العنوان في ظلال الإسلام يلقى غير المسلمين كل عدل وإنصاف
الكاتب عبدالله ناصح علوان
تاريخ النشر الثلاثاء 05-مارس-1985
مشاهدات 63
نشر في العدد 707
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 05-مارس-1985
من الحجج الواهية التي يتذرع بها القوميون قولهم: ماذا نصنع بالمواطنين: اليهود والنصارى الذي يعيشون في بلاد المسلمين إذا حلت الشريعة الإسلامية محل الرابطة القومية والقوانين الوضعية؟ هل يجبرون على الإسلام؟ أم يخرجون من الوطن؟ أم ماذا؟
نقول: لا يجبرون على الإسلام، ولا يخرجون من الوطن، وإنما يعيشون تحت ظلال العقيدة الإسلامية معززين مكرمين ضمن حقوق عادلة، ومبادئ ثابتة.. فرضها نظام الإسلام، وأوجبتها شريعة الله.
وإليكم أهم هذه الحقوق والمبادئ:
1- يعيشون في الوطن الإسلامي أحرارًا في ظل عقيدتهم التي يدينون بها، لا يجوز لأحد من المسلمين أن يكرههم على الإسلام، ولا أن يضطرهم إلى اعتناقه بالتهديد أو الإغراء.. لقوله تبارك وتعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: 256). ومما يؤكد حرية أهل الكتاب الدينية «أن السلطان «سليم الأول» العثماني رأي أن الأروام، والبلغار، والأرمن، قد كثروا في مملكته كثرة مزعجة، وأقضوا مضجع الدولة الإسلامية بفتنهم ومؤامراتهم، فقرر أن يجبرهم على الإسلام أو يخرجهم من مملكته، فعارض شيخ الإسلام «زنبيلي عليّ أفندي» معارضة شديدة، وقال له بلهجة شديدة قاطعة: «وليس لك على اليهود والنصارى إلا الجزية، وليس لك أن تزعجهم عن أوطانهم» فرجع السلطان سليم عن عزمه امتثالًا لإرادة الشرع».
2- يعيشون أيضًا أحرارًا في معابدهم وأحوالهم الشخصية.. جاء في معاهدة عمر رضي الله عنه لأهل فلسطين ما يلي: «هذا ما أعطى عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان.. أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم.. ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم».
3- يجب المحافظة على أموالهم ودمائهم وأعراضهم.. جاء في «نصب الراية» عن علي كرم الله وجهه: «وإنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا». وجاء في شرح البخاري للعيني: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قتل معاهدًا بغير حق لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا».
4- يجب حمايتهم من كل ظلم أو اعتداء أو اغتصاب.. وفي رواية البخاري: كان فيما أوصى به عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند وفاته: «أوصى الخليفة من بعدي بذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وألا يكلفهم فوق طاقتهم» وروي أبو داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ظلم معاهدًا، أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ شيئًا بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة».
5- يجب أن يعطوا من الحقوق العامة ما يعطي للمسلمين سواء بسواء.. وكنموذج لمعرفة حقوق الذميين الناتجة من عقد الذمة نذكر جانبًا مما جاء في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لأهل نجران، كما جاء في كتابي «فتوح البلدان» و«الخراج»: «ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد صلى الله عليه وسلم على أموالهم، وأنفسهم وأرضهم، وملتهم، وغائبهم، وشاهدهم، وعشيرتهم، وبيعهم «كنائسهم»، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير.. لا يغير أسقف من أساقفتهم، ولا راهب من رهبانهم.. ولا يحشرون ولا يعشرون ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل منهم حقًا فبينهم النصف «العدل» غير ظالمين ولا مظلومين».
6- تؤخذ الجزية المالية بنسبة محدودة من الرجال القادرين على الكسب فقط مقابل حمايتهم.. وكما قرر الفقهاء «تؤخذ الجزية من الفقير القادر على الكسب ما يساوي «12 درهمًا»، ومن متوسط الحالي ما يساوي «24 درهمًا»، ومن الغني ما يساوي «48 درهمًا»، يؤخذ هذا كله من كل واحد مرة واحد في العام، وتسقط الجزية بالعمى، والزمانة المرضية، والعجز والشيخوخة، ولا تضرب الجزية على نساء أهل الكتاب، ولا على صبيانهم حتى يبلغوا، ولا على عبيدهم ومجانينهم وأصحاب الصوامع من الرهبان».
وإذا أردنا أن نوازن بين ما يؤخذ من المسلم من التزامات مالية وبين ما يؤخذ من أهل الكتاب من جزية فنجد أن المقدار المالي الذي يؤخذ من أهل الكتاب ضئيل جدًا بالنسبة للمسلم، ذلك لأن المسلم يؤخذ منه فريضة الزكاة على حسب غناه، ويؤخذ منه ما يسد الحاجة في أيام الكوارث والجوائح، ويؤخذ منه ما يلزم المجاهدين في أوقات الحرب مع الأعداء.. ومما تجد الإشارة إليه أن الجزية تسقط عن الذمي، إذا أسلم؛ لما روي الإمام أحمد وأبو داود: «ليس على من أسلم جزية». ومما يرويه التاريخ بملء الافتخار والاعتزاز أن عاملًا «واليًا» من عمال عمر بن عبد العزيز كتب إلى عمر: أن الدخول في الإسلام أضر بالجزية ففرضها على من أسلم، فأرسل إليه عمر بن عبد العزيز يقول له: قبح الله رأيك.. إن الله سبحانه وتعالى لم يرسل محمد صلى الله عليه وسلم جابيًا وإنما أرسله هاديًا.. فإذا أتاك كتابي هذا فارفع الجزية عمن أسلم من أهل الذمة!!
7- يجب تحقيق التكافل لعاجزهم وضعيفهم ومريضهم.. ذكر «أبو يوسف» في كتابه «الخراج» أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب المساجد بسبب الجزية، والحاجة، والسن، فقال له عمر: «ما أنصفناك إن كنا أخذنا منك الجزية في شيبتك، ثم ضيعناك في كبرك». ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه، ومما ذكره «أبو يوسف في كتاب الخراج» أن عمر رضي الله عنه مر على قوم مجذومين من النصارى، فأمر بمعالجتهم، وفرض لهم ما يكفيهم من بيت المال».
8- يأمر الإسلام بمحاسنتهم وملاطفتهم وتحقيق الخير لهم.. ومما كتبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص عامله على مصر: «إن معك أهل ذمة وعهد، وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، وأوصى بالقبط فقال: «استوصوا بالقبط خيرًا، فإن لهم ذمةً ورحمًا»، تلكم أهل الحقوق العادلة التي منحها الإسلام لأهل الكتابين: اليهود والنصارى، حينما يريدون أن يعيشوا في كنف الدولة الإسلامية، ويرفلوا في رياض السماحة والعدل.. وفي تقديري وتقدير الكثير من العقلاء والمنصفين أن هذه الحقوق التي قننتها الشريعة الغراء لأهل الذمة والعهد، لا يمكن بحال أن تراها أية أقلية تعيش في كنف دولة قوية لها بين الأمم كيان، وبين الدول سلطان!
فليقل دعاة القومية ماذا يعلمون عن تاريخ الوحدة الإسلامية وتجربتها خلال الأجيال وتتابع القرون.. هل سمعوا أن كتابيًّا واحدًا من اليهود والنصارى قد أصابه أي حيف أو ظلم في ظلال الحكم الإسلامي والوحدة الإسلامية الشاملة؟ هل أنبأهم التاريخ أن المسيحيين ضافوا ذرعًا في ظلال العقيدة الإسلامية، كما يضيق ذرعًا أرباب القوميات الصغيرة في ظلال القوانين الوضعية، وشعار الحكم القومي؟ هل يستطيعون أن ينكروا ما سجله التاريخ من شكر النصارى لعدالة الإسلام، وسماحة المسلمين تحت راية الإسلام، وحكمه العادل؟
وإليكم الشواهد التاريخية:
- يقول الأستاذ «أرنولد» في كتابه «الدعوة إلى الإسلام» صحفة: 66، 67، 68: «ولما بلغ الجيش الإسلامي وادي الأردن وعسكر «أبو عبيدة» في «مخل» كتب الأهالي المسيحيون في هذه البلاد إلى العرب المسلمين يقولون" «يا معشر المسلمين أنتم أحب إلينا من الروم وإن كانوا على ديننا، أنتم أوفى لنا، وأرأف بنا، وأكف عن ظلمنا، وأحسن ولاية علينا، ولكنهم غلبونا على أمرنا ومنازلنا».
وغلق أهل حمص أبواب المدينة دون جيش «هرقل» وأبلغوا المسلمين أن ولايتهم وعدلهم أحب إليهم من ظلم الإغريق وتعسفهم.. وإن كانوا على دينهم».
- ويقول «غوستاف لوبون»: «ما عرف التاريخ فاتحًا أعدل ولا أرحم من العرب».
- ويقول البطريك «عيشويايه» عام -656- «إن العرب الذين مكنهم الرب من السيطرة على العالم، يعاملوننا بعدالة كما تعرفون، إنهم ليسوا أعداء للنصرانية، بل يمتدحون ملتنا، ويوقرون قديسينا، ويمدون يد العون إلى كنائسنا وأديرتنا».
من هؤلاء الذين شهدوا هذه الشهادات الصادقة المخلصة.. إنهم المنصفون من رجال الدين المسيحي والمستشرقين أملي عليهم إنصافهم كما أملت عليهم ضمائرهم أن يقولوا كلمة الحق لله وللتاريخ!
شهد الأنام بفضله حتى العدا والفضل ما شهدت به الأعداء
- لما غزا التتار بلاد الإسلام، ووقع كثير من المسلمين والنصارى في أسرهم، ثم عادت العزة للمسلمين ودان ملوكهم بالإسلام، خاطب شيخ الإسلام أمير التتار بإطلاق الأسرى فسمح له الأمير التتاري بفك أسرى المسلمين، وأبي أن يسمح بفك أهل الذمة فقال شيخ الإسلام: لا بد من فك الأسرى من اليهود والنصارى؛ لأنهم أهل ذمتنا، فأطلقهم الأمير.
- وقبل قليل استمعنا إلى ما قاله شيخ الإسلام «زنبيلي عليّ أفندي» للسلطان سليم الأول حينما حاول أن يكره البلغار والأرمن.. على الإسلام، وكيف امتثل السلطان إرادة الشرع..
- ومما ذكره التاريخ بملء الاعتزاز أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه اقتص من واليه عمرو بن العاص لضربه مصريًا قبطيًا بدون حق، وبعد الاقتصاص التفت عمر إلى عمرو وقال له قولته الخالدة: «يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا».
- والكثير يعلم موقف علي كرم الله وجهه وهو أمير المؤمنين، حين مثل هو ويهودي أمام القضاء في قضية «درع» كان قد افتقدها في أثناء ذهابه إلى صفين، فحكم القاضي «شريح» بالدرع لليهودي، لكون الأدلة لم تتوفر لديه أن الدرع درع أمير المؤمنين، والرواية تقول: إن اليهودي أعلن إسلامه في مجلس القضاء؛ لما رأى العدالة والنزاهة في أجلى صورها وأسمى معانيها، واعترف بأن الدرع ليست درعه، وإنما درع أمير المؤمنين كان قد التقطها من الأرض، عندما تحرك جيش عليّ رضي الله عنه إلى صفين!!
ألا فليعلم دعاة القومية وأرباب فصل الدين عن الدولة، هذه المواقف المشرفة لخلفاء الإسلام عبر التاريخ، وليعلموا أيضًا أن الإسلام حين تكون له الهيمنة والحاكمية- يجد غير المسلمين في ظلال حكمه، ومعاملة ولاته.. كل عطف وإكرام ورعاية، بل يجدون كل رحمة وعدل وإنصاف!!
وهذا رد قاطع على من يقول: ماذا نصنع باليهود والنصارى، إذا قام في المجتمعات الإسلامية حكم الإسلام، وهيمنت في البلاد العربية الشريعة الإسلامية.. وصدق من قال: «ما عرف التاريخ فاتحًا أعدل ولا أرحم من العرب»!!
فبأي حديث بعد هذا يؤمنون؟