; مطالعات في الصحافة الإسلامية (عدد 397) | مجلة المجتمع

العنوان مطالعات في الصحافة الإسلامية (عدد 397)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-1978

مشاهدات 86

نشر في العدد 397

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 30-مايو-1978

▪    لماذا لا يحكم بما أنزل الله؟ أليس الله بأحكم الحاكمين؟

تحت هذا العنوان كتبت مجلة- الهدي النبوي- تقول: سؤال يتردد كثيرًا هذه الأيام بعد أن اتسعت والحمد لله دائرة الإسلام ممثلًا على الأخص بالشباب المسلم الذي يرفض أية مخالفة للإسلام حتى في المظهر والسلوك، بل ويعاني مشقة من هؤلاء الذين يرون في المظهر الإسلامي خطرًا على مجتمعاتهم العفنة وهم جراثيم ترتع فيها، وترى الطهارة إبادة لوجودهم، ولسان حالهم يقول كما قال لوط من قبل ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (النمل: 56)، وذلك السؤال المتردد له إجابات شتى، تحدد موقف الحاكمين بغير ما أنزل الله وأيضًا المحتكمين إلى غير ما أنزل الله.

هل لا يحكم بما أنزل الله لأنهم لا يقرون أنه حكم الله المنزل؟ تلك إلحادية مادية وردة، والإلحاد المادي والردة لا ينبغي أن تمنحا الفرصة ليعلوا بحكم البشر- الماء المهين- على حكم الخالق هل لا يحكم بما أنزل الله لأنهم يقرون أنه حكم الله ومع ذلك يترددون في صلاحيته؟ ذلك نفاق قال عنه- تعالى- ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ (النساء: 60-61).

فالذين يعترفون بحكم الله ولا يحتكمون إليه منافقون لا ينفعهم زعمهم أنهم آمنوا بما أنزل الله- والأمر سينتهي بهم حتمًا إلى مصيبة- ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ (النساء: 62).

وهل يأتي الإحسان بغير كتاب الله، وهل يتحقق التوفيق بدون ما أنزل الله وقد انتهت الآيات بقسم من الله بالله إلى رسول الله، على حكم الله ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).

ولعل قسم الله بذاته- فلا وربك لا يؤمنون، يصحح أفكار الذين قالوا بالكفر العملي، والكفر الاعتقادي والمخرج من الملة وغير المخرج، إلى غير ذلك من فلسفات القرون المتأخرة وحكم الله الفصل يقول: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: 47).

هل لا يحكم بما أنزل الله لأن الوضع غير صالح لحكم الله- تعالى- كما يقولون وينتظرون إصلاح حال المجتمع لإمكان تطبيق حكم الله؟ وحكم الله هو العلاج فكأنهم يقولون على المريض أن يشفى أولًا ثم يتناول الدواء أو العلاج.

ولا شك أن الدواء أو العلاج الذي استطاع أن يقضي على أمراض الجاهلية الأولى قادر على علاج أمراض كل الجاهليات، بل إن ترك حكم الله هو في ذاته مرض خطير خبيث- ﴿أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (النور: 50).

والله- تعالى- أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين والأعلم بمن خلق، وحكمه العدل والحكمة والصلاح والإصلاح فلماذا لا يحكم بما أنزل الله؟

لماذا لا يحكم بما أنزل الله في العقيدة وهي تقضي بأن النفس لا تخضع، ولا تذل ولا تخشع ولا ترغب إلا إلى عظمته وكبريائه؟ لماذا لا يحكم بما أنزل الله- تعالى- حماية للأعراض والأنفس والدماء والأموال؟

لم تبق معنا إلا إجابة واحدة: من الذي يخشى من تطبيق حكم الله- تعالى- في الزنا والقذف، ومن الذي يحول دون حكم الله في السرقة والخمر والربا والقصاص في الأنفس والأطراف؟ وحكم الله لا يخشاه إلا اللصوص والمعتدون والسكارى، والمرابـون، وأهل الدعارة، والفحش. وهم الذين يخشون ظهور المجتمع الطاهر ولسان حالهم يقول: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (النمل: 56) فاللص يخشى على يده أن تقطع. والزاني يخشى على ظهره أن يجلد وعلى جسده أن يرجم.

والسكير يخاف على ظهره أن يجلد والمرابي يخاف على ما يظنه أرباحًا

أن تضيع والمعتدي يخشى من القصاص الذي لا يعرف تلونًا حسب منزلة المعتدي هؤلاء هم الذين يخشون من ظهور حكم الله، فهل الفسقة والفجرة واللصوص والسكارى والمعتدون لديهم القدرة إلى هذا الحد على تعطيل حكم الله؟ وطائفة أخرى تعطل هذا الحكـم وهي التي لا ترضى للإسلام أن يحكم وأن يظهر وأن يسود لأنها تعلم ما الذي فعله حكم الإسلام في الماضي.

والعجيب أن هؤلاء جميعًا لا يستحيون من الوقوف في وجه حكم الله والحيلولة دون تطبيقه، إنهم يريدون مجتمعًا يسمح لنزواتهم أن تظهر، ولشهواتهم أن تجد مرتعًا خصبًا والعجيب أن هؤلاء يسارعون إلى حكم الله إذا وجدوا فيه منفعة لهم كنصيب في الميراث، أو غيره، وفي هؤلاء قول ربنا ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ ۞ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ (النور: 49- 50).

ويقولون لجان ودراسة ومشروع وبحث واقتراح وغير ذلك من المسكنات والمخدرات ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ (النساء: 81).

يا قوم إن حكم الله لا يستمد هيبته وسلطانه وجبروته من مجلس شعب أو لجنة دراسة مشروع بقانون أو غيره يكفي أن الذي أنزله الواحد القهار الجبار مقلب الليل والنهار وليس على الماء المهين والنطفة والعلقة والمضغة إلا أن يقول: سمعنا وأطعنا.

لا بحثنا ودرسنا وطرحنا واقترحنا وتجادلنا وأخذنا الأصوات كفاكم نفاقًا فإن المعيشة الضنك من صنع أيديكم بالإعراض عن حكم الله ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (طه: 124).

وعند ذلك لا تنفع العملة الصعبة، ولا الخطة الاقتصادية، ولا الخبراء، ولا اللجان ولا الأرقام، ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ (فاطر: 2) صدق الله العظيم.

 

▪    مع الحقيقة.. من أين نبدأ بالإصلاح

تحت هذا العنوان كتبت جريدة- الرائد- الهندية في عددها الأخير، تقول: قلنا- ولا نزال على هذا الرأي- أن تطوير الإعلام والتربية وتطبيق الشريعة الإسلامية يجب أن يسيرا جنبًا إلى جنب وبتوافق تام.

فإن تطبيق الشريعة من غير تطوير جذري لازم في أجهزة الإعلام والتربية وفق الروح الإسلامية والفهم الإسلامي العميق قد يأتي بنتائج معاكسة حينًا وقد يسيء إلى سمعة الإسلام ويشوه جماله بعض الأحيان.

وذلك أدهى وأمر: لأنه يقطع آخر خيط من الأمل في عودة الإسلام، ويحدث ردود فعل سيئة في الشباب كما أن مجرد محاولات التطوير والإصلاح بصرف النظر عن تطبيق الشريعة لا يأتي بمحصول كبير، بل إنها تصيب جانبًا كبيرًا من الحياة الإسلامية والمجتمع الإسلامي بالضرر بل بالشلل وتقدم صورة هزيلة للنظام الإسلامي الحي، الكامل، القوي، أنه لا يجوز أن يطبق حكم الشارع في المستهترين والعابثين، على مستوى الشعب ولا يطبق حكم الشرع على الصور الذاهبة باللب، والحوار الساخر بالدين، والمناظر الخليعة المنافية للآداب، والروايات المثيرة للغرائز والشهوات وأنه لا يجوز أن يطبق حكم الشارع في القصاص والعقاب فحسب، ولا يطبق حكم الشارع في روايات الجريمة والسرقة، والاحتيال، والسطو والفتنة والإغراء على الشاشة، وهكذا فقل عن الصحافة والباب يتسع لنواح مختلفة، وجوانب من هذا التناقض العجيب أننا نهيئ أسباب الخلوة بالأجنبية، ودواعي الإثم والفحشاء، ثم نلوم من يقعون في حبائل النساء، نحن نزود النشء الجديد بثقافة مسمومة تبذر في نفوسه بذور الشك وتضعف ثقته وصلته بالإسلام ومنابعـه الأصيلة الصافية، ثم نشكو من خروجه على مبادئ الإسلام وآداب الإسلام، والحديث يطول.

إنما القضية ليست قضية: من أين نبدأ الإصلاح؟ هل نبدأ بإصلاح الأوضاع الاجتماعية الفاسدة أم نبدأ بتطبيق العقوبات؟ نبدأ بغرس الإيمان في النفوس وترسيخ مقومات الدين، ومتطلباته في العقول والأذهان أم نبدأ بإجراء حدود الله وتنفيذ شريعة الله كاملة؟

ليست هذه هي القضية، إنما القضية أن نبدأ بتطبيق الشريعة سواء منه في مجالات الإدارة والحكم، والدعاية، والإعلام، والتربية، والثقافة، والفنون والآداب، أم في مجالات المحكمة والقضاء، ومجال التعزيرات والعقوبات إنه لا يصح إرجاء تطبيق الشريعة حتى تتهيأ النفوس لقبولها، ولا يجوز إرجاء تهيئة النفوس والعقول، وتربية الشعب اكتفاء بتطبيق الحدود، وبصرف النظر عن سائر الملابسات.

إن لتطبيق الشريعة مطالب من بينها ألا نسمح لدعاة التغريب والإفساد وهواة الانحلال الخلقي يشيعون الفاحشة في الذين آمنوا، إنما نطالب بتطبيق الشريعة، ولكن لا بقطع يد السارق أو رجم الزاني فحسب، بل بمنع دواعي الزنا وعوامل السرقة أيضًا.

هذه الدواعي التي تتمثل غالبًا في الأفلام في السينما والمسرح والتلفزيون والكازينوهات وعلى رمال المصائف وصالات الفنادق وفي الرحلات السياحية ونحو ذلك.

نطالب بتطبيق الشريعة على رجل الحكم، ورجل الشارع، على الراعي وعلى الرعية، نطالب به بسائر جوانبها وفي سائر مجالاتها، جهازًا متكاملًا وثيق الصلة، بعضه ببعض.

محمد الحسني

الرابط المختصر :