; مغامرة صدام الجديدة: شبح الحرب لا يزال قائمًا | مجلة المجتمع

العنوان مغامرة صدام الجديدة: شبح الحرب لا يزال قائمًا

الكاتب المحرر العسكري

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1994

مشاهدات 134

نشر في العدد 1122

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 25-أكتوبر-1994

  • معضلة الجنوب العراقي: قوات كافية للنظام لقمع المعارضة، ولا قوات ثقيلة تهدد الكويت.
  • تواجد القوات في خطوط تماس متقاربة واحتشاد «الهراوة» الجوية الأمريكية – يجعل من أي استفزاز عراقي شرارة تشعل الانفجار.
  • خوف النظام من نشوء اضطرابات داخلية واسعة لدى نشوب القتال دفعه للتراجع وسحب القوات.. إلى حين.

حتى لو انجلت الأزمة الراهنة من غير وقوع الحرب، فإن مجرد اختيار النظام العراقي لمغامرة استفزازية جديدة قد تكلف المنطقة خسائر كبيرة اقتصاديًا وسياسيًا، وهذا يثبت أن اقتلاع هذا النظام هو الضمانة الوحيدة لئلا يستمر العراق بطاقاته وشعبه عبئًا على الأمن والاقتصاد الإقليمي.

لقد كانت «أزمة أكتوبر العراقية» صورة مصغرة من أزمة الاحتلال العراقي للكويت ودليلًا على قدرة النظام الحاكم في بغداد على فرض وجوده المريض على الساحة السياسية في الشرق الأوسط، فكيف تعاملت الأطراف المختلفة معها سياسيًا وعسكريًا؟، وهل يمكن القول إنها انتهت؟

حتى نهاية الأسبوع الماضي كانت أزمة الحشود العراقية لاتزال تراوح في مكانها رغم تراجع احتمالات العمل العسكري إلى حد كبير بقيام النظام العراقي بسحب الجزء الأكبر من قواته عن حدود الكويت، لكن المصادر الغربية ولاسيماً القيادات العسكرية الأمريكية استمرت في إبداء عدم الثقة من زوال التهديد العراقي بشكل كامل.

ولا تزال الأسئلة التي طرحت في بداية الأزمة عن دوافع حاكم العراق من وراء حشد القوات وعن احتمالات توجيه ضربة عسكرية ضده من غير أجوبة، فلا زالت الأزمة مفتوحة لكافة المفاجآت، ومن المفيد هنا معاودة النظر إلى الخطوات العسكرية والسياسية التي اتخذتها الأطراف المختلفة منذ بداية التصعيد.

النظام العراقي

كانت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في العراق بسبب إصرار النظام على رفض القرارات الدولية ذات الصلة بعدوانه على الكويت، واستمرار الحظر التجاري دافعًا لصدام حسين لتغيير عدد من رؤساء الحكومات بدعوى فشل هؤلاء في مواجهة الفوضى التموينية والانهيار في سعر الدينار العراقي، وفي لحظة يأس قرر الطاغية رئاسة مجلس الوزراء العراقي بنفسه، وطفق ينفذ إجراءات قمعية غير مسبوقة أملًا في قمع الاحتجاجات وضبط الشارع العراقي.

 وبالرغم من استخدام النظام لوحشية مطلقة ضد المواطنين وقطعه للآذان والأطراف وعمليات الإعدام الجماعي، فإن الحكومة التي أصبح صدام رئيسها المباشر لم تكن أفضل من الحكومات السابقة التي بقي المقربون منه يمثلون الوجوه الدائمة فيها، وكان النظام قدم وعودًا متكررة بأنه سيفك الحصار الاقتصادي، وأخبر شعبه أن العالم يتعاطف معهم لكن النتيجة كانت الإعلان عن مزيد من الوقت للعقوبات.

ومع مطلع شهر أكتوبر الحالي ظهرت في الصحف العراقية وعبر إعلام النظام إشارات غاضبة من موقف الأمم المتحدة من العقوبات، وأصدر ما يسمى بمجلس قيادة الثورة العراقي بيانًا هدد فيه الكويت صراحة وادعى أن النظام سيتخذ «إجراءات» لإنهاء معاناة الشعب العراقي.

وفي السادس من هذا الشهر أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية أن وسائل الرصد والاستخبارات قدمت معلومات عن حشود عراقية كبيرة باتجاه الكويت، ووصفت القوات التي بلغت ٨٠ ألف جندي بأنها فرقة مدرعة من الحرس الجمهوري وفرقتي مشاة، وأن أفراد وآليات هذه الفرقة انتشرت في الصحراء الممتدة بين مدينة البصرة والحدود الكويتية، وأنها تملك القدرة على التحرك هجوميًا نحو الكويت خلال ساعات قليلة من تلقيها الأوامر بذلك.

وقيل إن الحشد العراقي ضم ٥٠٠ دبابة ومئات أخرى من الآليات والمدرعات، كما لجأ العراق إلى حشد أعداد كبيرة من مواطنيه في مخيمات أقيمت قرب الحدود الكويتية، وادعى أنهم مواطنون غير محددي الجنسية «بدون» وأن الكويت أخرجتهم وأنهم يحاولون العودة إليها.

الكويت

عقد مجلس الوزراء الكويتي اجتماعًا طارئًا صباح الجمعة الموافق ٧ أكتوبر لبحث المعلومات الواردة عن الحشود العراقية، وقرر اتخاذ التدابير المناسبة عسكريًا وأمنيًا وسياسيًا.

فعلى الأرض حرك الجيش الكويتي الوحدات البرية إلى المواقع الحدودية الشمالية، وتمركز اللواء ١٥ المدرع واللواءين السادس والخامس والثلاثين في مواقع دفاعية في مواجهة أي اختراق عراقي، كما وضعت القوة الجوية وسلاح البحرية في حالة استعداد وتم استدعاء دفعات عدة من الاحتياطي.

وأمنيًا استنفرت الكويت جهازها الأمني وأجريت أعمال التفتيش والتحقق ومراقبة الطرق خوفًا من لجوء النظام العراقي لأعمال التخريب والإرهاب.

الولايات المتحدة

أعلنت إدارة الرئيس كلينتون منذ البداية عن اتخاذها إجراءات حاسمة نحو ردع أي تحرك عراقي نحو الكويت، وتحركت حاملة الطائرات جورج واشنطن إلى الخليج مع سفن حربية تحمل ٢٠٠ صاروخ «توماهوك» قادرة على ضرب أهداف حكومية عراقية في بغداد.

واستنفرت القوات الجوية الأمريكية عددًا كبيرًا من الأسراب المقاتلة والهجومية وأرسلت إلى المنطقة ٤٠٠ طائرة من أنواع ف -١٥ المعترضة وف - ١٦ القاذفة المقاتلة، و أ- ١٠ المضادة للدبابات وف - ١١١ الهجومية الضاربة، كما تقرر جلب قاذفات ثقيلة من نوع بي – ٥٢ وقاذفات خفية من نوع ف - ١١٧ «الشبح»، لكن تراجع التهديد مع نهاية الأسبوع الماضي ربما كان يعني عدم إرسال بعض هذه الطائرات.

وحتى مرور ٤ أيام من بداية «الأزمة» لم تكن قد وصلت قوات برية أمريكية للكويت، ولو حدث هجوم عراقي في تلك الفترة لكان عبء التصدي له يقع أساسًا على القوات الكويتية لكن الجانب الأمريكي سيقدم دعمًا هامًا عن طريق القوة الجوية.

وفي أحدث سيناريو رسم للأحداث قال المختصون العسكريون إنه لو هجم العراق في الأيام الأولى فستقوم صواريخ «توماهوك» الأمريكية بضرب عشرات من الأهداف في العاصمة بغداد، كما ستقوم قاذفات ف – ١١١ بضرب المراكز العسكرية القيادية في سائر الأراضي العراقية، وكذلك المطارات والجسور على نهري دجلة والفرات لقطع مواصلات الجيش العراقي.

وستقوم طائرات ف -١٦ و أ - ١٠ بضرب القوات العراقية المهاجمة وبضرب التحشدات الاحتياطية لها داخل العراق وبمشاركة قاذفات ف - ١٨ و أ- ٦ من البحرية الأمريكية.

وهكذا فإن صورة مصغرة من الحرب الجوية التي شهدها العراق قبيل إخراج قواته من الكويت كانت ستتكرر مع ما يلحقه ذلك بالعراق من خسائر كبيرة كاد النظام أن يحققها لجيشه وشعبه لو تورط في العدوان على الكويت.

ومع دخول اليوم الخامس لـ «الأزمة» وصلت طلائع القوات الأمريكية للكويت في هيئة اللواء الأول من الفرقة ٢٤ مشاة الذي نقل أفراده جوًا من ولاية جورجيا الأمريكية إلى الكويت ليقوموا بإخراج دبابات ومدرعات ومعدات ثقيلة مخزنة في معسكر «الدوخة» غربي مدينة الكويت ويبدأ هذا اللواء بالانتشار خارج العاصمة وباتجاه الشمال لتعزيز القوات البرية الكويتية هناك.

وأرسلت معدات ودبابات ومدفعية مخزنة في قاعدة «دييغو غارسيا» الأمريكية في المحيط الهندي إلى الكويت على متن سفن أمريكية لتسليح اللواء الثاني من الفرقة ٢٤ الذي تكامل وصوله بعد مرور أسبوعين على التصعيد.

 واقتربت من السواحل الكويتية حاملة طائرات الهيلوكبتر «تريبولي» التي تحمل على متنها ٢٠٠٠ فرد من مشاة البحرية الأمريكية مع معداتهم لتكون جاهزة «للإنزال على السواحل الكويتية وقت الحاجة».

وكانت الخطط لإرسال ١٩ ألف جندي آخر للكويت، قد أوقفت في نهاية الأسبوع الماضي بعد أن بدأت واشنطن بالاقتناع بأن عملًا عسكريًا قد لا يكون مطلوبًا، وكذلك أوقفت خطط أخرى لتأهب فيلق من ١٠٠ ألف جندي كان سيتم إرسالهم للخليج لو نشبت حرب.

بريطانيا

سارت بريطانيا بشكل موازٍ ومطابق للولايات المتحدة فيما يتعلق بالموقف تجاه الحشود العراقية لكن مساهمتها العسكرية كانت محدودة إذ تم إرسال قوة من ألف جندي مظلي مع معدات خفيفة بالإضافة إلى فرقاطة حربية وعدد من طائرات تورنادو الهجومية.

فرنسا

لم تقدم فرنسا دعمًا عسكريًا واضحًا للحشد الغربي في الخليج، واكتفت بإرسال عدد من السفن البحرية التي لا قيمة واضحة لها في المشاركة في أعمال قتالية هجومية على البر.

وجاء التردد عسكريًا موافقًا للتردد الدبلوماسي الذي أبدته باريس تجاه الحشود العراقية وهو ما شابه الموقف الروسي بصورة أو بأخرى.

دول مجلس التعاون الخليجي 

أعلنت المملكة العربية السعودية دعمها الكامل للكويت في مواجهة التهديد بل اعتبرت هذا التهديد أمرًا موجهًا ضد أمنها وهو الموقف السياسي الذي تبنته معظم أقطار الخليج الأخرى.

وعسكريًا قامت البحرين بإرسال ٦ طائرات مقاتلة من نوع ف ١٦ لتتمركز في قاعدة أحمد الجابر الجوية جنوب الكويت، وإلى نفس القاعدة أرسلت الإمارات ١٢ مقاتلة معترضة من نوع ميراج ٢٠٠٠ لتنظم إلى ٤٠ مقاتلة كويتية من نوع ف - ١٨، كما عززت الإمارات مساهمتها بإرسال كتيبة من القوات البرية وصلت عن طريق البحر.

ولم ترسل السعودية قوات كبيرة للكويت، إذ إن ملاصقة المملكة للكويت والعراق تعني أنه في حالة الضرورة فإن كافة الوحدات البرية والجوية السعودية ستكون قادرة على الدخول في معركة الدفاع عن الكويت.

تحليل الحدث عسكريًا

كانت «أزمة الحشود العراقية» صورة مصغرة لأزمة الاحتلال العراقي للكويت وحرب التحرير التي لحقتها مع فارق أن قوات التحالف لم تكن بحاجة لهجوم برى عبر الأراضي العراقية بل كانت في موضع الدفاع، ولو اقترف النظام مغامرة الهجوم على الكويت لكانت خسارة العراق العسكرية والاقتصادية كبيرة جدًا.

لكن احتمالات الحرب لاتزال قائمة حتى الأيام القليلة الماضية، فالجبهة السياسية لاتزال ساخنة وتزخر بالتحركات والمناورات، وكان من الواضح أن صدام حسين كان سيشعل حربًا  لو أنه أردف تصريحاته الاستفزازية المتعجرفة بتحركات عسكرية خطرة قرب الحدود الكويتية.

لقد أدرك النظام أن مغامرة تحريك وحشد القوات قد تنتهي إلى عمل عسكري جديد يضعف قدراته إلى درجة متدنية أو يخلق الفرصة لاضطرابات داخلية كبيرة فلجأ إلى سحب هذه القوات بشكل متلكأ وبطئ لإعطاء وزير خارجيته طارق عزيز فرصة للمناورة السياسية  في الأمم المتحدة تحت قرع الطبول الحرب في المنطقة، لكن هذه المناورة الخطرة جدًا لم تحقق شيئًا للطاغية رغم الاضطراب في صفوف التحالف الدولي سياسيًا بموقف كل من موسكو وباريس من الأزمة، والذي سرعان ما تحرك ليوافق الموقف الأمريكي بسبب حسابات إستراتيجية دولية لا يعيها النظام في بغداد.

وآخر المعلومات المعلنة من الجانب الأمريكي تشير إلى سحب العراق لـ ٥٠٪ من القوات التي حشدها إلى شمال خط العرض ٣٢ مع استمرار المسؤولين العسكريين الأمريكيين في التحذير من أن هذه القوات لم تعد إلى الثكنات التي خرجت منها.

معضلة منطقة العزل الجنوبية

بمجرد أن أعلن مندوب العراق في الأمم المتحدة عن تراجع نظامه وسحب قواته من الجنوب، بدأت المصادر السياسية تتحدث عن ضرورة إنشاء منطقة عازلة في جنوب العراق بحيث تتوافر مسافة كبيرة بين أي قوات يحشدها النظام وبين الحدود الكويتية بحيث لا يتمكن صدام من تكرار لعبة حشد الجيوش كلما حلا له ذلك.

وكانت هناك أفكار مختلفة منها إنشاء منطقة خطر للقوات الثقيلة «الدبابات والمدفعية وناقلات الجنود المدرعة» بحيث لا يسمح للنظام بنقلها جنوب خط العرض ٣٢ بحيث يتوافق ذلك مع الحظر الجوي الذي فرض ضد الطيران العراقي في هذه المنطقة.

إن القطع العسكرية الثقيلة هي التي تستخدم عادة في الأعمال الهجومية التكتيكية، ولا يمكن أن تتمكن دولة من اختراق أراضي دولة أخرى والسيطرة عليها بدونها، ولأن هذه القطع تتضمن الدبابات ومدافع الميدان والمصفحات الثقيلة بطيئة الحركة نسبيًا، وتحتاج إلى إيواء وصيانة خاصة، ويمكن رصدها بسهولة من قبل الأقمار الصناعية، فإن منع النظام العراقي من إيجاد هذه المعدات مسبقًا قرب حدود الكويت، فإن هذا يعني أنه لن يكون بوسعه شن عمل حربي مفاجئ ما لم يسبقه تحضير يستغرق أيامًا طويلة.

ولو أراد العراق معاودة الاعتداء على الكويت في ظل وجود منطقة عزل جنوب الخط ٣٢ فإن تحريك الدبابات والمدفعية نحو الكويت يستغرق وقتًا طويلًا يفقد معه الهجوم عنصر المفاجأة.

وسيكون بوسط الطيران المتحالف ضرب الجسور المقامة على نهر الفرات وتخريب الطرق وقصف الطوابير العسكرية وإلحاق خسائر جسيمة فيها قبل أن تقترب من الأراضي الكويتية.

وبرغم أن فكرة منطقة العزل منطقية إلا أن هناك محاذير منها طبقًا للحسابات السياسية المعقدة التي تعيشها الدوائر الغربية على أساس المصالح الإقليمية العامة للدول الغربية في المنطقة.

إن حرمان النظام من قواته الثقيلة في الجنوب قد يعطي فرصة قوية للمعارضة العراقية لهزيمة النظام في المناطق الجنوبية، وإلى خروج هذه المنطقة من سيطرة بغداد، مع ما يتبع ذلك من تعقيدات إقليمية وفتح المجال للنفوذ الإيراني للزحف على الخليج من جهة جنوب العراق.

لذلك فإن العواصم الغربية لاتزال حائرة في تحديد أسلوب الردع المناسب ضد النظام العراقي؛ لمنعه من إعادة توتير الأوضاع في المنطقة دون محاولة إضعاف هذا النظام إلى درجة يتهدد فيها التوازن الإقليمي الهش في الخليج، إنها معضلة حقيقية وصدام حسين يعرفها ويسعى للإفادة منها!!

 

الرابط المختصر :