; جدل واسع بين الخبراء والسياسيين حول جدوى المساعدات الأمريكية لإسرائيل | مجلة المجتمع

العنوان جدل واسع بين الخبراء والسياسيين حول جدوى المساعدات الأمريكية لإسرائيل

الكاتب محمد دلبح

تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1996

مشاهدات 75

نشر في العدد 1182

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 02-يناير-1996

تحليل سياسي

أضرار المساعدات الخارجية على الاقتصاد الإسرائيلي

من عام ١٩٤٨ - ١٩٩٣ قدمت أمريكا للكيان الصهيوني ٤٠ مليار دولار منحًا لا ترد وقدم اليهود الأمريكيون ١٧ مليارًا

 التلاعب الواسع في نفقات الوكالة اليهودية كشفته قضية رئيسها السابق

واشنطن:

أصبحت المساعدات الأمريكية لإسرائيل موضع نزاع أكثر من أي وقت مضى، ويعود ذلك في جزء منه إلى أن احتياجات إسرائيل الأمنية قد بدأت تخف مع توقيع اتفاقات الصلح بينها وبين أطراف عربية، وتحول مواقف دول عربية عديدة نحو إقامة العلاقات الدبلوماسية معها، بدلًا من حشد إمكاناتها العسكرية والدفاعية ضدها. ويعزو باحثون ومحللون ذلك أيضًا إلى الضغوط التي تفرض في الكونجرس الأمريكي على الميزانية الأمريكية، ولكن هناك عاملًا ديناميكيًا آخر يتمثل في أن عددًا متزايدًا من الإسرائيليين أنفسهم يقولون إن المساعدة الأمريكية الحكومية الدائمة لإسرائيل قد لا تكون أمرًا جيدًا. 

وقد بدأ التعبير عن الموقف الجديد عندما أبلغ نائب وزير الخارجية الإسرائيلي يوسي بيلين في يناير ١٩٩٤م مؤتمرًا لمنظمة المرأة الصهيونية الدولية أن إسرائيل قد لا تعود بحاجة إلى مساهمات الطوائف اليهودية خارج الكيان الإسرائيلي، وقال: «إذا كان وضعنا الاقتصادي أفضل من الأوضاع في كثير من الدول التي يقيم فيها اليهود فكيف نستطيع الاستمرار في طلب إحسانكم».

 وقد أبلغ السفير الإسرائيلي السابق لواشنطن زالمان شفال مجموعة من الأمريكيين مؤخرًا أنه يتعين على إسرائيل أن تقترح من خلال مبادرتها الخاصة بها بأن تقلل أمريكا على مراحل المساعدة الاقتصادية المدنية لإسرائيل، ومن المعروف أن إسرائيل تتلقى سنويًا من الولايات المتحدة مساعدة رسمية منذ أكثر من عشر سنوات بقيمة ثلاثة مليارات دولار، منها ٨.١ مليار دولار مساعدة عسكرية. 

ويرى محللون في هذا الموقف المتشكك تطورًا إيجابيًا لأنه ينظر إلى مسألة المساعدة نظرة عملية من حيث الفوائد والخسائر، وهذه المسألة تنطوي على مبالغ طائلة من الأموال. 

تشير الأرقام الرسمية المتداولة في أوساط الإسرائيليين والأمريكيين إلى أن «إسرائيل» تلقت منذ عام ١٩٤٨م إلى عام۱۹۹۳م، ٤٠ مليار دولار كمنح غير مستردة وتبلغ حصة «إسرائيل» السنوية من برنامج المساعدات الأمريكية الخارجية نحو ٢٦٪ وعلاوة على ذلك فإن اليهود الأمريكيين وغيرهم من المصادر غير الحكومية قدموا لإسرائيل ١٧ مليار دولار في الأعوام الـ٤٥ الماضية، وهذه الأموال معفية من الضرائب الأمريكية، بل إنها تخصم من الضرائب المتوجبة على مقدميها إلى جانب ذلك فإن اليهود خارج فلسطين المحتلة قدموا أيضًا إلى الحكومة الإسرائيلية قروضًا تبلغ نحو مليار دولار سنويًا معظمها على شكل «سندات إسرائيل». 

ويرى محللون إسرائيليون وأمريكيون متعاطفون مع «إسرائيل»، أن الحجة التي تؤيد المساعدة تشير إلى أن الأموال تساعد الحكومة الإسرائيلية على تخفيض عجزها المالي وموازنة ميزانيتها وإرساء الاستقرار لاقتصادها. 

ويجادل البروفيسور زفي سبوسمان من كلية الاقتصاد بجامعة تل أبيب بأن المليار ونصف المليار من الدولارات التي خصصت لإسرائيل كمساعدة طارئة في منتصف الثمانينيات، كانت سببًا في ترسيخ استقرار الاقتصاد الإسرائيلي، وإنهاء التضخم المرتفع. كما أن سياسات الحكومة الإسرائيلية في الحد جذريًا من القوة الشرائية للمستهلك الإسرائيلي، وتقليل العجز المالي كان له التأثير الأكبر في الاستقرار الاقتصادي في أواسط الثمانينيات بأكثر مما كان لـ«جزرة» المساعدات الأمريكية. 

وأصبح هناك مجموعة صغيرة من المسؤولين والمعلقين الإسرائيليين تعرب عن تشككها إزاء المساعدة، فهؤلاء يعتقدون أنها لیست بدون جدوى فقط، ولكنها ضارة، إذ يوضح أرنون غافني الذي كان شغل منصب محافظ بنك إسرائيل المركزي في الفترة من ۱۹۷٦ -۱۹۸۱م أن المساعدة الخارجية سببت معاناة «إسرائيل» مما يسميه الاقتصاديون المرض الهولندي، والذي يعني أنه نتيجة المنحة السخية، ولكن المؤقتة مثل النفط أو المساعدة الخارجية تأتي بعض الفوائد للبلاد. ولكنها تحرم من التنافس على المدى الطويل أما موشي سيركوين من جامعة بار إيلان في تل أبيب، فيجد أنه في الوقت الذي ازدادت فيه المساعدة الأمريكية لإسرائيل بعد عام ١٩٧٣م. ازداد وضع الاقتصاد الإسرائيلي سوءًا. وتقول مجلة «ميدل إيست كوارترلي»، التي نشرت مؤخرًا تفاصيل ندوة حول الاقتصاد الإسرائيلي: «إنه أمر مثير للدهشة أن يكون من الصعب أن نثبت إن كانت المساعدة التي تغدقها دولة غنية على دولة فقيرة تساعد بالفعل اقتصاد تلك الدولة الفقيرة».

 ويلاحظ عيزرا سوهار الذي ينظر إليه باعتباره من أوائل منتقدي المساعدة الأمريكية لإسرائيل أن حصة الأسد من هذه المساعدة في أوائل السبعينيات تألفت من قروض لشراء معدات عسكرية، ويقول سوهار «إن النتيجة النهائية ينبغي أن تكون معروفة من البداية.. إن هناك منطقًا في الاقتراض لبناء مصنع بوجود افتراض مسبق بسداد القرض من الأرباح لكن في حالة الأسلحة فإن من الواضح أنه لا يمكن أن يكون هناك أي مكاسب».

 التحلل من المسؤولية 

ويعتبر محللون إسرائيليون أن السخاء الأمريكي يمكن أن يشجع على التحلل من المسؤولية، فعلى سبيل المثال، وبعد حرب الخليج أنفقت وزارة الاستيطان التي كان تولاها أرييل شارون ٤٠٠ مليون دولار من قروض ائتمانية أمريكية على بناء شقق للمهاجرين الجدد في الجليل والنقب، وهذا الإنفاق هو ضعف ما كان ينبغي عليها أن تنفقه، وقناعة شارون الأيديولوجية بأن المهاجرين الجدد القادمين للاستيطان يجب أن يعيشوا في المناطق الريفية النائية والبعيدة عن المركز «في نطاق خطوط ما قبل حرب يونيو١٩٦٧»، قادته إلى أن يضع نحو خمسين بالمائة من عقود الإنشاءات في تلك المناطق. 

غير أن المستوطنين الجدد أدركوا أنه بدون وجود شبكة قطارات فإن فرص العمل في هذه المناطق ستكون محدودة للغاية، وكنتيجة لذلك فإن سبعة بالمائة فقط من هؤلاء استوطنوا هناك. كما أن أعدادًا كثيرة من البيوت غير المباعة سيدفع ثمنها في النهاية دافع الضرائب الإسرائيلي، وبدون الأموال الأمريكية التي كانت تحت تصرف شارون ما كان يمكن أن تقترف مثل هذه الأخطاء المكلفة على حد قول محللين اقتصاديين إسرائيليين. 

وفي الوقت الذي يعتبر فيه تقديم الأموال لإسرائيل مسألة مركزية في حياة اليهود في أمريكا، إلا أن الحساسيات حول هذه المسالة تعني أن المناقشة العلنية حول فعالية هذه التبرعات نادرًا ما تحدث، ويقدم اليهود الأمريكيون ٥٥٠ مليون دولار سنويًا لصندوق النداء اليهودي الموحد الذي يحول الأموال إلى الوكالة اليهودية في إسرائيل، وهنا يفقد يهود «الشتات» فعليًا أي رأي حول كيفية إنفاق أموالهم، ويميل المتبرعون إلى الاعتقاد بأن تبرعات صندوق النداء اليهودي الموحد تذهب كإحسان، ولكن إسرائيل ليست كيانًا فقيرًا فمعدل دخل الفرد السنوي يصل إلى ١٤ ألف دولار، مما يجعل الإسرائيليين أقل ثراءً بقليل من الأوربيين الغربيين، كما أن أموال صندوق النداء اليهودي الموحد لا تساعد فقراء «إسرائيل». فلدى «إسرائيل» برنامج خدمات ومساعدات اجتماعية مكثف، وهو موضوع نادرًا ما يجري الحديث عنه في دوائر جمع التبرعات. إن الوكالة اليهودية لا تعطي شيئًا من أموالها لنظام المساعدات، بل تستخدم هذه الأموال لدعم برامج التعليم والمستوطنات الجديدة، والمؤسسات الدينية واستيعاب مهاجرين جدد، ولا يعرف سوى قلة من الناس خارج «إسرائيل» كيفية إنفاق الوكالة اليهودية أموالها بالفعل إنها لا تبين وفق بنود محددة كيفية توظيف هذه الأموال في الإدارة، وهذه مسألة يراها إسرائيليون بأنها «مؤلمة بصورة خاصة» بسبب قضية الرئيس السابق للوكالة اليهودية سيمحان دينيتس - وكانت شهادة مكتب مراقب حسابات الدولة أفادت أن دينيتس استخدم بطاقة أمريكان إكسبرس الائتمانية الخاصة بالوكالة لنفقاته الشخصية، مثل السفر جوًا إلى إيطاليا لمدة ثلاثة أيام. ودفع فاتورة مبلغ ٣٠٤٨ دولارًا باستثناء أجر الطائرة ونفقات أخرى، وفي عام ۱۹۹۱م، قام دينيتس بـ١٨ رحلة إلى خارج «إسرائيل» متجاوزًا نفقاته المخصصة له بمقدار ١٩١.۸۷ دولار، وأخيرًا قدم دينيتس إلى المحاكمة عام ١٩٩٤م بتهمة سوء استخدام الأموال العامة، وقال موظف الوكالة اليهودية نداف شوكرون أمام المحكمة إن سوء استخدام أموال الوكالة اليهودية كان منتشرًا داخلها، فكل شخص تلقى نفقات مضخمة للسفر وكان هذا هو المعيار المقبول». 

والأسوأ من ذلك أن الأحزاب السياسية في الكيان الإسرائيلي تستغل الوكالة اليهودية عن طريق مكافأة أولئك المدانين سياسيًا بتعيينهم في وظائف ذات رواتب مرتفعة جدًا في الوكالة اليهودية، وبهذه الطريقة كما يقول محللون إسرائيليون كانت الوكالة اليهودية تساعد في الإبقاء على كل ما هو خطأ في الحياة السياسية الإسرائيلية. 

ويقول هؤلاء إن شراء سندات «إسرائيل» غالبًا ما يتم تصويره على أنه «استثمار في مستقبل إسرائيل» ولكن الشعار الملائم أكثر يجب أن يكون وضع دين أكبر على كاهل إسرائيل. وفي الوقت الذي كانت فيه أموال سندات إسرائيل تخصص لميزانية تنمية خاصة فإنها توضع اليوم في الميزانية العامة بدون أن يكون هناك أسلوب لتقرير ما إذا كانت الأموال تخصص لاستثمارات شبه منتجة مثل الطرق وخطوط الهاتف. أو لدعم الاستهلاك الحكومي والعام، وفي حقيقة الأمر فإن الأموال غالبًا ما تستخدم لتمويل نشاط الحكومة بدلًا من تعزيز النمو الاقتصادي. 

إلغاء ديون إسرائيل 

يقترح خبراء اقتصاديون إسرائيليون أنه من أجل تصفية ديون إسرائيل، فإنه يتوجب على الإسرائيليين مواجهة ضرائب أعلى وبالتالي نمو اقتصادي أدنى، وتشير الأرقام إلى أن لأصحاب السندات ديونًا على الحكومة الإسرائيلية حاليا تزيد على ستة مليارات دولار، بما في ذلك الفائدة، وتعادل في مجموعها ثلث الدين الإسرائيلي الخارجي، وفي عام ۱۹۹۲م، بیعت سندات «إسرائيل» بنسبة فائدة مقدارها ٥.٧-٨ بالمائة، بينما بلغت أعلى نسبة فائدة في الولايات المتحدة لمثل هذه السندات ٢٥.٥ بالمائة، وقد اعترفت وزارة المالية الإسرائيلية في النهاية بهذه المشكلة، وفي عام ١٩٩٣م خفضت نسبة الفائدة إلى ٦.٥ بالمائة الأمر الذي أدى إلى توفير ٦٠ مليون دولار. ويوضح عضو الكنيست الإسرائيلي مائير شتريت بأن «إسرائيل» تستطيع أخذ نفس المبالغ عن طريق الاقتراض من البنوك التجارية  الأجنبية، وتوفر بذلك نحو ۲۰۰ ملیون دولار سنويًا، وقال إنني أفضل أن يتوقف الناس عن شراء سندات إسرائيل، لأن هذه السندات لا تساعد إسرائيل. 

وتوضح التقارير المتعلقة بهذه السندات أن الكثير منها لا يتم شراؤها من قبل يهود مهتمين بمساعدة إسرائيل، بل تشتريها بنوك دولية، ومؤسسات مالية، وبلديات أمريكية وصناديق تقاعد، وأن نسبة الفائدة لهذه السندات هي ٦.٥ بالمائة، فإنها تعتبر من قبل الكثيرين من تجار الأسهم في الولايات المتحدة «قطعة ورق جيدة جدًا».

 ودعا الكاتب الاقتصادي الإسرائيلي جويل بينيرمان في تقرير نشر في صحيفة واشنطن بوست في ۲۹ أكتوبر الماضي مؤيدي «إسرائيل» في أمريكا إلى إدراك أن «إسرائيل» لا تحتاج إلى الاعتماد على المساعدة الخارجية، وفي الوقت الذي تغلق  فيه حنفية المساعدات فإن الزعماء الإسرائيليين سيتخذون إجراءات بناءة مثل تخفيض الميزانية وبيع بعض الممتلكات الخاصة بالكيان الإسرائيلي، ويتعين عليهم أن يخفضوا الرهن العقاري بالنسبة لملاك البيوت، وهو عمل ينبغي أن يقدم من جانب البنوك لأنه يكلف الحكومة نحو مليار دولار سنويًا كما أن المساعدات الحكومية التي تبلغ ٢.٥ مليار دولار سنويًا للمنظمات المرتبطة بالحكومة الإسرائيلية سنويا مثل الكيبوتز والهستدروت «اتحاد نقابات العمال»، وغيرها لابد أن تنتهي. 

ويعتقد بينيرمان أن إنهاء المساعدة الخارجية يحسن فرص إصلاح الاقتصاد الإسرائيلي المركز أكثر من اللازم والذي تلعب فيه المساعدات الحكومية دورًا مهمًا، كما أن إنهاء المساعدة الخارجية سيزيد من فرص إصلاح سياسي في الكيان الإسرائيلي. 

ويقول سوهار «إنه في اللحظة التي تقل فيها الإقطاعيات التي يجري فيها الاقتتال بشأنها ستقل أيضا مقاومة إصلاح النظام الانتخابي البالي». 

وينظر محللون إسرائيليون إلى أن أحد البدائل للوضع الراهن هو أن تقوم الولايات المتحدة بإلغاء الديون المستحقة على «إسرائيل»، كما ألغت ديون مصر، وهذا سيقضي على الحاجة لـ٢.١ مليار دولار كمساعدة اقتصادية لإسرائيل تستخدم حاليًا لخدمة الديون. 

ويقول هؤلاء إن عدم كون إسرائيل المتلقي رقم واحد للمساعدة الخارجية الأمريكية سيحرم أيضًا وزارة الخارجية الأمريكية من وسائل التأثير على صناعة القرار الإسرائيلي، ولكن خسارة «إسرائيل» للمعونة الأمريكية لن تؤثر على وجودها بل إن هؤلاء يجادلون بأن اقتصادها سيستفيد من هذه الخطوة. 

ومن البدائل التي يطرحها هؤلاء بديلًا للمساعدة الأمريكية في حالة توقفها أن يعمل اليهود خارج فلسطين المحتلة على ضخ استثمارات مباشرة من أجل تقوية قاعدة رأسمال «إسرائيل» والمساعدة في زيادة الإنتاج ونشاطات التسويق للشركات الإسرائيلية، وهذا من شأنه أن يوجد الوظائف للمهاجرين الجدد.

الرابط المختصر :