; فساد النظامين الرأسمالي والماركسي | مجلة المجتمع

العنوان فساد النظامين الرأسمالي والماركسي

الكاتب الأستاذ أنور الجندي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-سبتمبر-1983

مشاهدات 71

نشر في العدد 636

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 06-سبتمبر-1983

يقول الفيلسوف الإسلامي الفرنسي رجاء جارودي «روجيه جارودي سابقًا»: 

إن الخطيئة الكبرى في الحضارة الغربية أنها اعتمدت صيغة النمو المادي التراكمي. نمو الإنتاج ونمو الاستهلاك كمعيار أوحد للتقدم والسعادة والعمل الإنساني، ولكن ماذا بعد؟ ماذا بعد المزيد، والمزيد من إنتاج السيارات والماكنات وأجهزة الكومبيوتر، ماذا بعد المزيد والمزيد من البنوك والأرباح، ماذا بعد المزيد والمزيد من المدن والطرق والمصانع إلی أین ستصل بعد ذلك وأين النمو في القيم والأخلاق والمعاملات والسعادة الحقيقية. إن النتيجة الوحيدة لنظرية النمو التراكمية الحالية أن العالم أصبح يملك وسائل تدميره وليس مرة واحدة ولكن مئات المرات دون «نمو» مقابل في الضوابط والروائع الأخلاقية والروحية التي من شأنها كبح قوى الدمار، وجاءت الماركسية لترتكب نفس الخطأ بأسلوب آخر، اعتمدت الماركسية نظرية النمو المادي الرأسمالية ذاتها مقياسًا للتقدم ومعيارًا للسعادة الإنسانية، بل واتخذت وصف النمو الرأسمالي قانونًا دائمًا بالنسبة لنمو الاشتراكية ذاتها فوقع النظامان في سباق واحد، سباق الإنتاج المادي المتزايد إلى مالا نهاية وإلى مالا غاية. والفارق فقط في الأسلوب بين نظام يعتمد المبادرة الفردية ونظام آخر يعتمد الديكتاتورية الجماعية ولكن التاريخ لا يعود إلى الوراء ولا يكرر نفسه ولابد من نظام آخر للنمو فمن المؤكد في نظري أنه لا اشتراكية حقيقية بنظرية النمو المادي الحالية، فلا اشتراكية بدون تسامٍ وتعالٍ روحي فوق المادة وفوق النمو الاقتصادي المحض وتحقيق ذلك مستحيل في النظام الرأسمالي وفي النظام الماركسي لأن الاثنين واقعان في نفس الخطأ وهو محاولة إقامة حضارة بدون إيمان و بدون تسامٍ.

في الحضارة الإسلامية لم يحدث هذا الفصل وهذه التجزئة بين الأشقاء في الإسلام العلم متصل بالدين والعمل مرتبط بالإيمان، والنبوة متصلة بالعقل، والأرض غير بعيدة عن السماء، والسماء على اتصال بالأرض، والتقدم الحضاري يسير صعدًا نحو الله، هذه «الوحدانية» في مفهوم الحضارة ومفهوم الجماعة يحتاج إليها عالم اليوم المجزأ في كل شيء، هذا ما جذبني نحو المفهوم الإسلامي الموجود.

أريد أن يصبح الإبداع الفني الشعري وفعل الإيمان وفعل العمل السياسي في كائن واحد، هكذا يبلغ الإنسان الكمال. وهذا ما يفتقر إليه اليوم ساسة الغرب ومفكروه، هناك رسالة واحدة أبدية خالدة في هذا الكون وقد جاءت النبوات المتعددة في مراحل مختلفة لتقدم الأشكال المناسبة من تلك الرسالة الواحدة، كل في مرحلته وبطرقه وأسلوبه، والإسلام يبشر بوجود هذه الرسالة الواحدة و ينطلق منها ويعمل لإكمالها وعلى المسلمين اليوم استيحاء روح الإسلام لتطبيقها على المرحلة الجديدة بالشكل المناسب الذي يلائمها.

▪ زيف الارتقاء المادي في الغرب

ظهور طائفة الاعتزاز بالإسلام في وجه زيف الارتقاء المادي الباطل في الغرب، يظهر هذا جليًا في كتاب سوزان جنيف:

«What Everyone Should Know ABuot Islam and muslamis»  

يقول لقد أصبح الآن واضحًا أمام المسلمين إدراك الحقيقة الجوهرية وهي أن التقدم المادي لا يؤدي بالضرورة إلى احترام الذات والقناعة الحقيقية وإنه لم يجلب السعادة الحقة ولا الصبغة الإنسانية إلى عالم الغرب بل على العكس من ذلك، دل التقدم المادي على أنه نظام مربك وغير محكم بسبب مشاكل اجتماعية دينية واضحة، كونه بعيدًا عن الآفاق الروحية والخلقية التي هي كالناحية المادية تمامًا جزء مكمل لطبيعة الإنسان.

لقد كان يوحي للشعوب الإسلامية بطريقة صريحة أو بتحفظ بأنها متخلفة ومتدنية وبأن الطريق الوحيد للنهوض بها هو بترك الدين والتقاليد «وتبني الأسلوب الغربي».

▪ المادية فراغ روحي

ولقد صدق هذا كثير من الناس، أما «الأصلاء» فقد ألقوا على المجتمع الغربي نظرة جيدة فاحصة وأدركوا شركه ومن ثم أدركوا الحقيقة الأساسية وهي أن التقدم المادي والرفاهية لا يحققان كامل طبيعة الإنسان ولا يعدانه بالجنة الموعودة على الأرض وبعد أن يحصل الإنسان على كل هذا ها هو يسأل وماذا بعد: 

إن الرفاهية مثل الفقر يمكن أن تترك الفرد فارغًا من الداخل ولقد أيقن هؤلاء أن بني الإنسان يجب أن يهتموا بما هو أكثر عمقًا وأكبر مغزى من المحسوسات بالمعاني وليس بمجرد الماديات وبذلك توصلوا إلى اقتناع عميق بأن التراث الإسلامي هو أكبر قيمة بالنسبة لوجود الإنسان وأن دينهم يتفوق بتراثه وأسلوبه على أي نظام أو معتقد آخر، وأن المشاكل التي يواجهها العالم الإسلامي اليوم هي النتيجة المنطقية والمباشرة لسقوط المسلمين بعد أن بعدوا عن دينهم ولا يمكن لهذه المشاكل أن تحل إلا بالرجوع المخلص إلى الإسلام والمبادئ الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يقوم عليها والتي لا تنسجم مطلقًا مع الأخلاق الانتهازية السائدة القائمة على استغلال الإنسان لأخيه من غايات أنانية صرفة فالإسلام يقف ممسكًا بالوعد الأكيد لأنه يحمل لشعوب هذه المنطقة فيما لو طبق بإخلاص وبعقل حالة الاستقرار والسلام التي تنشدها تلك الشعوب بعد أن عاشت سنوات في خضم اضطرابات ضخمة، فالالتزام بالمعتقدات والقيم الإسلامية تشكل الدفاع الوحيد والأكيد ضد الأطماع المختلفة في البلدان المسلمة وخاصة في أوضاعها الراهنة.

إن كل النظم الأخرى التي تنكر أو تقلل من قيمة طبيعة الإنسان الروحية أو تركز على أحد الجوانب في طبيعة الإنسان على أحساب الجوانب الأخرى، يجب أن تنظر لها على أنها محاولة يائسة قام بها الإنسان بغية أن يفهم ذاته ويجد الاتجاه الصحيح معتمدًا على قدراته المنظورة والمحدودة ولقد ظهرت أدیان وفلسفات ونظم منذ مسيرة الإنسان على هذا الكوكب ولكن أيًا منها لم يفلح في حل الصراعات والمعضلات الجوهرية التي تنخر في الشخصية البشرية لأنها إجمالًا بشكل أو آخر أغفلت النواحي الأساسية في علاقة الإنسان مع الحقيقة الإلهية أو إنها أعطت الأولوية لواحد من مظاهر الحياة الإنسانية على حساب المظاهر الأخرى، وبذلك عملت على خلق اختلاف مخيف، وغير متجانس داخل الأفراد والمجتمعات التي كانوا يعيشون فيها مما جعلها قاب قوسين أو أدنى من تدمير المجتمع الإنساني برمته.

▪ الإسلام هو موجة المستقبل

وفي ذلك الخضم برز الإسلام نظامًا وحيدًا في العالم ينظر إلى الإنسان من الزاوية الأشمل ضمن إحاطة كاملة بالحقيقة الإلهية وفهم صادق لطبيعة الإنسان الخالصة مزودًا إياه بتوافق تام ما بين جانبيه المادي والروحي على حد سواء، وما بين آمال وحاجات الإنسان الدنيوية وهدفه الأبدي في الآخرة، إنه النظام الوحيد الذي يخضع الإنسان وحياته كلية إلى الله: الله الذي منحه هذه الحياة والذي لا يستحق خضوعه إلا له وحده، النظام الذي حرر الإنسان من ظلمات عبوديته ومن قيم ونظم ورغبات من صنع البشر ليكتشف أن الله وحده هو مولاه الحقيقي، ولا أحد سواه، فالإسلام هو موجة المستقبل».

وهكذا تتكشف الحجب عن فهم عميق للإسلام في آفاق وبيئات عاشت في المادية عصورًا ثم أشرق عليها نور الدين، هذه الموجة القادمة من مؤمني الغرب يجب أن ترتطم بالقلوب المسلمة في البلاد العربية والإسلامية فتزيح الغشاوة عن عيونها وتعرف أنها كلمة الحق، جاءت أخيرًا من مؤمني الغرب بعد أن كانت تأتي بالريح السموم على أيدي المبشرين والشعوبيين والباطنية.

ولقد قبلنا الأولى وغرقنا في وحلتها فهل نقبل الأخرى وهي التي تريد أن تسمو بنا إلى آفاق السماء وهدى الحق؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل