; الحرب «على هامش» الانتخابات النيابية | مجلة المجتمع

العنوان الحرب «على هامش» الانتخابات النيابية

الكاتب أحمد الأديب

تاريخ النشر الثلاثاء 28-ديسمبر-1999

مشاهدات 77

نشر في العدد 1382

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 28-ديسمبر-1999

منذ بدأت الحملة العسكرية الروسية الجديدة ضد المسلمين في الشيشان وحتى الآن لم نرصد شيئًا قدر الأخبار الكاذبة من جانب المصادر الروسية، وقد يرد على هذه الأكاذيب مصدر شيشاني، أو غربي.. ولكن النسبة العظمى من الردود تأتي من المصادر الروسية نفسها.

آخر الأمثلة على ذلك مجرى المعارك حول مطار جروزني، فقد أعلنت القيادة العسكرية الروسية صباح الثلاثاء ۲۱/ ١٢ /١٩٩٩م أنها بسطت سيطرتها الكاملة على المطار بعد معارك عنيفة مع المقاتلين الشيشان.. ولكن القيادة نفسها سبق وأعلنت عن سيطرتها على المطار نفسه قبل أكثر من عشرة أيام، ولم تتضمن بياناتها العسكرية اليومية التالية شيئًا عن اضطرارها إلى الانسحاب منه أمام هجوم شيشاني مضاد.

والواقع أن منطقة جروزني محظورة على أي أجنبي، سواء كان مراسلًا صحفيًا، أو عاملًا في منظمة إنسانية، أو سياسيًا من منظمة دولية.. وبالتالي لم يعد سهلًا توثيق الأنباء، وهي روسية المصدر في الدرجة الأولى، أو نقلًا عن محطة الإذاعة والتليفزيون الشيشانية من جروزني في الدرجة الثانية، فضلًا عن بعض ما يتسرب من صور ومشاهد ينقلها بعض المراسلين عن شهود عيان من المشردين عن المدينة المنكوبة، لا غرابة إذن أن يكون التعتيم الإعلامي شديدًا بصدد ما يدور في جروزني نفسها، ما بين أقوال موسكو التي تنفي عمومًا أن تكون قد بدأت اقتحام المدينة وأخفقت، وبين المصادر الشيشانية التي تؤكد إخفاق المحاولة الروسية السابعة على التوالي وسط خسائر بشرية ومادية كبيرة، ثم ما بين مزاعم موسكو- وهي متكررة منذ أسابيع- بصدد إحكام الحصار حول جروزني، وبين تأكيد المقاتلين أنهم ما يزالون قادرين على التحرك في الشيشان حيث يشاؤون بما في ذلك الدخول إلى العاصمة والخروج منها. 

على أي حال يبقى التعتيم الإعلامي محيطًا بحقيقة ما يجري حول جروزني، ولكن لا يمكن بالمقابل كتمان مجرى التطورات العسكرية في جنوب الشيشان مثلًا، فالمنطقة مفتوحة نسبيًا وعلى جورجيا المجاورة، وهنا يظهر من متابعة وقائع المعركة الإعلامية أن الأجدى والأولى الاعتماد على المصادر الشيشانية في نقل الأنباء، ولم لا.. وقد أنكر الروس لعدة أيام ما ذكره الشيشانيون عن مقتل فوج كامل من المظليين الروس أثناء محاولتهم السيطرة على طرق رئيسة بين جورجيا والشيشان.. ثم اضطرت موسكو في النهاية إلى الإقرار بصحة الخبر بعد أن تواتر ذكره من مصادر متعددة! 

هذه الأمثلة على ما بات معروفًا، وهو أن المعركة التي نزل فيها الجيش الروسي بأقصى ما يستطيع من قوة وعتاد وهمجية، لا تجري كما تهوى موسكو.. ولا كما تصوره المصادر العسكرية والسياسية فيها، وصحيح أنها من حيث العدد والعدة معركة عسكرية غير متكافئة على الإطلاق ولكن النتيجة المؤلمة الرئيسة لعدم التكافؤ لا تظهر في الجانب العسكري بل في الجانب الإنساني... أو بتعبير مقابل في الوجه الهمجي للغزوة الروسية الراهنة، فعدم تكافؤ الجبهتين يسبب ارتفاعًا في عدد الضحايا من القتلى والمصابين والمشردين من المسلمين المدنيين.. أما النتائج العسكرية فلم يعد مستبعدًا في نظر كثير من المراقبين أن تسفر عن نتائج شبيهة بما أسفرت عنه الحرب الأولى في الشيشان بين ١٩٩٤م و ١٩٩٦م، والتي اضطر يلتسين في نهايتها على توقيع اتفاق «وعد» فيه بأن يتقرر أمر مستقبل الشيشان بما يشمل احتمال الاستقلال- بعد خمس سنوات من تاريخه! 

المصادر الروسية نفسها تتخوف الآن من أن تنتهي الحرب بهزيمة عسكرية وسياسية جديدة ويسري هذا على الصحف الروسية التي تشكك بصورة مباشرة في أقوال القيادات العسكرية عن مجرى المعارك.

ومن الأرجح بعد أن انتهت الانتخابات البرلمانية أن تبدأ المعركة العلنية في موسكو حول المسؤولية عن ارتفاع عدد الخسائر في صفوف العسكريين الروس، وعن أسباب العجز المستمر عن السيطرة على الشيشان رغم عدم تكافؤ جبهتي القتال، ثم عن أسباب إخفاق الجنود الروس مرات عديدة في اقتحام وسط مدينة جروزني ومقتل المئات منهم أثناء تلك المحاولات.. بل بدأت أصوات شيوعية ترتفع بالتساؤل الصريح عن استحالة القبول بتبرير حرب واسعة النطاق على هذا النحو، بأنها لمجرد القضاء على «عصابات إرهابية» فحسب. 

وقد بدأت أولى التحليلات لنتائج الانتخابات تميل إلى القول إن الحرب حققت لرئيس الوزراء فلاديمير بوتين وبالتالي ليلتسين نفسه ما أراده من الحرب، لكن هذا التفسير للنتائج فيه شيء من التسرع، إذ يعتمد هذا التحليل على أن حزب «الوحدة» الذي أسسه الكريملين ليدعم رئيس الوزراء بوتين، والواقع أن هذا الحزب لم ينطلق من الصفر وإن تشكل حديثًا، والمفروض مقارنة حجم تأييده في الانتخابات بحجم أصوات التأييد التي سبق أن نالها يلتسين وأنصاره في الانتخابات النيابية ثم الرئاسية في الجولات السابقة.. فأنصار الحزب الجديد وناخبوه هم أنفسهم الأنصار والناخبون آنذاك، وتبدو نسبتهم وقد انخفضت في الجولة النيابية الجديدة الآن ولم ترتفع وهذا دليل على فشل خطة يلتسين- بوتين.

وقد حصل حزب «الوحدة» هذا على مركز منافس للشيوعيين داخل المجلس الجديد وبقيت كفة الشيوعيين الراجحة، ويضاف إلى ذلك غلبة الاتجاه الشيوعي في نطاق حزب «الوطن- كل روسيا» بزعامة لوشكوف وبريماكوف، والذي حصل على زهاء ١٠٪ من الأصوات، ويبقى السؤال مطروحًا بصدد التوجهات المنتظرة من جانب المستقلين من خارج الأحزاب الستة في مجلس «الدوما» الجديد فقد حصلوا معًا على ١٨٪ من الأصوات تقريبًا.

وعلاوة على التراجع الكبير للأحزاب التي شاع وصفها من جانب الغربيين بالديمقراطية والإصلاحية، وهي الأقرب إلى المناهج الغربية السياسية والاقتصادية، يبقى أن ما حصل عليه الحزب الأقرب إلى يلتسين دون النسبة التي حصل عليها هو نفسه في الجولة الأولى لانتخابات الرئاسة قبل زهاء خمسة أعوام.. ولا يستهان هنا بعامل آخر هو عامل الخوف من عودة «الشيوعية» وبالتالي تأييد الطرف الآخر رغم مساوئه، فالناخب الروسي لا يجد في الوقت الحاضر «البديل» سوى «الشيوعيين» الذين سبق أن جربهم بضعة وسبعين عامًا.. ولا ينبغي إذن التهويل من شأن ما يوصف بارتفاع شعبية بوتين خلال بضعة شهور وبسبب موقفه المتشدد في الحرب الروسية في الشيشان في الدرجة الأولى، وعلى افتراض صحة ذلك يبقى ثابتًا أن صعود أسهم هذه الشعبية بسرعة كبيرة نسبيًا، يمكن أن يتبعه هبوطها بسرعة مماثلة، وقبل أن تنقضي الشهور الخمسة الباقية على موعد انتخابات الرئاسة القادمة. 

لقد كانت الحرب في الشيشان.. وكانت دماء الضحايا، وأمطار القذائف، والدمار الشامل، وتشريد مئات الألوف.. العوامل الرئيسة الحاسمة في مجرى انتخابات الرئاسة الماضية، وكان إنقاذ يلتسين من السقوط قبل خمسة أعوام، قد اعتمد على الخروج بروسيا من مأزق الحرب الخاسرة آنذاك عن طريق الاتفاق الذي توصل إليه ألكسندر ليبيد- مع أصلان مسخادوف.. أما الآن فلا يبدو أن فلاديمير بوتين المرشح المفضل للرئاسة من جانب يلتسين، سيتمكن من الخروج من المأزق العسكري الجديد لروسيا في الشيشان.. وقد بدأت معالمه بالظهور للعيان.

الرابط المختصر :