; المجتمع التربوي.. عدد 1741 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1741

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 03-مارس-2007

مشاهدات 52

نشر في العدد 1741

نشر في الصفحة 52

السبت 03-مارس-2007

الأخوة وفن المصاحبة الربانية

د. حمدي شعيب

الأخوة في الله تلعب دورين بنائيين مهمين تقوم عليهما الجماعة المسلمة؛ فهي شرط من شروط الإيمان، ثم هي ضرورية الإقامة منهج الله.

    والإيمان شرط لدخول الجنة، مصداقًا لقول رسول الله: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟، أفشوا السلام بينكم» (۱)، فلا جنة بدون إيمان، ولا إيمان بلا حب في الله.

    «إنهما ركيزتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة، وتؤدي بهما دورها الشاق العظيم، فإذا انهارت واحدة منهما لم تك هناك جماعة مسلمة، ولم يك هنالك دور لها تؤديه.

 

    وهذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن الله بها على الجماعة المسلمة، وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائمًا، وعلى مثل ذلك الإيمان، ومثل هذه الأخوة، يقوم منهج الله في الأرض، في كل زمان» (۲).

فضلها:

     للأخوة في الله فضائل كثيرة، أهمها تلك المقامات التي تجمعها قاعدة: الجزاء من جنس العمل.

١ـ شرف الاستظلال بظله -سبحانه- يوم القيامة: فمن استظل مع أخيه بظل الحب في الله في الدنيا؛ أظله -سبحانه- في ظله يوم القيامة: «ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه» (٣).

«أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أُظِلُّهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» (٤).

٢ـ المرتبة العليا في الجنة: الحب في الله مرتبة سامية في العلاقات البشرية، وعد -سبحانه- أهلها مرتبة عالية في الجنة: «قال الله -عز وجل-: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء» (٥).

٣ـ شرف حبه -سبحانه- له:

     من أحب أخاه في الله أحبه الله -عز وجل-: «روي أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد الله -تعالى- على مدرجته ملكًا -أي على طريقه- فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل عليه من نعمة تربها عليه؟ -أي تقوم بها- قال: لا، غير أني أحببته في الله -تعالى-، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه» (٦).

٤ـ شرف الفضل الأكبر عنده -سبحانه-: أفضل الأخوين من كان حبه لأخيه أفضل: «ما تحاب الرجلان إلا كان أفضلهما أشدهما حبًا لصاحبه» (۷).

٥ـ الثبات على الحق: فوجود الأخ الصادق يعتبر أحد ركائز الثبات على

الطريق.

وقود الأخوة وعوامل تنميتها:

     وقود الأخوة عبارة عن مجموعة من السلوكيات تسمى حقوق الأخوة، ومن أهمها:

١ـ التوبة عن الذنوب: «ما توادَّ اثنان في الله -جل وعز- أو في الإسلام، فيفرق بينهما أول ذنب يحدثه أحدهما» (۸).

     ويوضح التابعي بكر بن عبد الله المزني -يرحمه الله- مقياس الأخوة: «إذا وجدت من إخوانك جفاءً، فذلك لذنب أحدثته، فتب إلى الله -تعالى-، وإذا وجدت منهم زيادة محبة فذلك لطاعة أحدثتها فاشكر الله تعالى».

٢ـ أن يخبره أنه يحبه: «إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه» (٩).

٣ـ يدخل السرور على قلبه: «من لقي أخاه المسلم بما يحب الله ليسره بذلك، سره الله -عز وجل- يوم القيامة» (١٠).

٤ـ يقدره ويكافئه: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (۱۱).

٥ـ يدعو له بظهر الغيب: «أسرع الدعاء إجابة؛ دعاء غائب الغائب» (۱۲).

٦ـ يسرع لتهنئته: وتدبر هذا الموقف الذي قصه علينا كعب بن مالك -رضي الله عنه- أثناء محنته: «فقام طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه- مرمة يهرول حتى صافحني وهناني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، فكان كعب لا ينساها لطلحة» (۱۳).

٧ـ يغلب نفسية التغافر معه: ويكون شعاره: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (سورة فصلت: ٣٤) ويحذر الفضيل بن عياض -يرحمه الله- المعاتب: «من طلب أخًا بلا عيب صار بلا أخ».

      وخير للإنسان أن يقارن سلوكه مع ربه بسلوك الآخرين معه: «فمن أحب أن يقابل الله إساءته بالإحسان، فليقابل هو إساءة الناس إليه بالإحسان، ومن علم أن الذنوب والإساءة لازمة للإنسان، لم تعظم عنده إساءة الناس إليه، فيتأمل هو حاله مع الله، كيف هي مع فرط إحسانه إليه، وحاجته هو إلى ربه» (١٤).

الإيمان والأخوة ركيزتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة.

الحب في الله مرتبة سامية وعد الله -سبحانه- أهلها بدرجة عالية في الجنة.

التوبة عن الذنوب والتغافر والإيثار ومراعاة أدب الاختلاف من عوامل تنميتها.

٨ـ يراعي مشاعره ونفسيته: فلا يتعامل مع النفوس وكأنها جوامد، ويتذكر موقفه ﷺ عندما علم بمقدم عكرمة ابن أبي جهل مسلمًا؛ فأوصى أصحابه -رضوان الله عليهم-: «سيأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنًا مهاجرًا، فلا تسبوا أباه، فإن السب يؤذي الحي، ولا يصل إلى الميت».

٩ـ مراعاة أدب الاختلاف: إدراك «أن صاحب النشاط والإنتاج والاندماج مع أحداث الدعوة اليومية تشفع هفواته إذا ما زل» (١٥). والمعايشة مع الناس يلزمها العدل والإنصاف والتغاضي عن الزلات و«ألا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل الإسفنجة، فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها، ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشررت قلبك كل شبهة تمر عليه صار ممرًا للشبهات» (١٦).

١٠ـ لا يقاطعه: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (۱۷)، «من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه» (۱۸).

١١ـ لا يحقد عليه: «ثلاث من لم يكن فيه غفر له ما سواه لمن شاء: من مات لا يشرك بالله شيئًا، ولم يكن ساحرًا يتبع السحرة، ولم يحقد على أخيه» (۱۹).

١٢ـ يلقاه بوجه طليق: «تبسمك في وجه أخيك صدقة» (٢٠).

وقال الإمام علي -رضي الله عنه-: «إذا اجتمع المسلمان فتذاكرا غفر الله لأبشّهما وجها».

١٣ـ ينصح له: «المؤمن مرآة أخيه، إذا رأى فيه عيبًا أصلحه» (۲۱).

١٤ـ يرفق به: «لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا، ولا لعَّانًا، ولا سبَّابًا، كان يقول عند المعتبة: ما له تَرِبَ جَبِينُه» يدعو له بكثرة السجود والهداية (۲۲).

١٥ـ لا يغتابه: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ﴾ (سورة الحجرات: ١٢).

١٦ـ يتجنب الجدل والمزاح المؤذي له، ولا يخلف وعده معه: «لا تمار أخاك؛ أي لا تجادله مخاصمًا، ولا تمازحه؛ أي لا تفرط في المزاح، ولا تعده موعدًا فتخلفه» (۲۳).

١٧ـ يكرمه: «لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقيّ» (٢٤).

«لأن أجمع نفرًا من إخواني على صاعٍ أو صاعين من طعام، أحب إليَّ من أن أخرج إلى سوقكم فأعتق رقبة» (٢٥).

١٨ـ يؤثره على نفسه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ (سورة الحشر: ٩).

١٩ـ يستر عوراته ويحفظ سره: «لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة» (٢٦).

٢٠ـ يقضي حاجته: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنها بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» (۲۷).

أداء واجبات الأخوة:

     وهذه الواجبات أجملها ﷺ في قوله: «إن للمسلم على أخيه ست خصال واجبة، إن ترك منها شيئًا فقد ترك حقًّا واجبًا لأخيه عليه: يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويُشَمِّته إذا عطس، ويعده إذا مرض، ويحضره إذا مات، وينصحه إذا استنصحه» (۲۸).

الهوامش:

(۱) رواه مسلم.

(۲) في ظلال القرآن: سيد قطب بتصرف.

(٣) متفق عليه.

(٤) رواه مسلم.

(٥) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

(٦) رواه مسلم.

(۷) أخرجه البخاري في الأدب المفرد.

(۸) أخرجه البخاري في الأدب المفرد.

(٩) رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن.

(۱۰) رواه الطبراني في الصغير وإسناده حسن.

(١١ـ١٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد.

(١٤) متفق عليه.

(١٥) مفتاح دار السعادة: ابن القيم ١/٢٩٢.

(١٦) القيادة: جاسم المهلهل ص٦١.

(۱۷) رواه الشيخان.

(۱۸) أخرجه البخاري في الأدب المفرد.

(۱۹) المصدر السابق.

(۲۰) رواه الترمذي.

(۲۱) أخرجه البخاري في الأدب المفرد.

(۲۲) رواه البخاري.

(۲۳) أخرجه البخاري في الأدب المفرد.

(٢٤) رواه أبو داود والترمذي.

(٢٥) آخر أخرجه البخاري في الأدب المفرد.

(٢٦) رواه مسلم.

(۲۷) متفق عليه.

(٢٨) رواه مسلم. 

 قصة موسى مع الفتاتين مليئة بالمعاني الراقية. أصفياء الخلق، ودروس في الذوق

رابعة محمد حربي

    ما أكثر ما وردت قصة سيدنا موسى -عليه السلام- في القرآن الكريم، ولا عجب في تكرارها، فهي مليئة بالدروس والعبر والمعاني الراقية، تأملتها في سورة القصص، فوجدت فيها عجبًا، فبينما تسير أحداث القصة متسلسلة، بداية من إلقائه -عليه السلام- في اليم، ثم نشأته في قصر فرعون حتى بلغ أشده، ثم هروبه من مصر إلى مدين بعد أن قتل القبطي نصرة لأحد المظلومين.

     يبدأ العجيب بعد دخوله مدين وهو خائف يترقب، ثم حضوره مشهد الرعاة وهم يسقون، غير مبالين بوقوف فتاتين عفيفتين قد آثرتا الابتعاد والتريث حتى ينتهي الرجال من السقيا، ترى ما الحكمة من التطرق إلى هذا المشهد في القصة؟، ألم يكن من الممكن أن تمر الأحداث دون ذكره، بل تتسلسل الحلقات دون ظهور أي خلل فيها؟

     نعم، ولكن لنعلم أنه ما من كلمة أو آية أو حتى حرف في القرآن إلا وله دلالته وأهدافه: ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (سورة فصلت: ٤٢).

١ـ في البداية دعونا نوجه سؤالًا إلى رجالنا وشبابنا، فهم المعنيون بالدرس الأول: إذا كنت مكان موسى -عليه السلام- ورأيت الفتاتين هل كنت سائلًا: ما خطبكما؟ أظن أنه لو انطبقت السماء على الأرض ما كنت فاعلًا، والسبب معروف: الحياء وغض البصر، والترفع عن محادثة النساء، و...، وهل أنت أفضل أو أطهر من كليم الله -عليه السلام-؟

     لقد تصرف موسى بكل إيجابية وذوق، حين ذهب وسألهما عن أمرهما؛ لأنه رأى مشهدًا أنكرته نفسه، فقد تخلى الرجال عن شهامتهم ورجولتهم تاركين البنتين تذودان، وحين تبين له أنهما محتاجتان للمساعدة بالفعل، لم يتوان في ذلك، رغم أنه قادم من سفر بعيد، منهك القوى، واليوم حار.

    سقى لهما ليكون له السبق عن جدارة في إرساء «قاعدة النساء أولًا» التي يتشدق بها الغرب، ويعدون أنفسهم أربابها، سقى لهما ثم لم ينتظر منهما أن تحمدا شهامته أو تثنيا على قوته ورجولته، وإن فعلتا لكان مستحقًا لذلك، ولكنه فعل الكرام أصحاب الذوق الرفيع.

٢ـ ونأتي إلى موقف الفتاتين، فقد سألهما رجل «غريب»: ما خطبكما؟ فلم يكن ذلك مدعاة أبدًا لخشونة الرد أو استنكار التدخل، بل قالتا بكل ذوق وإيجاز: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ  وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (سورة القصص: ٢٣)، هكذا دون تطويل ممل أو اختصار مخل، ثم بعد ذلك تأتي إحداهما ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ (القصص) لدعوته إلى مقابلة أبيها لكي يشكره.

    يقول سيد قطب -يرحمه الله- في قولها: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾ (سورة القصص: ٢٥)، «فمن الحياء الإبانة والدقة، لا التلجلج والتعثر والربكة، ولكنها لثقتها بطهارتها واستقامتها لا تضطرب الاضطراب الذي يُطمع ويغري، إنما تتحدث بوضوح، بالقدر المطلوب ولا تزيد».

    فما بالنا إذا اتصلت إحدانا بصديقة لها ورد عليها الزوج، إذا بها تتهته وتتلعثم، وربما تنسى اسم صديقتها، أو اسمها هي.

نبي الله شعيب ﷺ عمل على ترسيخ العرفان بين الناس.

عباس السيسي: الذوق هو الأخلاق حين تتألق في إنسان.

٣ـ أما الدرس الثالث: فنتعلمه جميعًا رجالًا ونساءً من الأب -والد الفتاتين- ما الذي يدفع ذلك الشيخ الكبير إلى أن يرسل إحدى ابنتيه إلى رجل غريب، ليس فقط لتشكره باللسان، ولكن لتدعوه إلى لقاء أبيها كي يجزل له الشكر؟،

قد يرى بعضنا هذا مبالغة، فقد كان لهذا المسن كل العذر في أن يكتفي بالدعاء لموسى -عليه السلام- بظهر الغيب، ولكن يبدو أنه خشي أن يضيع العرفان بين الناس، فكان منه ذلك التصرف الذي هو غاية في الرقي واللياقة والذوق، وإن كان في موازين عصرنا المنتكسة: تكلفًا لا داعي له، لذا ضاع العرفان، وقل صانعو المعروف.

    والدروس لم تنته بعد، ومشاهد القصة مليئة وثرية، ولكن لنكتف بهذا القدر حتى لا ينسي بعضه بعضًا، فيا لها من ذوقيات لا بد أن نتعلمها ونطبقها على أنها دين لا مجرد كماليات، من شاء اقتناها، ومن لم يشأ تركها.

    ورحم الله الأستاذ عباس السيسي حين قال: «الذوق هو الأخلاق حين تتألق في إنسان، وتتجلى في أحاديثه وتعاملاته، فالذوق: هو الإنسان في أبهى صورة، وأرقى حضارة، وصدق الله حين عظم شأن رسوله ﷺ بالثناء على أخلاقه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (سورة القلم: ٤).

     وتثمينًا لقول أستاذنا السيسي نذكر بموقف الرسول ﷺ حين سئل عن أحب الناس إليه فقال: عائشة، هكذا بكل صراحة وسهولة، ولم يقل: «الجماعة»، «الأهل»، «الناس»، «العيال»، وغيرها من الألقاب والكنى المضحكة التي اعتاد الأزواج أن يطلقوها على زوجاتهم.

     فما أسعدك يا أمنا عائشة بتلك الكلمة، وما أحرانا أن نتعلم الذوق والأدب الرفيع من أنبياء الله، صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين.

  قيمة المرء ما يطلبه

أحمد غازي

   يقول الأديب الإسلامي مصطفى صادق الرافعي: «إن لم تزد شيئًا على الحياة كنت أنت زائدًا على الحياة»، فالحياة للأنجح الذي يترك بصمة خير في حياته، يفيد منها ويستفيد، ويمضي وتذكره الناس في مجالسها، أو المجتمع بنتاجه، أو البيئة بإتقانه، أو الطبيعة حينما يرسي شعارًا أو مبدأ أو يحث الناس على فعل الخير.

     والإسلام ربى أتباعه على أن يكونوا أصحاب همم عالية، وعلى قدر تفاوت الهمم والإرادات تتفاوت مقامات الخلق في الدنيا والآخرة.

      فأعلاهم همة أبلغهم لما يريد وأكثرهم تحقيقًا لما يطلب، ولشيخ الإسلام ابن تيمية حكمة عظيمة يقول فيها: «العامة تقول: قيمة المرء ما يحسنه، والخاصة تقول: قيمة المرء ما يطلبه».

     إن المسلم متميز في كل شيء في أخلاقه، وآدابه، وعلاقته بالآخر، ورسالته في الحياة؛ لأنه وضع نصب عينيه حديث المصطفى ﷺ: «كونوا كالشامة بين الناس يشار إليكم بالبنان».

مزرعة الآخرة:

      فالمسلم ينبغي أن يكون من صفوة الناس وخيارهم، وإن هذا ليس شعارًا فحسب فلا بد أن يترجم على أرض الواقع فكرًا وعلمًا وثقافة وإبداعًا وتعاونً لما فيه خير المجتمع والوطن، فالدنيا كما هو معلوم مزرعة الآخرة، وكلنا مسؤولون عن أداء رسالتنا في الحياة كي نلقى الله وهو عنا راض، فالطالب في مدرسته أو جامعته أو معهده، والمعلم في علمه وتربيته، وهكذا كي ينير كل منا الزاوية التي هو فيها.

      والإنسان المسلم له دور ريادي أُنيط به، منذ أنزل ربنا -عز وجل- على قلب حبيبنا محمد ﷺ أول آية ﴿اقْرَأْ﴾ (سورة العلق: 1) فنحن أمة القراءة والكتابة وأمة العلم والتعلم، قدوتنا معلم الناس الخير، فلا بد أن نسير على دربه ونقتفي أثره، ونحقق معاني الشهود الحضاري لبني البشر جميعًا.

مسؤوليات جسام:

     وعلى عاتق المؤمن تقع مسؤوليات جسام، ومهام ثقيلة، ولئن استشعر مفهوم عمارة الأرض والاستخلاف فيها، حقق في حياته قول الباري: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ (سورة المجادلة:١١).

     ونحن نعيش في عالم التغيرات والمتغيرات، فلا بد أن نواكب تطورات العصر ومستجداته، ونتقن استخدام أدواته، كي لا نعيش في عزلة عما يدور حولنا، ولأني أؤمن أن من حاور الناس وعايشهم شاركهم في أفكارهم، فلا بد أن نظهر النموذج الفريد لقيم الإسلام ومبادئه.

مشاركة إيجابية:

     من خلال مشاركتك في منتدى طلابي -مثلًا- تعبر بجرأة عن مبادئك وأفكارك، وتطرح تساؤلات، وترد بإجابات بينة، كل ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، أو من خلال المشاركة في انتخابات تؤيد فيها من ترى فيه الخير، ويعمل جاهدًا من أجل رفعة العلم وأهله، وشعارك في ذلك: «نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه»، فهناك قواسم مشتركة نلتقي عليها ونعمل على توسيع رفعتها، وهناك سلبيات نعمل جاهدين على تقليصها، ولا مناص لنا إلا أن نتوحد ونرص الصفوف؟

     واقتضت حكمة الله أن يختلف البشر في طبائعهم ونفوسهم، فهم ليسوا على مستوى واحد، والنفوس جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف كما أخبر المعصوم ﷺ، ولذلك نعمل جاهدين لتقريب وجهات النظر، دون إفراط أو تفريط ودون ذوبان للشخصية.

     وإن العزلة والانزواء، وترك الساحات، والبعد عن الناس ومصالحها وآرائها وتطلعاته- لا يأتي بخير، فقد علمنا الإسلام أن نكون دومًا جزءًا من الحل، لا جزءًا من المشكلة.

     فالرسول ﷺ ربى أتباعه أن يكونوا أصحاب رسالة في الحياة يؤدونها على الوجه الأكمل، فهم أصحاب همم كبيرة، تغير التاريخ، بل هي التي تسطره وتكتبه، وإن هذه الأمة إن أرادت أن تستعيد هيبتها وكرامتها، وأن تعيد مجدها وعزتها فلا بد لها من أن تعلي همتها، وتحيي عزيمتها، وأن الله إذا رأى رجلًا ذا همة، هيأ له ظروف النجاح.

     فالمسلم الرباني يرى بوارق الأمل عندما تشتد المحن والفتن، ويلمح بصيص النور عند الظلام الدامس ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (سورة الشرح: 5-6).

الرابط المختصر :