; العبودية في الإسلام.. حقيقتها وشمولها | مجلة المجتمع

العنوان العبودية في الإسلام.. حقيقتها وشمولها

الكاتب عبد الله الجار الله

تاريخ النشر الثلاثاء 20-ديسمبر-1977

مشاهدات 77

نشر في العدد 379

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 20-ديسمبر-1977

سئل شيخ الإسلام ابن تيميه- رحمه الله تعالى- عن قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (البقرة:21) فما العبادة؟ وما فروعها؟ وهل مجموع الدين داخل فيها أم لا؟ وما حقيقة العبودية؟ وهل هي أعلى المقامات في الدنيا والآخرة أم فوقها شيء. 

فأجاب- رحمه الله: الحمد لله رب العالمين: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة فالصلاة والزكاة والصوم والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمه والرضاء بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه وأمثال ذلك هي من العبادة؛ وذلك أن العبادة هي الغاية المحبوبة لله والمرضية له وهي التي خلق الخلق لها قال تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (الذاريات:56) وبها أرسل جميع الرسل كما قال نوح لقومه ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ (هود:84) وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لقومهم وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ (النحل:36) وقال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (الأنبياء:25) فالدين كله داخل في العباد «وقد ثبت في الصحيح أن جبريل عليه السلام لما أتى النبي- صلى الله علي وسلم- في صورة أعرابي فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان فأخبره بذلك ثم قال في آخر الحديث هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم مجعل ها كله من الدين».

والدين يتضمن معنى الخضوع والذل يقال: دنته فدان أي ذللته فذل ويقال ندين الله وندين لله أي نطيعه ونعبده ونخضع له.

شرع وأمر، لا يعبده بغير ذلك من الأهواء والظنون والبدع، إذا تبين ذلك فكمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله وكلما ازداد العبد تحقيقًا للعبودية ازداد كماله وعلت درجته. 

وكلما ازداد القلب حبًّا له ازداد له عبودية وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبًّا وحرية مما سواه والقلب فقير إلى الله من جهتين: من جهة العبادة وهي العلة الغائية ومن جهة الاستعانة والتوكل فهو دائمًا مفتقر إلى حقيقة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (الفاتحة:5) فالعبد مفتقر إلى الله من حيث هو المطلوب المحبوب المراد المعبود ومن حيث هو المسئول المستعان به المتوكل عليه فهو الله الذي لا إله غيره وهو ربه الذي لا رب سواه ولا تتم عبوديته لله إلا بهذين «العبادة، والاستقامة» فأكمل الخلق وأعلاهم وأفضلهم وأقربهم إلي الله أتمهم عبودية لله من هذا الوجه.

وهذا هو حقيق دين الإسلام الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه وهو أن يستسلم لعبد الله لا لغيره فالمستسلم لله ولغيره مشرك والممتنع عن الاستسلام له مستكبر وكل من استكبر عن عبادة الله فلا بد أن يعبد غيره ويذل له. ولن يستغني العبد عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه ولا يستعين إلا به ولا يتوكل إلا عليه ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه ولا يكره إلا ما يبغضه الرب ويكرهه ولا يوالي إلا من والاه الله ولا يعادي إلا من عاداه ولا يحب إلا الله ولا يبغض شيئًا إلا لله ولا يعطي إلا لله ولا يمنع إلا لله، فكلما قوى إخلاص حبه ودينه لله كملت عبوديته لله واستغناؤه عن المخلوقات وبكمال عبوديته لله تكمل براءته من الشرك والكفر والكبر. والدين الحق هو تحقيق العبودية لله بكل وجه وتحقيق محبة الله بكل درجة. وبقدر تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه وتكمل محبة الرب لعبده وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا. وكلما كان في القلب حب لغير الله كانت فيه عبودية لغيره بحسب ذلك وكل محبة لا تكون لله فهي باطلة وكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل، فالدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله. ولا يكون لله إلا ما أحبه الله ورسوله وهو المشروع وهذا الأصل هو أصل الدين وبحسب تحقيقه يكون تحقيق الدين وبه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب وإليه دعا الرسول- صلى الله عليه وسلم- وعليه جاهد وبه أمر وفيه رغب وهو قطب الدين الذي تدور عليه رحاه.

وجماع الدين أصلان: أن لا نعبد إلا الله ولا نعبده إلا بما شرع؛ لا نعبده بالبدع كما قال الله تعالى ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (الكهف:110) وذلك تحقيق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدًا رسول الله ففي الأول أن لا نعبد إلا إياه. وفي الثانية أن محمدًا هو رسوله المبلغ عنه فعلينا تصديق خبره وطاعه أمره وقد بين لنا- صلى الله عليه وسلم- ما نعبد الله به ونهانا عن محدثات الأمور وأخبر أنها ضلالة فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله.

وقد هدى الله المؤمنين المخلصين لله أهل الصراط المستقيم الذين عرفوا الحق واتبعوه فأخلصوا دينهم لله وأنابوا إلى الله ربهم وأحبوه ورجوه وخافوه وسألوه ورغبوا إليه وأطاعوا رسله وعظموهم ووقروهم وأحبوهم ووالوهم واتبعوهم واقتفوا آثارهم واهتدوا بمنارهم.

وذلك هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل وهو الدين الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه. وهو حقيقة العبادة لله رب العالمين. 

فنسأل الله العظيم أن يثبتنا عليه ويحيينا ويميتنا عليه وسائر إخواننا المسلمين والحمد لله وحده. 

وصلى الله على محمد وعلى آلة وصحبه وسلم.

ملحوظة: انظر كتاب العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل