; سلوكيات العالم الثالث تسيطر على النظام العالمي | مجلة المجتمع

العنوان سلوكيات العالم الثالث تسيطر على النظام العالمي

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 30-نوفمبر-2002

مشاهدات 88

نشر في العدد 1529

نشر في الصفحة 46

السبت 30-نوفمبر-2002

العالم الثالث يفخر اليوم بحضارته الهمجية، وفوضويته الارتجالية، والدكتاتورية على الشعوب، إذ استطاع أن يقنع أكبر دولة وأقوى أمة بطريقته في الحياة وفوضويته فيها، والمتتبع اليوم لما تفعله تلك الدولة يجد أنها تعيش بمنطق اللامبالاة، وتفسح المجال للفوضويات، والعنتريات، لتأخذ مجالها المخزي في الحياة، وتلغي قانون العدالة والخلق والعقل، وتضرب بشعور الناس وأحاسيسهم عرض الحائط وتفعل بهم الأفاعيل، ثم تنفق الأموال، وتعد العدة للقتل والتدمير، واستباحة الجرائم وأخذ الثروات. والمتطلع اليوم إلى حجم الفقر والعوز، والمجاعات والجوائح التي تعيشها الإنسانية، وتحتاج فيها إلى مد يد العون، وبذل الأموال لمداواة العلل والقروح، ثم يتطلع إلى حجم الإنفاق على الحروب وعلى قهر الشعوب، وزيادة المظالم والنكبات، وصناعة الكوارث يعتريه العجب، ويصف دعاتها بالجنون والعته الذي ينبغي أن يذهب بهم إلى المصحات الطبية حتى يحال بينهم وبين هذه الفواجع.

ولأن هؤلاء الهلكى أصبحوا لا يعرفون من فرط الهوس إلى أين يتجهون، كما يقول البحارة القدماء: «ليست هناك رياح مواتية للذين لا يعرفون إلى أين هم ذاهبون»، يقول العلماء في بحوثهم: إن 20% من الأفراد الأكثر فقرًا في العالم، يتعين عليهم اليوم أن يتقاسموا النسبة البائسة 1,1% من الدخل العالمي، ولائحة البؤس الرسمية لا نهاية لها، في حين يبلغ نصيب العشرين في المائة الأكثر غنى نحو ۸٥٪ من دخل العالم، ونحو مليار شخص يعانون المجاعة، وملياران يعانون سوء التغذية، ومليار لا يحصلون على الخدمات الصحية الضرورية، ومليار ونصف المليار لا يعرفون المياه الصالحة و 80% من سكان الأرض لا صلة لهم بالحضارة ولا يعرفون حتى وسائل الاتصالات الأساسية، وهناك مئة مليون طفل على الأقل يعيشون في الشوارع، وتدفع بهم الحاجة من الريف إلى المدن، وشردوا من أسرهم على نحو  فاحش، و«أطفال الشوارع» أصبح مصطلحًا عامًا. يعني وقوع جيل كامل في أيدي عصابات المخدرات والبغاء وأعمال الشر، فمن المسؤول في العالم عن هذه الآلام، وهذا البؤس والشقاء؟!.

أظن هذه الدول الغنية التي استعمرت بلادهم أزمنة متطاولة، وأخذت خيراتهم لتنفقها على الحروب والقهر والإذلال لتخلق مزيدًا من الفواجع.

ويحسن بنا أن نشير إلى نفقة حرب بعد لها الآن لتزيد الفواجع والنكبات أكثر فأكثر، فهناك دراستان في الكونجرس الأمريكي تقدر أن نفقات الحرب المقبلة على العراق بمبالغ فلكية، وهناك تقارير خبراء كبراء مثل أنطوني كوردسمان، ومايكل أوهافلون وغيرهما عن تكاليف الحرب تقلق الباحثين، وتشير إلى أن دعاة الحرب لا يبدو أنهم يفكرون كما يفكر العقلاء، ثم يقررون أن هذه الحرب إذا أدت إلى نصر سريع فإنها بحاجة إلى ۱۲۱ بليون دولار، إذا كانت سريعة، و ١٥٩٥ بليونًا إذا طالت.

وتشير التقارير إلى أرقام أخرى للعمل العسكري المباشر قد تصل إلى ٥٠ بليون دولار، و٧٥ بليونًا للاحتلال وحفظ السلام، وإعادة التعمير.. إلى غير ذلك من الأرقام التي لم يُعمل حسابها مثل خسائر أسواق النفط التي قد تصل إلى ٣٤٥ بليونًا، وإلى خسائر أسواق المال.. إلخ.

ولكن اليوم قد تثار أسئلة تظل حيرى في النفوس من أمثال: من سيدفع هذه المبالغ؟، ثمة عرب كثيرون يقولون: إن الولايات المتحدة سترغم بعض الدول العربية على دفع تلك الفواتير، لكن الذي يستطيع أن يدفع هو الدول النفطية، وهذه الدول تعارض الحرب أصلًا، ونفقات الحرب التي يطرحها الأمريكيون تفوق كثيرًا القدرات العربية مجتمعة أو متفرقة، ثم إن الشعوب تحتاج إلى التنمية التي تتطلع إليها، خاصة أنها في حاجة ماسة إلى التكنولوجيا والتصنيع وحفظ كيانها أمام عدو، متغطرس تساعده الولايات المتحدة في فلسطين على قتل الأبرياء وسحق الشعب، كما أن أطماعه المعلنة لا تحد، ويعمل على تحقيقها، مستعينًا بعجز الأمة الحربي والتقني والاقتصادي.

وهل هذه الأمة العربية والإسلامية التي يقع عليها كل هذا العبء ويصب عليها كل هذا القهر، ستظل ساكنة بلهاء تغط في النعاس، أم أنها لابد مستيقظة رغم ما تخدر به من وصفها بالإرهاب تارة، وبالعدوانية أخرى؟!، ويظهر أن هذا الدجل أصبح لا ينطلي على أحد من الشعوب الإسلامية ولا من غيرها، ولهذا كتب «بيوكانن» المرشح الأمريكي للرئاسة عن الحزب الجمهوري للأعوام 92، 96، 2000م مقالًا نشرته مجلة «دي أمريكان» يحذّر من غزو العراق فيقول: «يجب ان تأخذ أمريكا العبرة من التاريخ»، مشيرًا إلى صورة بريطانيا في فلسطين والشرق، وفرنسا في الجزائر، متسائلًا: هل نريد أن نخوض حربًا استعمارية كالتي خاضوها وخرجوا على أعقابهم خاسرين؟.

ويؤكد الكاتب أن خوض أمريكا حربًا في العالم الإسلامي سيضعنا في مواجهات لا نهاية لها مع أكثر المناطق تقلبًا وأشدها عنفًا وقوة وهي الأصولية الإسلامية، حيث ستتعالى أصوات الدعوة إلى الجهاد ضد أمريكا في كل مسجد من المغرب إلى ماليزيا، ثم يبيّن أن تدخل أمريكا في شؤون الآخرين هو الإرهاب بعينه، وأن قتلة الحادي عشر من سبتمبر كانوا هنا في عقر دارنا لأننا كنا هناك في عقر دارهم، ثم يقول بيوكانن: «فلنعد من أرض ليس مُرحّبًا بنا فيها، ولندع العالم الإسلامي يحدد مصيره بنفسه، ونحن نرى اليوم بوادر العداء الذي لا يحد من الشعوب الإسلامية، فهل نعي»؟.

وبعد: فقد غرقت الدول التي تدّعي الحضارة في المآسي وكان ينبغي أن تأخذ -إذا كانت متحضرة حقًا- بأيدي الضعفاء والمحتاجين بدلًا من زيادة مآسيهم وويلاتهم، ولا يسع الناس إلا التساؤل: هل ارتدت المدنية على أعقابها؟ وهل هذه الدول التي تدّعي التقدم أقنعت بتلك الهمجية فأصبحت شعارًا لها؟ أسئلة لا يجيب عنها إلا المسلمون وما يأتي في المستقبل.

الرابط المختصر :