوى السياسي:

أصبح لحماس حضور سياسي متميز على الساحات الفلسطينية والعربية والإقليمية ومن ثم أصبح لها خطاب ذو أبعاد تنظيرية وهو ما أسهم في التقارب بينها وبين غيرها من الفصائل الفلسطينية من ناحية وبينها وبين بعض الأنظمة العربية والإسلامية من ناحية أخرى وبالتالي سوف يكون لذلك أثر دولي أظنه سيحدث عما قريب.

أن لحماس أبناء في الخارج كما في الداخل وبالتالي لديها كوادر لا تستطيع أن تحصيها (إسرائيل)، هذه الكوادر تعمل في صفوف الحركة في الخارج بما يخدم أهدافها ويتسق مع مفهومها الإسلامي التحرري ومن ثم فلن تستطيع (إسرائيل) أن تقضي على حركة تمتد من مشارق الأرض إلى مغاربها ولها أنصار ومحبون في كل حدب وصوب الحضور السياسي الفعال لحماس أكسبها شرعية سوف تتحول في يوم ما إلى واقع تشارك من خلاله في صنع القرار الفلسطيني.

ثانياً: على المستوى الاجتماعي:

المجتمع الفلسطيني مجتمع متدين بطبعه ومن ثم لم تفلح قوى الاحتلال الصهيوني أن تعمل فيه معاولها إلا بالقدر القليل إذا ما قيس بقوى احتلال أخرى في مجتمعات مغايرة وبالتالي جاءت حماس بمنهجها الرباني وبرؤيتها الوسطية لكي تنمو في نسيج البيئة الفلسطينية.

نشطت حماس اجتماعياً من خلال العديد من مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية التي أنشأتها مما جعلها تحظى بشعبية كبيرة حيث ساهمت من خلال هذه المؤسسات في تخفيف الأعباء الاجتماعية عن الكثير من الأسر فقد ضمت مؤسسات حماس برامج تنموية واجتماعية تهدف إلى النهوض بالمستوى المعيشي للأسرة الفلسطينية كما نجحت في نشر نظام التكافل الاجتماعي بين جميع فئات وطوائف الشعب الفلسطيني مما ساهم في زيادة قاعدتها الجماهيرية داخل المجتمع.

اكتسبت الحركة مصداقية كبيرة لدى الشارع الفلسطيني فقد كشفت الانتفاضة القناع عمن يعمل من أجل مكاسب شخصية ومن يعمل من أجل نصرة دينه وقضيته فقد القيادة أكد قادة حماس أنهم نموذج حي! الواعية الناضجة المسؤولة حيث يعيشون حياة الفلسطينيين البسطاء فلم يسكنوا الفيلات أو القصور واكتسبوا بذلك مصداقية كبيرة داخلياً وخارجياً.

نجحت حماس في أن تستقطب العديد من أبناء الفصائل الأخرى وأن تنهج طريق التقريب والتسديد فيما يخص تعاملها مع القوى الوطنية الأخرى حتى تفوت الفرصة على الاحتلال الذي يعمل جاهداً من أجل تفتيت الصف الفلسطيني.

بنية حماس ليست بنية عسكرية فحسب، ولكنها بينه اجتماعية متجذرة في الجسد الفلسطيني ومن صفات ذلك المجتمع أنه قد تجد في الأسرة الواحدة أكثر من انتماء لأكثر من فصيل مما يساهم في تماسك هذا الجسد ويمنح حماس قوة إلى قوتها تحافظ عليها من التآكل أمام منحنيات التيارات الأخرى المتآمرة عليها.

ثالثاً: البعد النفسي

لقد أجهدت حماس الصهاينة نفسياً من خلال أمرين: الأول العمليات الاستشهادية النوعية التي تخترق (إسرائيل) وتؤكد انهيار نظرية الأمن الإسرائيلي المزعومة والثاني قدرة حماس على الصمود أمام آلة الحرب (الإسرائيلية) برغم ما بين الاثنين من فوارق كبيرة لا حصر لها.

أعادت حماس قضية فلسطين إلى قلب الأمة بعد أن حاول الصهاينة إقصاءها باعتبارها قضية تخص الفلسطينيين فحسب وهو ما وضع (إسرائيل) في مأزق كبير مع شعوب العالم.

أدخلت حماس تعديلات كثيرة فيما يتعلق بصورتها النمطية لدى الكثير من الشعوب وخاصة عندما أشركت المرأة الفلسطينية في العمليات الاستشهادية وتحويل المرأة إلى دور الفاعل الإيجابي ليس اجتماعياً فقط، ولكن حركياً وعسكرياً مما عمق من أزمة الأمن النفسي لدى الإسرائيليين.

قضية العملاء

نجحت (إسرائيل) من خلال وسائل إعلامها المدعومة في ترديد الدعاية التي تثير الريبة بين صفوف الشعب الفلسطيني وبعضه البعض وفيما يتعلق بقضية وجود عملاء من أبناء هذا الشعب ولنبدأ حديثنا من فرضية وجود عملاء في المجتمع الفلسطيني: فأي مجتمع يقع تحت نير الاحتلال لابد من بروز ظاهرة العملاء في صفوفه هذه واحدة أما الثانية فإن المجتمع الفلسطيني على حد تعبير أحد الإخوة - ليس مجتمعا من الملائكة فهو كغيره من المجتمعات البشرية فيه المحسن والمصيب، والمناضل، والمخطئ والعاجز، والعميل، والخائن. 

وحول وجود ظاهرة العملاء يقول الكاتب اليساري الفلسطيني عبد القادر ياسين إن حجم العملاء في فلسطين أقل بكثير مما يروج له الكيان الصهيوني وأقل أيضاً مما تروج له وسائل الإعلام العربية الرسمية التي تحاول أن تتخذ من هذا الأمر ذريعة لكي تغطي على حالة التخاذل العربي الرسمي فيما يخص الأدوار المنوطة بها في دعم المقاومة الفلسطينية في الأراضي المحتلة. 

بيد أن أجهزة الإعلام الصهيونية أخذت في الفترة الأخيرة تردد مقولة اختراق (إسرائيل) لصفوف المقاومة وخاصة حماس وهذا القول يشوبه الكثير من عدم المصداقية، حيث اعترف أحد رموز المقاومة في الضفة الغربية في حوار أجراه معه موقع إسلام أون لاين نت أن من ينتمي للجناح العسكري لحماس يخضع لعمليات اختبار شديدة ودلل على ذلك بمثال للشهيد يحيى عياش عندما أراد أن ينضم للجناح العسكري في الحركة حيث خضع لاختبارات شديدة حتى يتم قبوله، ومن ثم يصبح ترديد (إسرائيل) لاختراقها للجناح العسكري الحماس أمراً غير معقول ولا يستند إلى حقائق بل إننا يمكن أن نقول إن هذا اختلاق وليس اختراقاً، والمتتبع لذلك يمكن أن يلاحظ أن حماس هي التي تمكنت من اختراق (إسرائيل) أمنياً باعتراف المسؤولين الإسرائيليين وذلك من خلال استهدافها أماكن استراتيجية داخل (إسرائيل) تخضع لتحصينات أمنية حيث قوضت العمليات الاستشهادية نظرية الأمن الإسرائيلية بأبعادها المختلفة مما أشاع حالة الهوس الأمني ودفع (إسرائيل) لاستخدام كافة الوسائل وآخرها الجدار الذي تتوهم أنه لا يمكن اختراقه.

مأزق شارون

والآن يمكن أن نقول إن المأزق الذي يواجه شارون أصبح أكثر صعوبة بعد قيامه بتصفية قيادة حماس ظناً منه أنه استطاع أن يقضي بذلك على الحركة أو يساهم في إضعافها، ومن ثم سوف يساهم في تحقيق الأمن المنشود الذي وعد به الصهاينة، وهو ما لم يتحقق ولن يتحقق إن شاء الله، وها هو أحد القيادات الاستخباراتية ووزير الخارجية الأسبق شلومو بن عامي يقول مع الأسف في كل مرة يحدثا فيها شارون أنه تمكن من الوصول إلى وسائل ناجحة لمكافحة الإرهاب الفلسطيني يتبين لنا أنه يحدثنا عن المستحيل الذي لن يتحقق.

وفي نفس الإطار حذر شيمون بيريز - رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق - شارون من سياسته التي يتبعها في تصفية جسد ل حماس: مؤكداً أن هذه الأعمال تزيد من شعبية حماس ومن التفاف الشارع العربي والإسلامي حولها، وبالتالي فشارون بهذه السياسة تحقق مكاسب الحماس تزيد في رصيدها ولا تضعفها يديعوت أحرنوت والفضائية الصهيونية.

وبالتالي يمكن أن نقول إن حماس جسد ينمو داخل فلسطين وخارجها، ولن تساهم الاستفزازات الصهيونية في إقصائه أو نفيه لأنه أصبح جزءاً من نسيج المجتمع الفلسطيني داخلياً وخارجياً.

الرابط المختصر :