; النموذج الإسلامي للثقافة العربية (٤).. دوائر الانتماء | مجلة المجتمع

العنوان النموذج الإسلامي للثقافة العربية (٤).. دوائر الانتماء

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 18-مايو-2013

مشاهدات 65

نشر في العدد 2053

نشر في الصفحة 42

السبت 18-مايو-2013

  • النموذج الثقافي الإسلامي لم يهمل عالم الشهادة والواقع المادي كمصدر للمعرفة لكنه أضاف إليه عالم الغيب ونبأ السماء وكتاب الوحي 

إذا كان التصور التوحيدي، جعل الحكم والتدبير، مع الخلق، لله سبحانه، فإن نظرية الاستخلاف الإسلامية حددت مكانة الإنسان ونطاق عمله وآفاق حريته وقدرته واستطاعته في العمران البشري، الذي اختار حمل أمانته عندما استخلفه الله فيه. فالتصور الإسلامي عن أن الحكم لله، واضح أشد الوضوح: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيْمُ (يوسف: ٤٠).

على عكس الثقافات التي أقامت التناقضات بين دوائر الانتماء؛ «الوطنية» و«القومية» و«الحضارية»، لأنها اعتمدت «الأرض» وحدها مميزًا ومحددًا للوطنية والوطن، والعرق والجنس مميزًا ومحددا للقوم والقومية، يأتي النموذج الثقافي الإسلامي انطلاقًا من الفطرة ليسلك هذه الدوائر كدرجات مترابطة ومتكاملة في سُلَّم الانتماء الأكبر، ليضم دوائر فرعية ليس بينها وبين جامع الانتماء الأكبر تناقض أو تضاد.

فالفطرة الإنسانية السوية، التي فطر الله الناس عليها، قضت بوجود ولاءات وانتماءات متعددة للإنسان، لا تناقض بينها إذا خلت مضامينها ومفاهيمها مما يؤدي إلى تناقض أو تضاد، فللإنسان ولاء وانتماء إلى أهله وعشيرته لا يناقض ولاءه وانتماءه للوطن والإقليم الذي ولد وتربى ونشأ فيه، كما أنه لا تناقض بين الانتماء للأهل والوطن، والانتماء والولاء للقوم الذين تحدد اللغة دوائرهم، وكذلك الحال مع الانتماء للدائرة الحضارية التي قد تجمع العديد من الأوطان واللغات والقوميات، فإذا خلت مفاهيم مصطلحات «الوطن» و«القومية» من عصبيات العرق والجنس، وإذا اتخذت مكان الانتماءات الفرعية في إطار الانتماء الجامع الانتماء الحضاري الذي يحدد الإسلام دائرته، في حال أمتنا العربية والإسلامية فإن التناقض والتضاد سينتفيان بين دوائر الانتماء والولاء إن الإسلام، وهو الصبغة التي صبغت ثقافة الأمة، يجعل الانتماء إليه والولاء له الجامع الأكبر والأشمل والأول للإنسان المسلم ﴿قُلْ إِن كانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانِكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالَ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتَجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكم منَ الله وَرَسُوله وَجِهَادَ فِي سَبيله فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرَهُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (التوبة:24) ﴿النَبيُّ أَوْلَى بالمؤمِنِينَ مِنْ أَنفُسهمْ وَأَزْوَاجُهُ أمَهَاتُهُمْ وَأوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ في كتاب الله مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (الأحزاب:6).

فالنبي؛ أي الرسالة والإسلام أولى بالمؤمنين من أي ولاء فرعي آخر، وفي ذات الآية بيان لولاء فرعي بين أولي الأرحام، طالما لم يحل هذا الولاء بين الإنسان وبين الانتماء والولاء للجامع الأول والأكبر وهو الإسلام ودائرته الحضارية.

ولذلك تجاورت وتفاعلت وتساندت في التاريخ الحضاري الإسلامي:

- وحدة دار الإسلام، ومعها وفي إطارها تمايزت الأوطان والأقاليم، دون تناقض أو تضاد.

- وحدة الحضارة التي حددت العقيدة والشريعة والأمة دائرتها وفي إطارها تنوعت القوميات التي رسمت اللغات حدودها. 

- وحدة الأمة الإسلامية، ومعها وفي إطارها تمايزت الشعوب والقبائل.

دون تعارض أو تناقض أو تضاد بين الانتماء الإسلامي وبين ما ضم واحتضن من دوائر فرعية للولاء والانتماء.

 فالرسول ﷺ، وهو الذي جسد بالرسالة معالم الانتماء للإسلام والولاء له حتى كانت طاعته طاعة لله تعالى، ومحبته محبة لله سبحانه عبر عن حبه وولائه لمكة وطن النشأة، ووعاء الذكريات، حتى وهي على الشرك، فقال مناجيًا إياها: «والله إني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله، وأحب البلاد إلى نفسي ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت»، ولقد كان يدعو ربه، في المدينة، أن يحبب إليه المدينة حبه لمكة.

وهكذا تجاورت وتساندت وتفاعلت، في النموذج الثقافي الإسلامي دوائر الانتماء للأهل والوطن والقوم ولجامعة الإسلام، فتجاورت الوطنية مع الجامعة الإسلامية، عندما برئ الانتماء الإسلامي من «عصبية الجاهلية» ومن «جنسيات» القوميات العنصرية التي سادت في حضارات أخرى، ووجدنا الإمام محمد عبده يفتي بــ «أن وطن المسلم في البلاد الإسلامية هو المحل الذي ينوي الإقامة فيه، ويتخذ فيه طريقة كسب لعيشه، ويقر فيه مع أهله، إن كان له أهل ولا ينظر إلى مولده ولا إلى البلد الذي نشأ فيه، ولا يلتفت إلى عادات أهل بلده الأول، ولا إلى ما يتعارفون عليه من الأحكام والمعاملات، وإنما بلده ووطنه الذي يجري عليه عرفه وينفذ فيه حكمه هو البلد الذي انتقل إليه واستقر فيه، فهو رعية الحاكم الذي يقيم تحت ولايته، دون سواه من سائر الحكام، وله من حقوق رعية ذلك الحاكم ما لهم وعليه ما عليهم، لا يميزه عنهم شيء، لا خاص ولا عام».

 أما الجنسية، المعبر عنها عند غير المسلمين «بالكبيتولاسيون» Capitulations، فلیست معروفة عند المسلمين، ولا لها أحكام تجري عليهم لا في خاصتهم ولا عامتهم، وإنما الجنسية عند الأمم الأوروبية تشبه ما كان يسمى عند العرب عصبية، وهو ارتباط أهل قبيلة واحدة أو عدة قبائل بنسب أو حلف يكون من حق ذلك الارتباط أن ينصر كل منتسب إليه من يشاركه فيه، وقد كان لأهل العصبية ذات القوة والشوكة حقوق يمتازون بها عن سواهم.

جاء الإسلام فألقى تلك العصبية، ومحا آثارها، وسوّى بين الناس في الحقوق، فلم يبق للنسب ولا لما يتصل به أثر في الحقوق ولا في الأحكام، فالجنسية لا أثر لها عند المسلمين قاطبة، فقال الرسول ﷺ: «إن الله عز وجل قد أذهب عنكم عبية الجاهلية - أي عظمتها- وفخرها بالآباء» (رواه أبو داود).

ورُوي كذلك عنه: «ليس منا من دعا إلى عصبية»، وفي البخاري ومسلم: «ليس منا من دعا بدعوى الجاهلية».

وبالجملة، فالاختلاف في الأصناف البشرية، كالعربي والهندي والرومي والشامي والمصري والمراكشي، لا دخل له في اختلاف الأحكام والمعاملات ومن كان مصريا وسكن في بلاد المغرب وأقام بها جرت عليه أحكام بلاد المغرب، وأما حقوق الامتيازات المعبر عنها بـ «الكابيتولاسيون» فلا يوجد شيء منها بين الحكومات الإسلامية قاطبة، هذا ما تقضي به الشريعة الإسلامية على اختلاف مذاهبها لا جنسية في الإسلام ولا امتياز في الحقوق بين مسلم ومسلم، والبلد الذي يقيم فيه المسلم من بلاد المسلمين هو بلده، ولأحكامه عليه السلطان دون أحكام غيره» (۱).

وبهذا جمع الإسلام، في نموذجه الثقافي، بين وحدة دار الإسلام وتمايز الأوطان فيها، وتجاورت فيه الوطنية اللاعنصرية والأممية الحضارية، لا الأممية الطبقية التي ناصبت الوطنية القومية العداء.

وبهذا يقدم الإسلام نموذجًا ثقافيًا متميزًا في دوائر الانتماء، انطلاقا من الفطرة السوية التي فطر الله الناس عليها.

مصادر المعرفة

وإذا كان النموذج الثقافي الإسلامي، بالنسبة لأمتنا، هو «الذات»، على حين يمثل النموذج الثقافي الغربي، بالنسبة لنا «الآخر»، منذ بدء الغزوة الاستعمارية الغربية الحديثة لوطن العروبة وعالم الإسلام قبل قرنين من الزمان، فإن الوعي بتمايز «الذات» عن «الآخر» في «مصادر المعرفة»، أمر ضروري في اكتشاف منطلقات هذا التمايز بين نموذجي الثقافة الإسلامية والغربية.

أسس الغرب نهضته الثقافية الغربية الحديثة والمعاصرة على «المذهب الوضعي»، إبان ثورة فلسفة التنوير على الكنيسة والمقدس واللاهوت.. «الوضعية» هي المذهب الذي يري أن الفكر الإنساني لا يدرك إدراكًا حقيقيًا سوى الظواهر الواقعية والمحسوسة وما بينها من علاقات أو قوانين، وأن المعرفة الحقة هي معرفة الواقع، وأن الحق هو ثمرة التجربة وليس للعقل من عمل إلا مجرد تنسيق معطياتها وتنظيمها، وأن العلوم التجريبية هي المثل الأعلى في اليقين، أما غير الظواهر المحسوسة فوهم، وأن تاريخ العقل مر بحالات ثلاث: حالة لاهوتية، وحالة ميتافيزيقية، وحالة واقعية، وهي الوضعية التي تأسس عليها النموذج الثقافي والمعرفي الغربي الحديث (٢).

 فالفلسفة الوضعية، ومن ثم نموذجها الثقافي، أقامت المعرفة على مصدر واحد هو الواقع المادي، وحقائق عالم الشهادة، لأنها بنت التنوير الغربي، الذي أحل العقل والعلم والفلسفة محل الله والدين واللاهوت ورأى الوضعيون أن العالم مكتفٍ بذاته، ومن ثم فإن واقعه هو المصدر الوحيد للمعرفة الحقة.

 لكن التصور الإسلامي، ونموذجه الثقافي، لم يقف بمصادر المعرفة عند العالم فقط، والواقع وحده، بل تحدث القرآن الكريم عن أن هذا المصدر الواقعي لا يفي وحده بتفسير حقائق المعرفة، عبر تاريخ المعارف الإنسانية، فقال: ﴿وَعْدَ الله لا يُخْلفَ اللهُ وَعْدَهُ ولكن أكثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ - يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحياة الدنيا وَهُمْ عَن الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ  أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنفسهم ما خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بالحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مَنَ الناس بلقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ أَو لَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْف كان عاقبة الذين من قبلهم كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قَوْةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكثَرَ فَمَا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لَيَظْلِمَهُمْ وَلَكن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلَمُونَ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (الروم:6-11).

فبمعارف ظاهر الحياة الدنيا وعالم الشهادة الوضعية وحدها، لا سبيل إلى معارف وحقائق خلق الله السماوات والأرض وما بينهما، ومعارف لقاء الله تعالى في الدار الآخرة بعد هذه الحياة الدنيا، ولا سبيل إلى تفسير عاقبة الأمم التي أخذها الله بذنوب تكذيبهم الرسل وظلمهم لأنفسهم، مع ما كانوا عليه من قوة وعمران، لا يفسر هلاكهما بمعارف الواقع المادي وحدها، لا سبيل إلى تفسير هذه العواقب بمعارف عالم الشهادة وحدها، فنحن أمام سنن غير معتادة. 

ولذلك، فإن النموذج الثقافي الإسلامي، في مصادر المعرفة، وإن لم يهمل عالم الشهادة والواقع المادي، كمصدر للمعرفة، فإنه لم يكتف بهذا المصدر، وإنما أضاف إليه عالم الغيب، ونبأ السماء، وكتاب الوحي، والأدلة والمعارف والحقائق السمعية، مصدرًا للمعارف التي لا تصدر عن الواقع المادي، ولا يستقل العقل بإدراكها، ولا تخضع لتجارب الحواس، فأقام هذا النموذج الإسلامي ثقافته على ساقين اثنتين واعتمد للمعارف مصدرين كتاب الوحي المسطور، وكتاب الكون المنظور، الأمر الذي ضَمَنَ التوازن للنموذج الثقافي الإسلامي، ولم يقم على ساق واحدة، كما هي الحال في النموذج الثقافي الذي أثمرته الوضعية الغربية.

 فإذا كانت ثقافة التنوير الغربي أقامت معرفتها على حقائق الواقع المادي وحدها، لأن تنويرها واستنارتها رأت العالم مكتفيًا بذاته عن المدبر المفارق لهذا العالم، فإن للاستنارة الإسلامية آفاقًا أرحب ونطاقًا أشمل وثمرات مغايرة.. فليس العالم المادي وحده مصدر فلسفة التنوير وثقافة الأنوار، لأن الله سبحانه وتعالى «نور»؛ ﴿اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ (النور: ٣٥)، والقرآن الكريم «نور»؛ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانَ مَن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مبينًا﴾ (النساء:174)، والرسول عليه السلام «نور» ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ (المائدة:15)، فنبأ السماء العظيم ليس «الوهم» الذي يمثل طور طفولة العقل البشري، السابقة على الميتافيزيقا وعلى الوضعية كما تصورت فلسفة التنوير الغربي نصرانيتها، وإنما هذا النبأ العظيم «برهان من ربكم»، و«نور»، والمستنير به له تنويره، القائم على آيات كتابي الوحي والكون جميعًا، وليس على معارف الواقع المادي وحدها دون سواها.

 

الهامشان

(۱) تاريخ الفتوى ۹ رمضان سنة ١٣٢٢هـ، ١٧ نوفمبر سنة ١٩٠٤م، «الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده»، ج ۲، ص ٥٠٥ - ٥٠٨.

 (۲) المعجم الفلسفي، وضع مجمع اللغة العربية القاهرة، طبعة سنة ۱۹۷۹م، و«المعجم الفلسفي»، وضع د. مراد وهبة، يوسف كرم، يوسف شلالة، طبعة القاهرة سنة ١٩٧١م.


الرابط المختصر :