العنوان لبنان.. انقسام حول الوجود السوري
الكاتب هشام عليوان
تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-2000
مشاهدات 55
نشر في العدد 1430
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 12-ديسمبر-2000
ثلاثه تيارات تتجاذب القوى اللبنانية حول الموقف من الوجود العسكري السوري في لبنان وحديث عن حرب الاستقلال عن سورية
الحملة المركزة على الدور السوري في لبنان باتت ككرة الثلج التي تهدد بمضاعفات خطيرة على الساحة السياسية وفي الشارع، نظرًا للتحريض المتواصل الذي تتولاه البطريركية المارونية عبر تصريحاتها الدورية التي تطالب بشكل دائم بانسحاب القوات السورية وكف النفوذ السوري في الدولة والإدارة، تحت شعار تطبيق اتفاق الطائف الذي أوقف الحرب الأهلية عام ۱۹۸۹م، ونص على انسحاب القوات السورية خلال عامين من إقرار الإصلاحات الدستورية.
ولم تتوقف القيادات المسيحية يومًا عن تلك المطالبة سواء في ذلك الذين أبدوا اتفاق الطائف والذين رفضوه، لكن الأصوات المعترضة ضاعت في زحمة التطورات التي ضربت المنطقة مطلع التسعينيات، وانهماك لبنان في مرحلة ما بعد الحرب، ووصولًا إلى الصراع الذي احتدم في الجنوب بين المقاومة والكيان الصهيوني.
ليس مصادفة أن يرتفع صوت المعارضة المسيحية مجددًا، بعيد الانسحاب الإسرائيلي، بل إن رئيس الوزراء الصهيوني باراك عندما قرر الانسحاب من الجنوب وضع في حساباته أن تخسر سورية ورقة لبنان بسبب ذلك فزوال الاحتلال ينزع البساط من تحت سورية إلى حد كبير وقد تحقق بعض مراد باراك حتى إن البطريرك الماروني كان صريحًا حين أكد أن زوال الاحتلال الصهيوني هو الذي شجعه على المطالبة بخروج الجيش السوري لانعدام الحاجة إليه في المعطيات الجديدة، على أن عنصرًا إضافيًّا رفع معنويات تلك الفئة، وهو وفاة الرئيس السوري واستخلاف نجله على رأس الحزب الحاكم والجيش والدولة، فكأن شيئًا من الرهبة قد سقط وانطلقت الألسنة بالكلام بعد طول صيام؟
وإذا كان النائب المسيحي المعارض البير مخيبر قد افتتح الحديث بهذا الأمر تحت قبة البرلمان في جلسة مناقشة الحكومة الشهر الماضي فإن مطالبة النائب وليد جنبلاط بإعادة الانتشار للقوات السورية وفقًا لمقتضيات الاستراتيجية العسكرية، أثارت ضجة أكبر بكثير، بسبب العلاقة الوثيقة التي ربطت بين جنبلاط وسورية وكان لها خير حليف وكانت له خير مؤيد في حرب المصير التي خاضها في الجبل ضد خصومه المسيحيين.
ولم تكد العاصفة تهدأ حتى هبت ريح من نوع آخر بسبب مبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى زيارة البطريرك الماروني في مقره، وإعلانه من هناك أن القوات السورية التي بدأت إعادة انتشار لوحداتها في أبريل الماضي، ستستأنف العملية قريبًا، وأن القيادتين اللبنانية والسورية ستلتقيان قريبًا لتحديد مراكز التمركز الجديدة، وفقًا لاتفاق الطائف.
وشكل الإعلان بحد ذاته مفاجأة كبرى، فبري من أوثق حلفاء سورية، إن لم يكن رجل سورية الأول في لبنان، ولا يمكن أن يكون كلامه مرسلًا على عواهنه خصوصًا في أمر يخص المصالح السورية المباشرة، ولا بد أن يكون بتكليف من دمشق كما أوحى بري بذلك، لا سيما أن زيارة بري إلى البطريركية المارونية جاءت عقب زيارة وزير الخارجية الأسبق فؤاد بطرس إلى دمشق ولقائه الرئيس السوري، ونقل فحوى الحديث إلى البطريرك، وفيه من الإيجابية والتفهم ما أشاع التفاؤل في بعض الأوساط لكن الارتياح النسبي الذي بثته مبادرة بري أثار الانزعاج لدى رئيس الجمهورية، فلماذا يتولى بري هذا الملف دونه أو دون رئيس الحكومة وكيف يجزم الرئيس أميل لحود في ذكرى الاستقلال بأن الجيش السوري لن ينسحب من لبنان قبل تحرير مزارع شبعا وتحرير الأسرى اللبنانيين، وتحرير الجولان وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، ثم يقول رئيس مجلس النواب إن الجيش السوري سيعيد انتشاره قريبًا وفقًا لاتفاق الطائف ثمة تناقض في الموقف الرسمي استدعى التوقف ومراجعة الحسابات وتنوعت التحليلات والتخمينات وقطع وزير الخارجية السوري فاروق الشرع الشك باليقين عندما أعلن أن القيادتين اللبنانية والسورية هما المخولتان وحدهما بحث هذا الأمر دون تدخل أي طرف داخلي أو خارجي، في استبعاد واضح لبري والبطريرك صفير، بل إن الشرع كان أكثر وضوحًا حين قال: إن خروج الجيش السوري الآن سوف يؤدي إلى نشوب فتنة في لبنان.
الغريب أن بري سلك الطريق نفسه الذي سلكه قبله وليد جنبلاط، وإن كان باختلاف بين في اللهجة والأسلوب ونوع الطرح، ومع فارق مهم هو أن مبادرة بري تجعل من البطريرك بطلًا في أعين المسيحيين، في حال استجابت سورية لمطالب بكركي، أو إذا بدا الأمر وكأن سوريا ترضخ لضغوط البطريرك.
إطلاق النار على المبادرة
ومما زاد في تعقيد موقف بري أن تصريحات البطريرك بعيد لقائهما حافظت على تشددها بدلًا من أن تعتمد التهدئة، وجاء فيها أن المطلوب ليس انسحاب الجيش السوري وحسب، بل المطلوب أساسًا أن ترتفع الهيمنة السورية عن الحكومة اللبنانية، وهو ما اعتبره بري بمنزلة إطلاق النار على مبادرته.
على أن الشخصيات السياسية اللبنانية التي التقت الرئيس السوري في الأونة الأخيرة، بناءً على دعوة منه ووفقًا لنصيحة رئيس الحكومة رفيق الحريري، راحت تنقل أجواء إيجابية بخصوص معالجة كل المسائل العالقة بين لبنان وسورية، وهو ما أثار مشاعر متناقضة ومختلطة، وعزز الاعتقاد في لبنان بوجود رأيين في سورية واحد يمثله الرئيس وفيه يحبذ تطمين المسيحيين وتهدئة مخاوفهم بما لا يضر بمصلحة دمشق ورأي آخر يتبناه الحرس القديم في النظام ويقضي بقطع أي حديث حول هذا الأمر باعتباره خطة منسقة بين المسيحيين وقوى خارجية معادية للدور السوري في لبنان.
وليست المشكلة محصورة بأبعادها وآثارها بين دمشق والبطريركية المارونية، فالخلاف على الوجود السوري في لبنان بات عنصرًا داخليًّا بامتياز، خصوصًا بعد المواقف الإسلامية المناقضة تمامًا لمواقف المسيحيين وإذا كان جنبلاط وبعده نبيه بري حاولا إمساك العصا من الوسط، فلا يعني أنهما مع الخروج الكامل والفوري للجيش السوري من لبنان، فضلًا عن أن حزب الله والجماعات الإسلامية المختلفة إضافة إلى الأحزاب الموالية لدمشق تقليديًّا تقف ضد أي إثارة لهذا الموضوع من طرف البطريركية المارونية.
وفي واقع الأمر هناك ثلاثة مواقف: الأول مع الانسحاب الكامل لسورية، والثاني مع رفض التعاطي مع القضية بالمطلق لبقاء مبررات الوجود العسكري السوري، والثالث يدعو فقط إلى تصحيح العلاقات السورية اللبنانية عسكريًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا، من خلال إعادة انتشار الوحدات السورية العاملة في لبنان، ومراجعة الاتفاقيات الموقعة بين البلدين لا سيما الاقتصادية منها لتحقيق التكافؤ في الفرص.
هذا التجاذب الحاد بين المؤيدين والمعارضين لسورية، أعاد الحديث عن الحرب الأهلية ومع أن ظروف اندلاع حرب أهلية أخرى كالتي نشبت عام ١٩٧٥م، ليست متوافرة من حيث الأطراف المستعدة للقتال والتمويل والتسليح إلا أن البعض يعود بالذكرى إلى السبب وراء الحرب قبل ربع قرن وهو الخلاف اللبناني على الوجود العسكري الفلسطيني آنذاك، وتوافر نية إشعال الحرب لدى القوى الدولية النافذة لتغيير المعادلات في المنطقة، أما وقد وصلت عملية التسوية إلى الحائط المسدود، فلماذا لا يتعزز هذا الاتجاه؟
من يرفض هذا الاحتمال يعود ويقول إذا كانت الظروف مواتية لحرب إقليمية أو الحروب أهلية تفتت المنطقة، وتضعف الانتفاضة الفلسطينية، على أن تكون البداية من لبنان وسورية، فمن الأطراف المحلية المستعدة في لبنان للعودة إلى الخيار المدمر؟
وبالتفصيل الممل يمكن القول إن الدروز لن يحاربوا المسيحيين، وموقف جنبلاط بات واضحًا لجهة الانفتاح عليهم وحركة أمل «الشيعية» ماذا تستفيد من الحرب وقد حصلت في السلم على كل ما تريده؟ أما حزب الله فسيكون الخاسر الأكبر من أي فتنة طائفية فلماذا ينخرط فيها؟ والمسلمون السنة لم يكونوا وقود الحرب الماضية ليكونوا الآن في أتونها!
لكن من جهة مقابلة تشيع أوساط مسيحية مقربة من البطريرك صفير أن حرب تحرير لبنان من الاحتلال السوري ستبدأ في حال إصرار السوريين على الاحتفاظ بمواقعهم ومكاسبهم الحالية، والسيناريو الممكن الوحيد هو أن تشن فلول المليشيات المسيحية المنحلة عمليات عسكرية منظمة ضد مواقع الجيش السوري المنتشرة في المناطق ذات الأغلبية المسيحية، وضد العمال السوريين أينما وجدوا.
يعول كثير من العرب على الموقف الأوروبي ويظنوه مؤيدًا لقضاياهم. لكن اجتماع مرسيليا الأخير كشف غير ذلك.
لماذا تنحاز أوروبا للعرب ومصالحها متحققة في كل الأحوال؟!
الموقف الأوروبي حسبما كشفت عنه اجتماعات التعاون الأورو متوسطي التي شهدتها مدينة مرسيليا الفرنسية بحضور وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الـ ١٥ ووزراء خارجية دول جنوب المتوسط الـ 10 بعد تغيب سورية ولبنان لرفضهما الجلوس إلى الكيان الصهيوني في المؤتمر، وقبلها قمة بيارتيز الأوروبية، ظل محافظًا على لونه الباهت أو بعبارة أخرى بدا واضحًا أنه لا دور لأوروبا يمكن التعويل عليه، وأنه ليس في جعبة الاتحاد الأوروبي أكثر من مجموعة بيانات فضفاضة تفضح أكثر مما تستر، وتحمل في طياتها بذور الإدانة بالتقاعس واللامبالاة خاصة تجاه أعمال الإجرام الصهيوني في فلسطين المحتلة.
ففي قمة بيارتيز اقتصر جهد الأوروبيين علي توجيه نداء إلى الصهاينة والفلسطينيين معًا لإيقاف ما أسموه بأعمال العنف، وفي اجتماعات مرسيليا اكتفوا بالإعلان عن تأييدهم لقيام دولة فلسطين المستقلة، على أن يتم ذلك من خلال التفاوض لا من جانب واحد وكان طبيعيًّا أمام هذا الموقف المتواطئ أن ترفض الدول العربية التي شاركت في اجتماعات مرسيليا توقيع البيان الختامي وأن تندد بسياسة «الحياد» التي اتبعها الأوروبيون تجاه القمع الصهيوني للفلسطينيين، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية المصري حينما قال: من الصعب التزام الحياد في هذه الحالة والمساواة بين المعتدي والضحية، وبين شعب محتل وقوة احتلال وأضاف: نحن غير سعداء بالموقف الأوروبي الراهن تجاه قضية الشرق الأوسط، ثم إن هناك علامات استفهام كثيرة حول هذا الدور.
الأوروبيون كانوا يعرفون مسبقًا أن موقفهم هش ومتخاذل، لذلك سعت الدول الأوروبية إلى الفصل النظري بين عملية برشلونة التي ينتمي إليها اجتماع مرسيليا، وعملية التسوية في الشرق الأوسط، وحاول خافيير سولانا -الممثل الأعلي للشؤون الأمنية والخارجية للاتحاد الأوروبي- الترويج لفكرة أن الأورومتوسطية ليست إطارًا للعلاقات مع الكيان الصهيوني، وإنما هي إطار لخلق آليات للتنمية والسلم حول المتوسط الذي يتنفس مناخه الأوروبيون والعرب على السواء وأن «اجتماعات الأورومتوسطية لا يمكنها القيام بتسوية كل الخلافات في المنطقة المتوسطية وثمة أطر «أو أماكن» نوعية أخرى تناسب هذه المهمة» في حين أعلن وزير الخارجية الفرنسي هوبير فيدرين «أن أوروبا لم تقل بتاتًا أن عملية برشلونة تعتمد بشكل أساسي على عملية السلام» أو أنها تتوقف بتوقف مفاوضات السلام، وعلق بأن «السلام يجب أن يعطي ديناميكية خاصة ومعتبرة لبرشلونة وليس العكس».
هذه الفلسفة الأوروبية مفادها أن أوروبا تتمسك بشدة بهذا الفضاء الواسع الأوروبي المتوسطي الذي يضم أكثره من ٦٠٠ مليون نسمة ورصيدًا هائلًا من المواد الأولية، بالإضافة إلى الاعتبارات المهمة التي تربط بين ضفتي البحر المتوسط لأن من مصلحتها نسج علاقات متينة مع دول الجنوب إلا أنها في الوقت نفسه لا تريد إدانة الكيان الصهيوني إدانة صريحة.
وعلى الرغم من أن أوروبا باتت تدرك أن انفراد الولايات المتحدة بالتأثير في مستقبل المنطقة المجاورة لها لم يحقق مصالح أوروبا من حيث الاستقرار والمعطيات الاقتصادية وغير ذلك من الإيجابيات -بالمنظور الأوروبي- وأن السياسة الأمريكية الخرقاء ضارة بالموازين الأوروبية، إلا أن مجرى الأحداث لم يسفر حتى هذه اللحظة عن ظهور موقف أوروبي فاعل وإيجابي.
عوامل كثيرة أوصلت الدور الأوروبي إلى ما يحدث الآن لعل من أهمها:
1- تلاقي المصالح الأوروبية الذاتية مع المصالح الصهيونية في الإبقاء على المنطقة العربية عاجزة عن التأثير بقدراتها الذاتية الكبيرة على صناعة القرار الدولي، فأوروبا تريد ذلك للمنطقة المجاورة لها لأسباب حضارية وعقدية بغض النظر عن الجانب الاقتصادي، أو أي حديث عن علاقات الصداقة والتعاون وحوار الحضارات.
2 - تعدد الاتجاهات في السياسة الخارجية الأوروبية، فأوروبا ليس لديها سياسة خارجية واحدة ولا نظرة متجانسة إلى الصراع في المنطقة، ففرنسا تطالب باتخاذ موقف أكثر فاعلية لصالح الفلسطينيين، بينما تجادل بريطانيا وألمانيا بأن ذلك سيؤدي لحدوث مشكلات مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، كما أن هناك تنافسًا بين دول الاتحاد -الكبيرة منها بشكل خاص- على لعب دور متمايز كبريطانيا مثلًا، ولعل من مظاهر هذا التعدد عملية التصويت في الجمعية العامة بشأن إدانة الإجراءات الصهيونية الوحشية، حيث شهدت الجمعية العامة انقسام دول الاتحاد الأوروبي إلى مجموعتين من تسع دول وست دول ما بين مؤيد للقرار وممتنع عن التصويت.
3- من غير المتصور أن تتبلور سياسة أوروبية مشتركة لمصلحة العرب دون تكتل عربي واضح يتجاوز المزايدات ورفع الشعارات إلى الضغط بقوة على الاتحاد الأوروبي والتلويح بالمصالح الاقتصادية، فضلًا عن الإمدادات النفطية، فالنفوذ الصهيوني المالي والإعلامي في أوروبا، وإن لم يكن بالدرجة نفسها كما هو الحال في الولايات المتحدة، إلا أن تلاقيه مع السياسة الأمريكية المهيمنة يزيد من فاعليته وقوة تأثیره على القرار الأوروبي.
ردود الأفعال الأوروبية على العدوان الصهيوني تؤكد أن الحديث عن دور أوروبي مجرد وهم والغريب أن يُقال: إن الدور الأوروبي مؤجل لحين إتمام التسوية النهائية بين العرب والصهاينة فأي قيمة لهذا الدور حينذاك سوى منح بعض المسكنات للمريض بعد تقطيع أوصاله؟!.
مركز الإعلام العربي