العنوان الحرية والاستبداد.. دراسة في الشورى (178)
الكاتب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق
تاريخ النشر الثلاثاء 04-ديسمبر-1973
مشاهدات 98
نشر في العدد 178
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 04-ديسمبر-1973
الحرية والاستبداد
دراسة في الشورى
للأستاذ: عبد الرحمن عبد الخالق
«4» قضايا الشورى في الإسلام
الحرية لا تكون إلا في -مناخ الشورى- فمجتمع الشورى هو مجتمع الحرية، فالشورى حرية تفكير وتعبير معًا؛ إذ لا معنى للتفكير بلا حرية تعبير.
إن حركة الذهن أو نشاط العقل يظل حبيسًا.. ما لم يبرز إلى الخارج.. ويتصل بالناس.
ومجتمع الحرية هو مجتمع الإسلام.. لأن الإسلام يموت أو يذبل في مجتمعات الكبت والتسلط والقهر.
أما الاستبداد فلا يكون إلا في جحور مصادرة الحريات وقمع الرأي المخالف.. أو الضيق به..
والأمة الإسلامية -وقد طال ليلها في ظلام الاستبداد والطغيان- فلن تتقدم خطوة واحدة، ولن تقوم لها نهضة إلا... بالحرية..
قضية الدين.. وقضية الإنسان هي الحرية.
والأستاذ الفاضل عبد الرحمن عبد الخالق من علماء الإسلام الذين يعيشون إسلامهم ويعيشون مشكلات أمتهم، يكتب هذه الدراسة الموضوعية -للمجتمع- عن الحرية والاستبداد.
وهو إذ يصدر الرأي الفقهي.. يقرن ذلك بإدراك مستنير للواقع المعاصر.. وحاجات الأمة.. وأقضية الناس.
التخطيط للحرب والسلم.. أول مجالات الشورى في الإسلام وبحث أولويات التطبيق في الشريعة الإسلامية.. ثاني هذه المجالات
ملخص ما نشر في الشورى
في مقالات الشورى السابقة جاء القول بأن الشورى في حقيقتها استطلاع الرأي من أهل الخبرة للوصول إلى أقرب الأمور للحق، وأن الحق في أمور الشورى لا يقطع به؛ لأن المقطوع بأنه حق لا يدخل في مجالات الشورى -وسيأتي إن شاء الله تفصيل لهذه الجملة الأخيرة- وعرفنا أيضًا أن أسعد الناس حظًّا في الوصول إلى الحق هم الذين يتجردون لله سبحانه وتعالى، ويتخلصون من هوى أنفسهم، ومضى كذلك القول بأن الشورى مبدأ واجب التطبيق، وقاعدة من قواعد الحكم في الإسلام، وأنه مع ذلك مرن في التطبيق واتخاذ الشكل المناسب في كل عصر من عصور الإسلام.
والآن أخي القارئ نحن مع المجالات التي سيعمل أهل الشورى فيها، وهذا للإجابة على هذا السؤال: ما العمل الذي سيزاوله أهل الشورى عندما يجتمعون؟ وفي أي القضايا سيبحثون ويناقشون؟
وللإجابة على هذا السؤال أحب أن أذكر بأن هناك فروقًا أساسية بين نظام الشورى في الإسلام وأي نظام آخر، وسيأتي لهذه الفروق مقال مستقل إن شاء الله تعالى.
قضايا الشورى في الإسلام:
ونستطيع أن نرد هذه القضايا إلى ستة أبواب رئيسية هي:
أولًا: سياسة الأمة في الحرب والسلم:
الأمة الإسلامية تحمل عقيدة نشطة تلزم أتباعها بالحفاظ عليها أولًا، ثم الدعوة إليها، وذلك أنها تحمل كلمة الله وتطبق نظامه وشريعته، ومن أجل ذلك فالأمة تعمل -أو هكذا فرض عليها- لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وبذلك ينقسم الناس مع هذه الأمة إلى مؤمن موال مؤيد، وكافر معاند محارب، أو مستأمن مسالم، أو معاهد له شروطه ومدته، والأمة في حركتها النشطة بدعوتها، وقيامها بنشر رسالة الإسلام التي تؤمن أنها رساله الله، وانقسام الناس معها على هذا النحو، فإنها تخوض حروبًا، وتبرم عهودًا، وتجنح للسلم أحيانًا، وفي كل هذه الأحوال يحتاج الأمر منها إلى دراسة وافية لقوتها وقوة أعدائها، والشروط التي ينبغي أن توقع العهود بها، ومتى تجنح للسلم ومتى تنشط في الحرب، وهذا كله لا يحتمله عمل واحد، ولا يحوطه رأي واحد، ولا يستطيع رجل واحد مهما بلغ علمًا وتقوى أن يصدر فيه عن الحق دائمًا، ولذلك كان أول مجالات الشورى في العالم الإسلامي هو تنظيم وتخطيط سياسة الأمة في الحرب والسلم، ولأهمية هذا الباب من أبواب الشورى حصر كثير من علماء السلف الشورى فيه فقالوا قوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ ﴾ (آل عمران: 159): هو في الحروب وما جرى مجراها؛ وذلك أنهم رأوا الرسول صلى الله عليه وسلم يكثر من استشارة أصحابه في هذا المجال، كما استشارهم في بدر وأحد وفي فداء الأسرى، وفي مصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة... إلخ.
وأحب في هذا الصدد أن أبين -للإخوة الكرام- أن هناك فرقًا يجب مراعاته دائمًا بين النص من الكتاب أو السنة، والعمل بهذا النص؛ فالنص لا يتغير مدلوله وحكمه في أي عصر من عصور الإسلام، ولا في أي مكان من الأرض، ولكن ظروف العمل بالنص تختلف حسب المكان والزمان والملابسات، وأرجو أن ننتبه جيدًا إلى هذا حتى لا يفهم كلامي على غير وجهه، ولا يئول إلى ما لا أريد وأقصد.
ففي القتال مثلًا آيات كثيرة بعضها يأمر بقتال من يقاتلنا فقط كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ (البقرة: 190)، وأخرى تأمر بقتال المشركين كافة كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (التوبة: 36).
وهناك آيات تأمر بالسلم إذا جنح إليه العدو كقوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (الأنفال: 61)، وأخرى تأمر بالقتال وعدم الدعوة إلى السلم: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ (محمد: 35). وليس هناك اختلاف بين هذه الآيات، فلكل آية ظروفها وملابساتها، وإذا كان هناك نسخ في بعضها قرره العلماء فإنما كان ذلك بحسب المدى الذي وصلت إليه أمة الإسلام، فالمسلمون قبل بدر سمح لهم بالقتال وكان حرامًا عليهم، وسمح لهم بقتال من قاتلهم فقط، والانتصار ممن ظلمهم فقط وأخرجهم من ديارهم، ثم لما تألبت العرب عليهم ورمتهم عن قوس واحدة في الخندق، وأصبح بعد النصر في هذه الغزوة للمسلمين طاقة بقتال الناس والكفار جميعًا أمرهم بذلك. ولا يعني هذا عند من يفهم شيئًا من دين الله عز وجل أن المسلمين في حال ضعفهم مفروض عليهم أن يعلنوا الحرب على الناس جميعًا من أول وهلة، ولكن السياسة الشرعية تقتضيهم أن يعملوا بكل نص حسب ظروفه ومقتضياته وأحواله دون إلغاء لما سواه من النصوص؛ ألا ترى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد عطل العمل بسهم المؤلفة قلوبهم، وقال: لقد كان هذا وفي المسلمين ضعف، أما الآن فلا. ولكنه لم يلغ النص ولم يعارضه، وإنما ترك العمل به فقط في الظرف الذي أداه اجتهاده إلى أنه لا لزوم للعمل به فيه، وأنه عطل حد السرقة في عام الرمادة، ولا يسمى هذا منه إبطالًا أو نسخًا. وملابسات الأمة الإسلامية وظروفها في كل عصر من العصور تلزمها اجتهادًا تضع به کل نص من النصوص في مكانه وملابساته الصحيحة، ولا يمكن أن يصدر بهذا رأي رجل واحد، وعلم عالم واحد، واجتهاد حاكم واحد، ولا بد أن يجتمع لذلك ويقرر ذلك مجموع علماء الأمة ومجتهدوها، ولا مكان ولا مجال له إلا بالشورى.
وأزيد هذا الأمر وضوحًا -وهو واضح بحمد الله- فأقول: لا يزعم زاعم منا أنه يقوم بكل أوامر الإسلام التي أمره الله بها، وإنما يفعل -إن رزقه الله التقوى- في حدود الاستطاعة التي جعلها الله مناطًا للتكليف؛ حيث قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: 16)، وقال أيضًا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 286)، فالمؤمن التقي يفعل في حدود استطاعته، ومعنى ذلك أنه يجد ويجتهد ويبذل الوسع والجهد المستطاع، ومع ذلك لا يزعم لنفسه أنه قائم بكل ما كلفه الله به من عمل واجب؛ كحضور جماعة الصلاة دائمًا، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله..
وكذلك الشأن بالنسبة للأمة، فإن الواجب على الأمة بمجموعها من الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى دين الله، هو بحسب إمكانياتها وجهدها ووسعها. وإذا كان الفرد المسلم يستطيع أن يصل بمفرده إلى حدود وسعه وطاقته وما يجب عليه نحو أوامر الله عز وجل، فإن الفرد الواحد ولو كان مجتهدًا لا يستطيع وحده أن يقرر مدى طاقة الأمة وما ينبغي عليها أن تقوم به نحو تنفيذ أوامر الله عز وجل لها بقتال الكفار والدعوة إلى دينه، ولا يستطيع أيضًا أن يصل إلى الكيفيات والأحوال التي تشن فيها الحرب أو يركن فيها إلى السلم، ولذلك كان لا بد من الشورى في هذا الميدان؛ أعني ميدان سياسة الأمة في الحرب والسلم والمعاهدات والدعوة، وستكون الشورى لاختيار حكم الله المناسب للظرف والحالة والمكان والزمان، ولن يعني هذا مطلقًا تعطيل أحكام أخرى في هذا المقام. وهذا سر قول الرسول صلى الله عليه وسلم لقواده في الغزو: «وإن أنت استنزلت أهل حصن فطلبوا منك أن تنزلهم على حكم الله وحكم رسوله فلا تفعل؛ لأنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا». وقد مضى شرح لهذا النص في المقال الأول من مقالات الشورى.
وخلاصة هذا الأمر أن الميدان الأول من ميادين الشورى هو سياسة الأمة الإسلامية مع غيرها من الأمم قتالًا، أو سلامًا، أو عهدًا، أو صلحًا، ولا يقرر هذا الحاكم المسلم بمفرده، بل بمجموع آراء الأمة وفكرها، وهذه هي الشورى. وتبادل الرأي في هذا الصدد هو لاختيار حكم الله المناسب للظرف والحالة بحسب قوة الأمة وحالة عدوها..
ثانيًا: أولويات التطبيق للأحكام الشرعية:
المشكلة الأولى التي ستقابل أي حكم إسلامي بمفهوم الكلمة الشرعي -لا بمعنى الكلمة العرفي الكاذب- هي أولويات التطبيق للأحكام الشرعية، فالأمة الإسلامية بعد ضياع الخلافة منها، وقيام الدول في أرضها على أسس وطنية أرضية، لا على أساس عقائدي إيماني، وإزاحة التشريع الإسلامي الواحد من منصة الحكم ومزاحمة القوانين الأخرى للتشريع الإسلامي، نشأت فيها بذلك أوضاع بعيدة كل البعد عن تشريع الإسلام وروحه، فقانون العقوبات الإسلامي بوجه عام مبعد مقصى، وكذلك قوانين السياسة الخارجية، وطائفة كبيرة من الأحكام الاقتصادية والاجتماعية بعيدة عن تشريع الإسلام، ولذلك فستكون المشكلة الأولى -كما قلت آنفًا- من أين يبدأ الحكم الإسلامي تطبيق الشريعة الإسلامية؟ أمن السياسة الخارجية أم من إقرار قانون العقوبات، فيقتل القاتل، ويقطع يد السارق، ويرجم الزاني؟
أم بتعديل النظام الاقتصادي فيحرره من الربا والامتيازات المحرمة، أم بتطهير المجتمع من الرذائل والفسق فيمنع الخمر، ويغلق أماكن الفساد واللهو المحرم، ويأمر النساء بالستر والتعفف؟ وهل يبدأ بهذا كله دفعة واحدة وفي يوم واحد؟ أم يتدرج في الإصلاح والبناء؟ وإذا كان سيتدرج فما هو الأهم من ذلك ليقدمه على المهم؟
وهنا يأتي دور الأولويات في تطبيق الشريعة، وهذه الأولويات سيختلف النظر فيها كثيرًا؛ إذ بينما يرى أناس أن النظام الاقتصادي يأتي في المقدمة، سيرى آخرون أن تطهير المجتمع أولى من ذلك، وسيدافع آخرون عن رأيهم بأن السياسة الخارجية هي أهم المهمات، وسينادي آخرون بتطبيق قانون العقوبات أولًا وقبل كل شيء، ولا شك أن مجلسًا للشورى يجتمع فيه أولو العلم والفضل من المسلمين سيقرر بعد نظر ونقاش الخطة التي يراها أمثل لتطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقًا كاملًا، وهذا هو المجال الثاني من مجالات الشورى أنه بحث الأولويات في تطبيق شريعة الإسلام، وذلك حسب ملابسات الوقت وأحوال الناس واستعداداتهم، والقوة المهيأة لحكومة إسلامية تريد تطبيق الإسلام وسط هذا الطوفان الهائل من أفكار الجاهلية ومعتقداتها، ووسط طوفان آخر من الفسق والرذائل عم وجه الأرض كلها بالفساد والانحلال، ولن تكون هذه مهمة يسيرة أبدًا، بل إنها مهمة شاقة للغاية؛ لأنها تقتضي علمًا واسعًا وحكمة عظيمة، ولا يفهم هذا إلا من عرف منهج التشريع الرباني وتدرجه حسب استعداد النفوس وقبولها، وعرف أيضًا منهج الإسلام في تربية الجماعة المسلمة والأمة المسلمة، وأما من أوتوا نصيبًا قليلًا من العلم فإنهم يظنون أن حاكمًا مسلمًا يستطيع أن يطبق الشريعة الإسلامية في الأمة بين عشية وضحاها، وهذا سذاجة وجهل، وإذا كان الأمر بهذه الأهمية والخطورة، فلا يمكن أن يكون لرأي واحد وحكم واحد وصول إلى الحق في هذا الأمر الخطير، ولذلك كانت الشورى في هذا الصدد من أهم الأمور.
وأعيد القول هنا أيضًا بأن الشورى في أوليات تطبيق الحكم الشرعي لا تعني مطلقًا أن الحكم الذي تأخر في التطبيق قد کفر به وجحد، وإنما تعني أن وسع الأمة وطاقتها لم تحتمله بعد، وهكذا تتدرج الأمة في مراقي العمل بالشريعة كما يتدرج الفرد فيتكلف من الأعمال ما يطيق شيئًا فشيئًا حتى يبلغ الكمال الذي قدره الله له، وهكذا تتدرج الأمة في تطبيق الأحكام حسب استطاعتها حتى تبلغ الكمال المقدر لها، ولا يستطيع تقدير هذه الاستطاعة إلا أهل الرأي والخبرة والمشورة من المسلمين.
وبعد -يا أخي القارئ- هذان بابان عظيمان من أبواب المجال الذي سيعمل فيه أهل الشورى، وما زال أمامنا أربعة أبواب أخرى لا تقل أهمية عن هذين البابين، فإلى مقال آخر إن شاء الله تعالى.
لبنان
شهادة من أهلها..
«بين السلاح والمقاتل وحدة جدلية قائمة أيضًا، لكن السلاح من دون الروح التي تحرك اليد لا يقاتل كما شهدت بذلك حرب حزيران».
العرب هرولوا إلى القتال كأنهم على أبواب الجنة بعدما عم العالم أنهم ليسوا أرباب قتال، لكن الجرح العميق كان حافزًا لإثبات الصفات والمزايا القومية والتراثية التي ينتسب إليها الإنسان العربي على أنها انعكاس القومية على ذاتها، في محاولة لتذكر الماضي والمناقب الأصيلة في طبيعة الشعب.
وهذا الارتداد إلى مصادر القومية العربية ومنابعها كان له شأنه في تجلي الشجاعة والصمود العربيين.
ومن الغباوة أن نتجاهل أثر الحافز الديني كنتيجة حتمية لارتداد النفس العربية إلى ذاتها بعد انهزام حزیران 1967، فالإسلام بما فيه من مقومات جهاد واستشهاد كان محركًا رئيسيًّا في تجاوز العقد والحدود والعقبات النفسية والتراث الإسلامي يلعب دورًا في تكوين الجماعة، فنبي الإسلام هو ذاته نبي العروبة، والمعتقد الإسلامي ما زال يؤثر بصفته شرعة الدنيا والآخرة.
لمعلومية القارئ هذا الكلام قاله كمال جنبلاط الزعيم اليساري المعروف في بيان حزبي شهير، وإذ يرد هذا الحديث على لسانه فإنما هي شهادة قوية على الانقلاب الذي حدث ويحدث في العقلية العربية من خلال تجاربها المصيرية.
وهي في نفس الوقت شهادة على خيبة الأمل في الشعارات التي ظلت الجماهير تلهث وراءها، حتى إذا انتهت لم تجدها شيئًا ووجدت الحقيقة العارية عندها.
هل كان حتمًا أن يدفع الناس دماءهم وأرضهم وكرامتهم ثمنًا لهذه الحقيقة.. حتى يصلوا إليها؟
لقد ردد المسلمون هذا الحديث منذ زمن طويل.. فلا يجدوا من هؤلاء أذنًا صاغية... بل سيق الناصحون إلى المشانق وغرف التعذيب... فهل كان حتمًا أن نخسر أربع حروب لندرك هذه الحقيقة؟
مهما يكن فإن الانقلاب سيحدث، تلك طبيعة الأشياء وسنة الحياة وفطرتها..
فالذين أضناهم السهر والرقص والشراب ليلة الخامس من حزيران في الحفلات الشهيرة، وأصبحوا عاجزين عن مواجهة العدوان المفاجئ في الصباح، واستسلموا للمذلة التاريخية.. قد هبوا صائمين في رمضان يهتفون: الله أكبر، واجتاحوا قلاع بارليف..
والذين توكلوا على الاشتراكية العلمية والصديق السوفيتي العظيم في حرب حزيران عادوا يرفعون شعار الإيمان هذه المرة..
والذين تذرعوا بفرية «الحلف الإسلامي» ليمنعوا صحوة العملاق الإسلامي الرابض بين طنجة وجاكرتا.. أصبحوا يعتنقون الوحدة الإسلامية كحقيقة وواقع.
أحيانًا تنتهي الحيل جميعًا، وتستهلك الكلمات، وتحترق الأباطيل، فلا يبقى غير الحق.. فلا يجد المدعي غير الحق فيرفعه.. ويعترف به طوعًا.. أو كرهًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل