; عودة المملكة المغربيّة إلى الاتحاد الإفريقي.. أبعاد ورهانات | مجلة المجتمع

العنوان عودة المملكة المغربيّة إلى الاتحاد الإفريقي.. أبعاد ورهانات

الكاتب عبدالغني بلوط

تاريخ النشر الاثنين 01-أغسطس-2016

مشاهدات 39

نشر في العدد 2098

نشر في الصفحة 54

الاثنين 01-أغسطس-2016

المغرب خطا خطوة أولى في طريق الألف ميل ذلك أن 28 دولة أصبحت تعتبر الجبهة لا محل لها في الاتحاد بناء على قانونه الداخلي وعلى القانون الدولي

هذه العودة كانت مطلباً إفريقياً أيضاً على اعتبار المكانة التي أصبح يتمتّع بها المغرب بين الدول الإفريقية وذلك من خلال عدد من التراكمات في السنوات الأخيرة

الرباط: عبد الغني بلوط بن الطاهر

أعلن العاهل المغربي محمد السادس في شهر يوليو 2016م عن عودة المغرب إلى منظمة الاتحاد الإفريقي بعد غياب دام أكثر من 32 سنة. وحظي القرار بإجماع كبير داخل المملكة، كما تضمنت رسالة وجّهها 28 بلداً عضواً في الاتحاد الإفريقي إلى رئيس جمهورية تشاد بصفته الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي ترحيباً بقرار المغرب العودة إلى الاتحاد.

 

وحملت الرسالة الملكية إلى القمة 27 للاتحاد الإفريقي برواندا رسائل واضحة لمن يهمهم الأمر، حيث قال الملك: «إن الوقت قد حان ليسترجع المغرب مكانته الطبيعية ضمن أسرته المؤسسية بحيث يمكنه أن يساهم في جعل هذه المنظمة أكثر قوة بعد تخلصها من مخلفات الزمن البائد».

فشل سياسة الكرسي الفارغ

وشدّد محمد السادس على أن المغرب الذي انسحب من منظمة الوحدة الإفريقية عام 1984م في ظروف خاصة لم يغادر إفريقيا أبداً، وأن الوقت قد حان ليسترجع مكانته الطبيعية فيها.

وهي إشارة إلى أن المغرب بالرغم من الدور الكبير الذي كان يلعبه في إفريقيا عبر علاقة ثنائية خاصة مع عدد من البلدان الكبرى بالقارة السمراء، أصبح يرى أن الاحتجاج على المنظمة الإفريقية بسياسية الكرسي الفارغ لم تعد مجدية وأن الزمن قد تغيّر، وأن إستراتيجيته لحل معضلة الصحراء وقضيتها المفتعلة يجب أن تسلك مساراً آخر. 

وتشير الرسالة الملكيّة  إلى أن دولاً ستعمل من أجل «تعليق مشاركة ما تسمى الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية في أنشطة الاتحاد الإفريقي وجميع أجهزته من أجل تمكين الاتحاد الإفريقي من الاضطلاع بدور بنّاء، والمساهمة بشكل إيجابي في جهود منظمة الأمم المتحدة قصد التسويّة النهائيّة للنزاع الإقليمي حول الصحراء».

قرار قوي وجريء

وترى البرلمانية النشيطة نزهة الوافي، عضو فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب في تصريح للمجتمع، أن استعادة المغرب لمقعده بمنظمة الاتحاد الإفريقي «قرار قوي وجريء، أربك جميع خصوم المغرب وحساباتهم ومخططاتهم المغرضة بالقارة الإفريقية».

وتوضح الوافي أن قرار استعادة المقعد بالمنظمة الإفريقية «سيعزز التواجد المغربي في لجان إستراتيجية، كلجنة الخبراء والاقتصاديين، ويسمح بالحضور في اللقاء المشترك لوزراء المالية والتجارة الخارجية التابع للمجلس الاجتماعي والاقتصادي للاتحاد الإفريقي»، مؤكدة أن «المغاربة أفارقة قلباً وقالباً وجغرافياً وحضارياً».

أما أبعاد هذه العودة فيربطها الدكتور إدريس لكريني أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض بأربعة أمور: أولها سحب عدد من الدول اعترافها بالبوليساريو، واستمرار المغرب وتشبثه بطرح مقترح الحكم الذاتي الذي يعتبر خطوة للأمام خطاها المغرب في مقابل الخطابات الجامدة للخصوم، والجانب الثالث يتمثّل في كون انسحاب المغرب من المنظمة الإفريقية لم يجعله ينقطع عن الشأن الإفريقي، بل كان دائماً في صلب اهتماماته، حافزاً على تمتين العلاقة بين دول إفريقيا على عدة مستويات سياسية واقتصادية وروحيّة دينيّة. أما البعد الرابع فهو أن هذه العودة كانت مطلباً إفريقياً أيضاً، على اعتبار المكانة التي أصبح يتمتّع بها المغرب بين الدول الإفريقية، وذلك من خلال عدد من التراكمات التي راكمها في السنوات الأخيرة، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو على المستوى الحقوقي، والأهم من ذلك المستوى الأمني. 

ويطرح الدكتور خالد شيات أستاذ العلوم السياسية مسألة قانونيّة، حيث يعتبر أن عودة المغرب لهذه المنظمة مسألة طبيعيّة وعاديّة، وأمر يدخل في خانة المطلوب باعتبار الترابط التاريخي والحضاري والجغرافي للمغرب مع القارة، لكن المشكلة تبقى قانونية.. فهل يعتبر خروج المغرب انسحاباً مؤقتاً باعتبار أن الأمر يحدث مراراً وتكراراً من المنظمات إما بإرادة منفردة للدول، كما حدث مع المغرب، أو إريتريا التي اتهمت بدعم الجماعات الإسلامية من قبل الاتحاد الإفريقي، وانسحبت بعد ذلك، وإما بإرادة الاتحاد كما هو الحال بالنسبة للحالات التي يقع فيها انقلاب عسكري مثلاً، في خلاف تام مع مقررات الاتحاد، كما حدث بعد انقلاب مصر الأخير. 

رهانات جديدة

وبعودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، تطرح رهانات جديدة، لذلك يعتبر الدكتور لكريني أن أول رهان يواجه المغرب هو سعيه لشغل المقعد الشاغر كما يجب والذي كلفه كثيراً، وتحطيم الرؤية الأحادية للخصوم، وذلك بشرح موقفه الواضح من قضيته، وتكسير احتكار خصومه للكلام داخل الاتحاد وترويجهم لمغالطات تاريخية وأخرى واقعيّة.

كما أن المغرب خطا خطوة أولى في مسار الألف ميل، ذلك أن 28 دولة أصبحت تعتبر الجبهة لا محل لها في الاتحاد، مستندة إلى قانونه الداخلي وأيضاً إلى القانون الدولي العام.

ورهانه الأكبر بالرغم من أن الأمر واضح.. هو اقتناع الدول الإفريقية أن مثل هذه الكيانات لم تعد تهدد مصالح المغرب فقط، وإنما تشكل تهديداً لباقي الدول، ويمكن أن تصبح نموذجاً في حركات انفصالية مماثلة قد تستغل التنوع الثقافي والاثني لهذه الدول لتحصين نفسها.

وعودة المغرب ستمكنها من إقناع الدول «المترددة» أو «الهائمة» التي انطلت عليها حيلة الخصوم، علاوة على إظهار مظاهر اندماج الأقاليم الجنوبية في الدينامية التي يعرفها المغرب على جميع المستويات فيجب أن يتحرك المغرب بيقظة واعية ومرافعة قويّة مدعومة بدبلوماسية موازية متمثلة في الدبلوماسية البرلمانيّة، من خلال عقد اجتماعات دورية مع برلمانات الدول الإفريقية وشرح الموقف المغربي وتعزيزه، إضافة إلى تعزيز دبلوماسيّة الأحزاب السياسية، وأيضاً الإعلامية، بالإضافة إلى دبلوماسيّة المدن الكبيرة، ودبلوماسيّة رجال الأعمال، من خلال تنويع المصالح المشتركة وتشبيكها.> 

فرصة تاريخية 

يؤكد الدكتور عبد الفتاح الفاتحي أستاذ العلاقات الدوليّة المتخصص في الشؤون الصحراويّة في تصريح للمجتمع، أن المغرب أمامه فرصة تاريخيّة لاستعادة مقعده بالاتحاد الإفريقي، إذ يشكل ذلك أساساً للمواءمة السياسة والاقتصادية داخل إفريقيا. 

ويضيف: «ولأن المغرب أخذ على عاتقه العمل من داخل إفريقيا لصالحه السياسي والاقتصادي كخيار جيوسيسي محض. بل ولأن المملكة المغربية راعت هذا الترابط الوثيق بين المغرب ومحيطه الإفريقي حتى أن عدداً من الموالين الأفارقة لا يزالون متعهّدين للتبعيّة الدينيّة للمملكة المغربيّة دينياً من خلال الولاء والبيعة لإمارة المؤمنين. كما أن المملكة المغربية وتبعاً لتطوير علاقاتها السياسية والاقتصادية مع عدد من الدول الإفريقية الصديقة أنضجت أفقاً اقتصادياً متقدماً نتج عنه تحقيق نتائج إيجابية من تدبير ذلك وفق إستراتيجية تراعي المصالح الإفريقية الإستراتيجية، عبر تفعيل مبدأ تعاون جنوب جنوب، يقوم أساساً على التعاون التضامني والشراكة النديّة في العلاقات الثنائيّة. 

وقد حقّق التعاون على هذا الأساس نتائج طيبة جداً، دعت عدداً من الدول الصديقة في إفريقيا الغربية إلى الترحيب بهذه الرؤية التضامنية مع المغرب، وهو ما تم فعلاً. 

وتبعاً لهذا المنطق، فإن عودة المغرب تعزّز قوة الاتحاد الإفريقي سياسياً، ضمن تفاعلات العلاقات لدولية، وأن هذه العودة قبل أن تكون تزكية لعمل المغرب ورؤيته التعاونيّة؛ فإنها تعزز فعالية الاتحاد الإفريقي سياسياً واقتصادياً، وتقوّي فرض قراراته السياسيّة المتعلّقة بالنزاعات السياسيّة الإفريقيّة،. 

ومنه - حسب الفاتحي - فإن رهان العودة يجب أن ينظر إليه كمنعطف حاسم، يعزّز الإجماع الإفريقي سياسياً، ويستوعب قيم التعاون الاقتصادي مستقبلاً. 

وعليه فإن واقع الحال يتطلّب إصلاح الخلل لضمان العمل وفق الضوابط الدولية ولما فيه المصالح الإستراتيجية والاقتصادية لكامل إفريقيا بدل الاصطفاف السياسي لنزعات قُطريّة تعيق تحديثاً مطلوباً في إفريقيا اليوم.>

الرابط المختصر :