العنوان المجتمع تفتح ملف «التسوية النهائية».. «المياه» العربية «تشعل» مفاوضات التسوية
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر الثلاثاء 09-نوفمبر-1999
مشاهدات 71
نشر في العدد 1375
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 09-نوفمبر-1999
• الصهاينة يستولون على مصادر المياه العربية الرئيسة منذ عام ١٩٦٧م ويؤكدون أن الاحتفاظ بها خط أحمر في أي مفاوضات
• الدول العربية تحتاج إلى ٣٠٠ مليار متر مكعب سنويًّا.. لا يتوافر منها سوی۱۷۰ مليارًا
• الإسرائيلي يستهلك من المياه عشرة أضعاف الفلسطيني ويبيع الباقي للفلسطينيين
• خطة صهيونية لتحلية ٩٠٠ مليون متر مكعب من مياه البحر سنويًّا بسبب الجفاف
القاهرة: محمد جمال عرفة
لندن: قدس برس
من المعروف أن الماء هو الذي يطفئ الحريق، إلا أنه في الحال التي تكون الدولة العبرية طرفًا فيه، يبدو أن الماء هو الذي سيشعلها، ويحذر المختصون من أن الصراع في القرن القادم لن يكون بالدرجة الأولى على الأرض أو الذهب الأسود «النفط»، بل ستكون المياه نقطة الصراع الذي قد تسفك من أجلها الدماء للاحتفاظ بها، ويرى المختصون أنه من الصعب تخيل النقص في موارد العالم من المياه، في حين تغطي المحيطات ثلاثة أرباع سطح الكرة الأرضية، إلا أن الأمم المتحدة تتوقع أن يواجه مليار شخص أزمات مياه طاحنة بعد نحو ٢٥ عامًا من الآن.
يقول الخبير الدولي في قضايا المياه إسماعيل سراج الدين: «إن معادلة قضية المياه بسيطة لكنها مهلكة، فلا بد من توفير مياه لثلاثة بلايين شخص سوف يضافون إلى سكان العالم بحلول عام ٢٠٢٥».
ويؤكد سراج الدين أنه «لا بد من توفير المياه عبر تحلية مياه البحر المالحة بحلول عام ٢٠٢٥، وإلا فإن البديل المحقق هو المجاعات والحروب بسبب النقص».
ويعد عام ١٩٩٩م... أكثر الأعوام جفافًا في الشرق الأوسط منذ الثلاثينيات، فقد ضرب الجفاف منابع المياه النهرية العادية، كما طال الآبار الجوفية حتى باتت أكثر ملوحة مما يتطلب وقف الضخ منها.
والمفارقة.. أن هذا العام هو عام التفاوض بين الدول العربية والصهاينة حول كيفية توزيع مصادر المياه «العربية» التي يستولي عليها الصهاينة منذ سرقتها عام ١٩٦٧م، الأمر الذي يهدد بتفجير هذه المفاوضات المفترض أنها مفاوضات التسوية النهائية، وربما اندلاع حروب من نوع جديد على المياه لصعوبة تقديم تنازلات من أي طرف فيها؛ لأن التنازل لأي طرف يمثل الموت عطشًا.
فبعد توصل الصهاينة والفلسطينيين لتوقيع اتفاق واي- 2، بدأت مفاوضات الوضع النهائي في ١٣ سبتمبر الجاري بين الفلسطينيين والإسرائيليين حول المياه والقدس واللاجئين، كما تتصاعد التوقعات باستئناف المحادثات السورية- الإسرائيلية خلال الأيام أو الشهور القادمة، حيث تمثل قضية المياه إحدى نقاط تفجيرها بسبب سيطرة الصهاينة على مرتفعات الجولان المصدر الرئيس لمياه نهر الأردن وبحيرة الجليل، والتي توفر المياه لكل من سورية والأردن وفلسطين والدولة العبرية، وتعتمد تل أبيب على هذه المياه في توفير «ثمن» احتياجاتها المائية، ولذا يقول مسئولو حكومة باراك الحالية: إن احتفاظ إسرائيل بمصادر المياه السورية هذه سيكون «خطأ أحمر» في أي محادثات سلام حول الجولان!
ويزيد من خطورة انفجار برميل بارود المياه في المنطقة، تشابك المصالح بين الدولة الصهيونية والدولة العلمانية في تركيا التي تتحكم بدورها في مياه نهر الفرات التي تغذي كلًّا من العراق وسورية، وعرض تركيا تزويد الصهاينة بالمياه عبر مشروع قديم جرى إحياؤه مؤخرًا فقد وصل وفد من الكيان الصهيوني مؤخرًا إلى تركيا لبحث الأمر ضمن مفاوضات حول موضوعات أخرى أخطر أبرزها بناء قاعدة إسرائيلية في تركيا ضمن ما تزعم إسرائيل أنها ستبنيه لتركيا في مدينة إزميت التي تعرضت للزلزال!
أما الأخطر من ذلك، فهو أن الدول العربية معرضة في القرن القادم لنقص حاد في المياه التي يأتي ثلثا مواردها من خارج المنطقة العربية حيث يقدر الخبراء في جامعة الدول العربية حاجة العرب من المياه إجمالًا بـ٣٠٠ مليار متر مكعب سنويًّا ويحذرون من أن المتوافر منها الآن فقط ۱۷۰ مليار متر مكعب.
وقد حذرت جامعة الدول العربية من هذا الخطر للمرة العاشرة من خلال تقرير المياه الذي عرض على وزراء الخارجية العرب في دورتهم الأخيرة رقم ۱۱۲، وأشارت إلى آثار أزمة المياه الخطيرة على الفلسطينيين تحديدًا، وعلى السوريين والعراقيين بسبب تجاهل تركيا لحقوقهم في مياه نهري دجلة والفرات، ودعا التقرير إلى حماية الحقوق المائية الفلسطينية ساردًا تفاصيل السرقات الإسرائيلية، كما دعا تركيا للدخول في مفاوضات، وفي أقرب وقت ممكن مع سورية والعراق، للتوصل إلى اتفاق نهائي لتقسيم عادل ومعقول للمياه يضمن حقوق الجميع في المياه، وفقًا لأحكام القانون الدولي.
إسرائيل تسرق مياه الفلسطينيين ثم تبيعها لهم
في أعقاب حرب يونيو ١٩٦٧م، سيطر الكيان الصهيوني على مصادر المياه العربية الثلاثة الرئيسة في منطقة الشرق الأوسط وهي: حوض نهر الأردن الأعلى «الذي ينبع في لبنان وسورية» وحوض نهر اليرموك «المشترك بين الأردن وسورية»، والخزانات الجوفية الضخمة تحت الضفة الغربية في فلسطين، والمعروفة باسم «خزان الجبل» أو «بئر الجبل»، وأصبح الصهاينة يتحكمون بذلك في المياه التي تصل إلى الفلسطينيين والأردنيين، وكذلك السوريين واللبنانيين، وعندما بدأت أولى جلسات المفاوضات المتعددة حول المياه عام ١٩٩٢م، كان من الواضح أن هناك تهربًا صهيونيًّا واضحًا من مواجهة الدول العربية دفعة واحدة وتفضيل الانفراد بكل دولة على حدة أملًا في الحصول على مزايا وانتزاع أكبر كميات ممكنة من مصادر المياه منها، ونجحوا بالفعل في إفشال هذه المفاوضات، كما نجحوا في إبرام اتفاق مائي منفصل مع الأردن ليظل موقف الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين أكثر حرجًا، بسبب استنزاف الصهاينة لمواردهم باستمرار وبكميات كبيرة تجعل التفاوض على ما تبقى منها أشبه بحرب بين أربعة أشخاص عطشى على كوب ماء واحد.
ولأن لسورية ولبنان مصادر مائية أخرى غير تلك التي استولى عليها الصهاينة، فقد أصبح الفلسطينيون وحدهم بين شقي الرحى، يتضورون عطشًا، ولا يملكون حتى حفر بئر ماء في أراضيهم بموجب القانون الإسرائيلي!
وقد أصدرت السلطة الفلسطينية تقارير عدة، اعتمدت عليها تقارير المياه التي أصدرتها جامعة الدول العربية، تشرح بالتفصيل كيف يسرق الصهاينة مياه الفلسطينيين، ثم يجبرونهم على شرائها بالقطارة، ولم تستبعد هذه التقارير أن تعطل أزمة المياه هذه مفاوضات التسوية النهائية على اعتبار أنها موارد محدودة لا تكفي أصلًا الطرفين في الوقت الراهن، مما يجعل تقسيمها أكثر صعوبة في ضوء عدم وجود بدائل رخيصة لها، والأخطر تناقصها المستمر بحكم كونها مياه آبار تقلصت بشدة في العامين الماضيين وبلغت حد الخطر في نقصها بسبب أسوأ موجة جفاف ضربت المنطقة هذا العام، ودفعت بدو النقب وفلسطين وحتى سيناء لترك منازلهم وزراعاتهم التي دمرها الجفاف.
وترصد المصادر الفلسطينية الفجوة الضخمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في موارد المياه بالأرقام موضحة أن الصهاينة يتحكمون في ٨٥% من مياه الضفة وغزة ويسحبون ما بين ٨٥%- ٩٠% من مياه الخزانات الجوفية المشتركة مع الفلسطينيين، ومع ذلك يزعمون أن هذه المياه لا تشكل سوى ربع إجمالي الاحتياجات الإسرائيلية السنوية! وعلى سبيل المثال يحصل الصهاينة على ٤٨٣ مليون متر مكعب سنويًّا من خزان الجبل، في حين لا يحصل كل فلسطينيي الضفة إلا على ۱۱۸ مليون متر مكعب، أي أن إسرائيل تحصل على أربعة أضعاف المياه التي يحصل عليها الفلسطينيون في الضفة الغربية.
ويبلغ نصيب الفلسطينيين «عشر» نصيب الصهاينة عمومًا من المياه الفلسطينية، حيث يستهلك الفلسطينيون في الضفة الغربية وغزة معًا قرابة ٢٤٠ مليون متر مكعب سنويًّا مقابل نحو ألفي مليون متر مكعب سنويًّا لإسرائيل؛ وذلك لأغراض الري الزراعي والصناعي والاستعمال المنزلي، أما متوسط الاستهلاك الفردي فيكشف بوضوح الفارق الكبير بين الطرفين، فبينما يبلغ متوسط استهلاك الفلسطيني «۸۲» مترًا مكعبًا سنويًّا، يصل متوسط استهلاك الإسرائيلي إلى «۳۳۰» مترًا مكعبًا، وبينما يبني الصهاينة حمامات السباحة، لا يجد الفلسطيني الماء الذي يغسل به أوانيه وملابسه، والأغرب أن الصهاينة يحاولون تبرير ذلك باختلاف نمط حياة كل من الفلسطيني والإسرائيلي، زاعمين أن نمط حياة الثاني يتطلب کمیات أكبر من المياه، كما يقول مفوض المياه الإسرائيلي مير بن مير، وكأن الإسرائيليين أكثر نظافة وتحضرًا من الفلسطينيين!
وقد أدت أزمة الجفاف الأخيرة إلى انخفاض منسوب المياه الجوفية في السلسلة الجبلية التي توجد بها الآبار الجوفية في الضفة الغربية لقيام الصهاينة بتخفيض حصة الفلسطينيين من المياه إلى النصف، في الوقت الذي ظل فيه المستوطنون ينعمون بحمامات السباحة، بحيث أصبح لكل فلسطيني حوالي ١٠ ليترات مياه فقط يوميًّا، وهي كمية توازي «خمس» المعدل العالمي لاحتياجات الشخص من المياه «50 لترًا يوميًّا»، وأدى ذلك لأزمة كبيرة في غزة والضفة، حيث دمرت مساحات كبيرة من الزراعات الفلسطينية وأصبحت تجارة المياه تستحوذ على أكثر من ربع دخل الفلسطينيين، والأواني مكدسة في المنازل لا تجد المياه اللازمة لتنظيفها.
كما أدى نقص المياه التي يتم ضخها للفلسطينيين واستنزاف الصهاينة المستمر للآبار الجوفية، لأن تصبح آبار مدينة غزة الجوفية مالحة مما يؤثر صحيًّا على مستخدميها، علمًا بأن غزة تأخذ سنويًّا خمسة مليارات متر مكعب من المياه من الدولة العبرية المحتلة، وهي كمية ليست كافية خصوصًا إذا علمنا أن المستوطنات الصهيونية في غزة تسحب قسمًا كبيرًا من هذه المياه ثم يضطر الفلسطينيون لشرائها من المستوطنين في جالونات مياه كما كان يهود المدينة يفعلون في أهلها قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم.
الأردن وإسرائيل
وعلى صعيد الأزمة المائية بين الأردن والكيان الصهيوني فقد دخلت هذه الأزمة مرحلة خاصة بعد إعلان الكيان الصهيوني أنه غير قادر على تزويد الأردن بكمية المياه التي تنص عليها اتفاقية «وادي عربة» التي وقعت بين الجانبين عام ١٩٩٤م، وأرجعت إسرائيل ذلك إلى موجة الجفاف الشديد الذي تعاني منه والتي تجتاح المنطقة كل صيف، والتي لم تشهد لها مثيلًا منذ ٦٠ عامًا، إلا أن رئيس الوزراء الأردني عبد الرءوف الروابدة أكد في ظل الأزمة الأخيرة أن بلاده مصممة على الحصول على حصتها كاملة من المياه، وأنها لن تقبل التفاوض بهذا الشأن.
ويتساءل المراقبون إن كانت ستتحول الأنهار إلى أدوات للضغط والحصار وإذكاء شعلة الحرب في هذه المنطقة المتوترة أصلًا، إضافة إلى نمو السكان في الوطن العربي، ومشكلة الندرة التي تتفاقم كنتيجة منطقية لتزايد الطلب على المياه لتلبية الاحتياجات المنزلية والصناعية والزراعية.
وقالت لجنة الزراعة والمياه في مجلس النواب الأردني منتصف أغسطس الماضي: إنه اتضح للجنة، ومن خلال البحث في ملحق المياه الذي يشكل جزءًا من معاهدة السلام الأردنية- الإسرائيلية أن هناك صعوبات يضعها الجانب الإسرائيلي حتى الآن تحول دون حصول الأردن على كميات المياه الإضافية، وهي ٥٠ مليون متر مكعب من المياه الصالحة للشرب سنويًّا، كما نص على ذلك في الفقرة الثالثة من المادة الأولى من ملحق المعاهدة.
وقال رئيس اللجنة البرلمانية الأردني المهندس منصور بن طريف: «إن الجانب الإسرائيلي يتنصل من تنفيذ هذه الاتفاقية، رغم أن هناك بندًا واضحًا يتعلق صراحة بتزويد الأردن بمياه صالحة في مستوى المياه الصالحة للشرب، مقدارها خمسون مليون متر مكعب كل عام».
ويقول محللون عرب: إنه لولا وجود إسرائيل كطرف في الأزمة، لما كان من الممكن أن تصل الحدة في قضية المياه إلى هذه الدرجة ولكانت أقل تشابكًا، لما يربط الدول العربية من بعض التوحد، غير أنه في ظل دخول إسرائيل كعنصر أساسي فيها فقد أصبح الأمر صعبًا للغاية، فأطماع الدولة العبرية لا حدود لها، ومشاريعها في الاستيلاء على الأراضي ومنابع المياه العربية لا تنتهي.
ورغم أن بوادر الحرب العربية- الإسرائيلية حول المياه تبدو إلى الآن قليلة، إلا أنها قد تنفجر في أي لحظة قد تحددها الدولة العبرية بما يخدم مصالحها، ما قد يتسبب فيما يمكن تسميته بـ«الحرب المائية» الأولى ويخشى الأردن أن تتنكر تل أبيب للاتفاق الذي وقع معها بشأن المياه، كما تنكرت لاتفاقاتها مع الفلسطينيين ويسود الاعتقاد أنه بانخفاض إنتاج إسرائيل من المياه إلى أقل من النصف لا يبدو أن الأردن سيحصل على حصته الكاملة من مياه بحيرة طبريا، وهي المصدر الرئيس الذي يمد إسرائيل بالمياه العذبة، ولكن لا يبدو أيضًا أن عمان على استعداد لتقديم تنازلات بشأن هذا الموضوع.
ويقول وزير المياه والري الأردني: «هذا الاتفاق هو اتفاق ملزم، لا أستطيع أن أتهاون في حصتي في موضوع المياه، وهذه المشكلة ليست طارئة، بل ظهرت منذ خمسة أعوام، ونحن نتوقع أن يكون هناك جفاف ونسبة هطول للأمطار قليلة، ونتوقع أن يكون صيف عام ۲۰۰۰م أكثر حدة للمشكلة من صيف ۱۹۹۹م، رفضنا المبدئي أن يقال لنا: إن حصتك التي في الاتفاقية سنعطيكم نصفها».
خطة باراك
وقد اعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي باراك بأن موضوع المياه سيكون من أصعب الموضوعات على جميع مسارات التفاوض، ولذلك بدأ في إطلاق التصريحات بأن الاحتفاظ بالمياه ومصادرها «مع إمكان تقسيمها» يعد أحد الخطوط الحمراء في أي مفاوضات، وقد سعى فور توليه السلطة لزيارة واشنطن والتوقيع على اتفاق شراكة استراتيجية أهم ما فيه -غير ضمان التفوق العسكري الصهيوني على العرب- التأكيد على التزام واشنطن بتوفير المياه لإسرائيل.
وقد أثار هذا النص التساؤلات حول نوع مصدر المياه التي ستمد بها واشنطن إسرائيل، وطرحت في هذا الصدد ثلاثة مصادر مهمة:
أولها: هو المصادر المائية العربية ذاتها، وخصوصًا حصة سورية من نهر دجلة، ومياه مصر «من نهر النيل».
وثانيها: هو مياه تركيا التي عرضت بالفعل إحياء مشروع قديم من الخمسينيات لمد إسرائيل بالمياه عبر أنابيب تحت البحر.
وثالثها: مشروع ضخم لبناء محطات تحلية لمياه البحر المتوسط بمساعدات مالية أوربية وأمريكية غرضه تحلية 9٠٠ مليون متر مكعب من مياه البحر سنويًّا بشكل يوفر لها ١٥% من احتياجاتها المائية الحالية، ويضمن عدم نقص المياه لديها في حالة التنازل عن بعضها للسوريين أو الفلسطينيين في مفاوضات التسوية النهائية، وهو مشروع سبق أن أعدته جامعة بن جوريون وقدمته للبنك الدولي في عام ١٩٩٥م، ثم أعاد باراك طرحه بقوة مع الأمريكان، وحصل على تعهد استراتيجي منهم بمد إسرائيل بالمياه من أي من المصادر الثلاثة السابقة أو كلها معًا، ولو نفذ مشروع تحلية المياه وحده فسوف يوفر فائض يغطي حاجة الدولة العبرية -حسب الدراسة- إلى عام 2040م على الأقل.
ومع ذلك لن يعول الصهاينة على هذا المشروع الذي لن يؤتي عائده إلا بعد عشرين عامًا بشكل كامل ويصرون على الاستيلاء على مصادر المياه العربية، وحتى لو وقعوا اتفاقًا مع أي دولة عربية، فسوف يخرقونه إذا أحسوا بخطر مائي يهددهم كالجفاف الحالي، وهذا هو ما فعلوه مع الأردن ثم عادوا للالتزام بالاتفاق بعدما تحسن الوضع المائي نسبيًّا.
وقد نشرت صحيفة «هاتسونيه» مؤخرًا تقريرًا عن مفاوضات المياه القادمة، جاء عنوانه معبرًا، إذ يقول: «استمرارًا للسيطرة الإسرائيلية على مصادر المياه يجب أن يكون جوهر أي تسوية قادمة» وفيه تأكيد على أن تظل مصادر المياه في مفاوضات التسوية النهائية تحت سيطرة إسرائيل.
وما يقوله الصهاينة في هذا الصدد عن المفاوضات مع الفلسطينيين، يقولونه عن مفاوضاتهم مع السوريين، بل إنهم يخشون السوريين أكثر من الفلسطينيين، على اعتبار أن المطروح هو إعادة الجولان، وبالتالي عودة مصادر المياه الموجودة هناك، بعكس الأراضي الفلسطينية التي لا يعيدون منها سوى مناطق متناثرة هنا وهناك، فهم يسيطرون حاليًا على ٦٠% من مياه نهر الأردن وروافده، بينما لا تحصل سورية إلا على ١٥%، والأردن على 25% على الرغم من أن مياه النهر تنبع من الهضبة السورية، ولذلك قد تظل عقبة المياه هي عقدة المفاوضات، وبرميل البارود الذي قد يفجرها كلية، بل قد يشعل مزيدًا من الحروب في المنطقة، خصوصًا أن سورية تعاني بدورها من أزمة مياه مع تركيا التي تتحكم في مياه نهر دجلة، وتبني عليه عشرات المشروعات التي تؤثر على نصيب سورية من المياه.
أيضًا يثير التصرف التركي الذي يربط بين قضية المياه وقضية الأمن السياسي لتركيا مشكلة أخرى للسوريين، خصوصًا أن هذا الأمن السياسي الذي تتذرع به تركيا دفعها للتعاون مع إسرائيل ضد سورية مرات عدة، والضغط عليها بملف المياه الحساس بشكل هدد أيضًا باندلاع حرب بين البلدين.
ما يعاب إذن على الدول العربية والجامعة العربية أنها لا تطرح بدائل لمواجهة الصهاينة، إذا ما أصروا على هضم المياه العربية، ويظل المنهج هو مجرد التحذير مما سيحدث دون تحديد رادع محدد، فهل ستعتبر الدول العربية «المياه» خطًّا أحمر أيضًا للتراجع كما يفعل الصهاينة؟