العنوان عبرة.. ولكن لمن يعتبر
الكاتب محمد عبد الله السمان
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أبريل-1979
مشاهدات 103
نشر في العدد 439
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 03-أبريل-1979
• ما أقصر عمر الظلم وعهد الإرهاب لكن الذين رضوا لأنفسهم أن يكونوا أعوانًا للظلم، وأدوات للإرهاب لم يكونوا في وقت من الأوقات - يدور بخلدهم أن للظلم نهاية وللإرهاب خاتمة، وقد اقتضت ذلك سنة الله في الأرض- ولن تجد لسنة الله تبديلا..
إن في تاريخ البشرية - حتى قبل أن يدون التاريخ- أمثلة تجل عن الحصر والعد والاستيعاب.. أمثلة عن الطغيان والطغاة، وقد عرض القرآن الكريم - في أكثر من سورة- لبعض الصور، صور للطغيان الجماعي والطغيان الفردي، بعضها معين بالذات، وبعضها الآخر معين بالصفة، سجل فيها السلوك والنهايات معًا، ليكون ذلك عبرة للأجيال القادمة، ولكن - فحسب- لمن يعتبر!!..
ولقد احتل فرعون مكانًا مرموقًا في كتاب الله عز وجل، كمثل بارز في الطغيان، ورسم لنهايته الصورة اللائقة لطغيانه:
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ، وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ، فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ، وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ ، وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾.
إن القرآن يعرض أكثر من صورة لنهاية فرعون وجنوده، ولعل هذه الصورة التي عرضت في سورة يونس عليه السلام، تعبر تعبيرا دقيقا عن الانهزام النفسي الذي مني به فرعون، وهو في أواخر لحظات حياته:
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ .
إنه تصوير بالغ الدقة، لنهاية طاغية، لم يدع الألوهية لنفسه -فحسب- بل راح يعلن تحديه للخالق جلا وعلا، هذه الألوهية المزعومة التي كان فرعون يستعبد بها الناس، انهارت في أقل من لحظات معدودة، وهذا الانهيار هو الانهزام النفسي بعينه، ويرى بعض الدارسين لكتاب الله أن العبارة التي جاءت على لسان فرعون: حتى إذا أدركه الفرق قال: ﴿قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ..﴾ هذه العبارة الأخيرة تحمل معنى المكابرة من فرعون، فهو لم يشأ أن يعلن إيمانه صريحًا واضحًا ليس فيه حشو، وأن يوجهه إلى الله عز وجل مباشرة.. لكننا نرى-على العكس أن كلمات فرعون هذه تحمل معنى الانهزام النفسي، ألم يكن يتحدى إله بني إسرائيل على حد تعبيره في أكثر من موقف؟ إن الله سبحانه هو الذي أنطقه، وأجرى على لسانه كلمات تعبر عن أعمق هزيمة شعورية وانهزام نفسي، ثم تأتي آخر الآية الكريمة.. وإنني من المسلمين الخاضعين المذعنين، لتكتمل صورة الانهزام النفسي لدى أطغى طاغية عرفه تاريخ البشرية قبله.
ثم شاء الله أن يضاعف انهزامه النفسي: الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين.. ثم جاءت الآية الثالثة لتسجل العبرة من الموقف كله: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾.
وهذا هو المقصود من سرد القصص القرآني، العبرة قبل كل شيء، ويلاحظ في هذا المقام أن الله -عز وجل- لم يقتص وينتقم من الطغاة وحدهم، بل أيضًا الأعوان من الجنود وغيرهم، والمقصود من الغير، الشعوب بسلبيتها، كأن كل طاغية يجر معه الأعوان بموقفهم الإيجابي والشعب بموقفه السلبي، والعبرة من قصة فرعون، وكل طاغية جاء بعده حتى يومنا هذا لابد أن تتناول الطاغية والإيجابيين والسلبيين معًا بلا أدنى تفرقة، ففي سورة «غافر» عندما ختمت قصة فرعون بقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ جاء بعد ذلك مباشرة ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ﴾، ﴿ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾.
• وبعد
فما أكثر الطغاة في حياتنا - نحن المسلمين- على الأخص، ولكنهم دائمًا ينسون أن لهم يومًا في الدنيا قبل الآخرة، إنهم يستمرئون الطغيان في ظل الحماية الأمريكية والسوفيتية بالإضافة إلى حماية جيوشهم، ولا يحاول الطغاة أن يدركوا، أنه حين تحق كلمة الله عليهم، لا تنفعهم أمريكا، ولا روسيا، ولا الصين، ولا جيوشهم التي دللوها بأقوات شعوبهم لحمايتهم، أما أعوانهم وجلادوهم الذين كانوا بالأمس أسودًا، فسيتحولون إلى أرانب..
كان رئيس المخابرات أيام مراكز القوى في مصر، يملك بكلمة واحدة منه أن يزج بالألوف في المعتقلات والسجون، بل استطاع كسلفه «صلاح نصر» أن يجعل شعب مصر بأسره في سجن كبير، وعندما قبض عليه في مايو ۱۹۷۱، وأغلق عليه بالزنزانة أخذ يبكي كالأطفال، وعندما قبض على صفوت المروبي أحد كبار جلادي السجن الحربي، شاء الله أن يوضع في زنزانة بنفس السجن، وأن تكون هذه الزنزانة. هي نفس الزنزانة التي كانت تحل بها السيدة المجاهدة زينب الغزالي، وما إن أغلق عليه بابها حتى راح يولول كالنساء، وطرق عليه الباب جندي صغير، وقال له: ماذا جرى يا بيه؟ لقد كان في هذه الزنزانة سيدة كنتم تجلدونها عارية ولم تبك أبدًا، ولم تصدر منها صرخة واحدة، وأنت تبكي ولم يمسك أحد بسوء...
قال لي صديق: هل رأيت إمبراطورًا يبكي، وهو يقصى عن عرشه، ويبعد عن بلاده؟ وقلت له: وما في ذلك؟ لقد جئتم ديكتاتور سابق في العراق على قدمي عبد السلام عارف -رجاء أن يرحمه من القتل، وهو يبكي بحرقة، ولم تكن دموع هذا أو ذاك دموع الندم، وإنما هي دموع الحسرة والألم..
حصاد الهشيم
استعداد ديني أم سيَاسي
كان الدكتور محمد بيصار -شيخ الأزهر اليوم- من أوائل علماء الأزهر الذين انضموا إلى حزب مصر، وأيضًا من أوائل الذين انتقلوا إلى الحزب الوطني الذي ألفه السيد رئيس الجمهورية منذ شهور، وعندما عين الشيخ «شيخًا للأزهر »فوجئ الناس بهذا التعيين غير المتوقع، ولكنهم نسوا أولا أن شيخ الأزهر عضو في الحزب الوطني، وثانيًا أن هذا المنصب لم يعد يمثل شيئا، فقد أصبح منصبًا تقليديًا لا يزيد شيئًا على منصب شيخ مشايخ الطرق الصوفية، ومما هو جدير بالذكر، أنه ربما كانت مصر هي الدولة المسلمة الوحيدة التي كان تعيين شيخ مشايخ الطرق الصوفية بمرسوم ملكي، ثم بقرار جمهوري بعد ذلك..
وكان أول حديث لشيخ الأزهر بعد تعيينه في لقاء له مع شبابوجاء في توجيهه لشباب الحزب: «على شباب الحزب الوطني أن يتصدى للجماعات الدينية المتطرفة ولا سيما في الجامعات.. بالحكمة والموعظة الحسنة» ولست أدرى كيف تتفق لفظة «التصدي» مع الحكمة والموعظة الحسنة؟ ويبدو أن شيخ الأزهر غير مقتنع بكلمـة «الديمقراطي» التي ألحقت باسم «الحزب الوطني» لأنها كلمة للاستهلاك لا أكثر، ويبدو أيضًا أن شيخ الأزهر ليست لديه فكرة عن الأحداث الجسام في العالم والتي تمس قضايا الإسلام والشعوب المسلمة، أو أن كل ما يهم شيخ الأزهر هو أن يتجاوب مع السياسة العليا للدولة، ويظل على ولائه للحزب الوطني، فالحزب الوطني هو الذي رشحه للمنصب.. أما شئون الأزهر.. أما شئون الإسلام والمسلمين فلا تدخل في اختصاص الإمام الأكبر؛ لأنها تحت مستوى هذا اللقب الجديد.. وكان الله في عونه..
أبو هالة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل