; حقائق لم تنشر عن مؤتمر «حمس» الجزائرية التاريخي | مجلة المجتمع

العنوان حقائق لم تنشر عن مؤتمر «حمس» الجزائرية التاريخي

الكاتب فاروق أبو سراج الذهب

تاريخ النشر السبت 24-مايو-2008

مشاهدات 55

نشر في العدد 1803

نشر في الصفحة 14

السبت 24-مايو-2008

  •  ما حدث يعبر عن حقيقة ديمقراطية ينبغي أن ينتبه إليها الرأي العام والباحثون لدراسة مخرجات هذا المؤتمر الفريد من نوعه
  • الإعلام صور الأمر على أن هناك انشقاقًا داخل الحركة ولم يتطرق إلى ما دار في المؤتمر من صور ديمقراطية فريدة
  • رغم التجاذب والحدة في الدفاع عن الخيار السياسي.. إلا أن ذلك لم يمنع تلامذة «النحناح» من إدراك أنهم كتلة واحدة

ثلاثة شهور خلت والإعلام يتناول المؤتمر الرابع لحركة مجتمع السلم (حمس) بشيء من التجاذب، وأحيانًا يصف ما يحدث من تنافس بالصراع على القيادة، ويحاول أن يعطي الانطباع للرأي العام أن حركة مجتمع السلم على وشك السقوط والانشطار، وهو من خلال هذا المنطق الإعلامي في تناول الحدث الوطني الحزبي الوحيد الذي استقطب القراء والخبراء والشعب، وضع مناضلي ومحبي حركة مجتمع السلم في قلق متواصل على مستقبل حركة تعد خط الدفاع الأخير في تيار الإسلاميين في الجزائر بعد انقسام الجميع إلى أشطار متعددة ومختلفة، وذهبت ريحها في الساحة السياسية الانتخابية الجزائرية.

لكن هذا الإعلام الذي تحدث عن مؤتمر الحركة بهذا المنطق التزم الصمت المطبق على تثمين التفاعل الديمقراطي النادر في الساحة السياسية الجزائرية والعربية وحتى الإسلامية، وراح ينشر نتائج المؤتمر الرابع ببرودة ولامبالاة، وهو ما يخل بالروح المهنية والاحترافية المطلوبة من الإعلام- خصوصًا الجزائري- حيال مثل هذه القضايا المهمة التي تحدث كتطور في الساحة السياسية والإعلامية الجزائرية على اعتبار القيم السياسية التي يجب على الإعلام ترسيخها في المجتمع مهما كان الفاعل، سواء كان إسلاميًا أو وطنيًا أو علمانيًا.

ولذلك نريد أن نفرد في هذا المقال مساحة لحقائق لم تنشر عن فعاليات مؤتمر «حمس» على اعتبار أن هذه التقارير تشكل مادة أساسية لصياغة مدارس سياسية ديمقراطية شورية ينبغي على الجميع الاستفادة منها، ولاسيما الحركات الإسلامية.

الحقيقة الأولى: لم يكن التنافس على منصب رئاسة الحركة مجرد مناورة ديمقراطية اختير لها شخصان الأول هو الشيخ أبو جرة سلطاني، والثاني: هو الأستاذ عبد المجيد مناصرة، بل كان التنافس حقيقيًا، حيث شملت الحملة الانتخابية كل ولايات الوطن، وبلغ التنافس حد توقيف المؤتمر أربعة أيام ومحاولة تأجيل الجلسة الافتتاحية، وأصدر المرشحون كتبًا ومطويات تعريفية، وكان لكل واحد منهما فريق عمل يدير العملية ويخطط لفوز مرشحه، وحدث لأول مرة أن قاد المرشحون حملة انتخابية داخل القاعة بالدوران حولها، في محاولة لجذب انتباه المؤتمرين الذين كانوا ينظرون إلى مثل هذه الدورات بشكل طبيعي، ولم يرفض أحد هذا الأمر، وهو إن دل على شيء فإنما يدل على أن المنافسة كانت حقيقية، والاصطفاف كان ملحوظًا، ولذلك لما أسقط المؤتمرون مشروع جدول الأعمال بالتصويت حيث بلغ عدد المصوتين «بنعم» ٥١١، وبلغ عدد المصوتين بـ«لا» ۷۲۸، ثم جاء التصويت على مكتب المؤتمر بالاقتراع السري حيث صوت المؤتمرون بـ«لا» لمكتب المؤتمر بعدد أصوات ۷۹۰ صوتاً مقابل ٤٣٠ صوتاً بـ«نعم» لمكتب المؤتمر.. من خلال هذا

التصويت عرف طرفا التنافس اتجاه المؤتمر فانسحب الأستاذ عبد المجيد، لينتخب الشيخ أبو جرة سلطاني بالتزكية في مجلس الشورى الوطني، أي بتصويت بلغ الإجماع ٢٦٢ من ٢٦٢، وهذا النوع من التصويت يحدث لأول مرة في مجلس شورى حركة مجتمع السلم، حيث تم انتخاب القيادة في زمن قياسي لم يبلغ نصف ساعة، فما حدث في مؤتمر حركة مجتمع السلم يعبر عن حقيقة ديمقراطية ينبغي أن ينتبه إليها الرأي العام والباحثون ويحاولوا بحث ودراسة مخرجات هذا المؤتمر الفريد من نوعه.

الحقيقة الثانية: المراقب من الداخل لمؤتمر حركة مجتمع السلم يلحظ كيف استطاعت قيادات حركة مجتمع السلم صياغة آليات حل الخلافات والإبداع في معالجة القضايا الساخنة والجديدة بأسلوب مبدع، فما حدث من توقف للمؤتمر لمدة أربعة أيام، لم يكن لأسباب تقنية أو فنية كما ذهب البعض، تعلق الأمر بنسبة 5% من المؤتمرين الذين يعينهم المكتب الوطني، على اعتبار أن فرق التصويت كان أكثر من ۲۰۰ صوت، وعدد الذين يعينهم ٦٥ مؤتمرًا فقط، بل السبب الرئيس في التأخر كان يتعلق بتدقيق الصورة وبحث آلية الخروج من السباق، ثم بحث آلية الاشتراك في صياغة القيادة الجديدة، وما يلاحظ أيضًا هو أن خطوط الحوار والتواصل بين الطرفين كانت متواصلة ولم تنقطع لحظة، بل اتخذ كل فريق مكتبًا له في أعلى القاعة أصبح معروفًا لدى المؤتمرين، والعبقرية الحمسية هنا لم تتطلب تدخل طرف ثالث من خارج الحزب لحل الإشكالات، بل كان كل شيء يبحث بين أبناء الحركة في الفريقين، وكانت مصلحة الحركة دائمًا حاضرة في النقاشات مهما قيل عن السلوكيات والتصرفات التي أنتجها التجاذب والاستقطاب، وهو ما يجب أن تستفيد منه الحركة في المستقبل، ولعل ما أتاح الفرصة نحو الحلول الناجعة هو بعض المؤتمرين القياديين في الفريقين في تقليص هامش تحرك المتطرفين في الفريقين وتوسيع دائرة الوسط في المناقشة.

الحقيقة الثالثة: قد يسخر البعض من الإعلاميين من مفردة سيادة المؤتمرين، ويتحدث عن المشيخة والتوجيه وغلبة سيناريو التحضير والمناورة والتبعية، ولكن الذي حدث فعلًا في مؤتمر «حمس» هو تجسيد فعلى لإرادة المؤتمرين، الذين صبروا وصمدوا على خيارهم مدة أربعة أيام بدون إشغال، ولم يغادر القاعة أحد بالرغم من لعبة ربح الوقت التي انتهجها بعض الناس في مناقشة كل نقطة تنظيمية، حيث أعلن المؤتمرون أن أشغال اليوم الأول ستنطلق في الساعة التاسعة صباحًا، ولم تتطلق وبقي المؤتمرون في مقاعدهم مرابطين على خيارهم، وهي صورة مهمة تعبر على أهمية حرص القاعدة على المساهمة الفاعلة في تشكيل القيادة والصبر على كل التصرفات والسلوكيات التي تدفع باتجاه الاستقالة من الفعل السياسي تمامًا كما تفعل السلطة مع الشعوب.

وهو درس مهم ينبغي تسجيله ليستفيد منه الشعب في الصبر على اختياراته السياسية، وعدم الاستجابة للاستفزاز من أجل الاستقالة.

الحقيقة الرابعة: خطبة جمعة واحدة كانت كافية لتذكير الصادقين بهويتهم وطبيعة العلاقة التي تجمعهم وأبرزت لهم قيمة المسؤولية على حاضر ومستقبل الحركة وألهبت عواطف المؤتمرين الذين كانت طبيعتهم في كل اللقاءات والملتقيات هي الحب والتآخي والإيثار وسلامة الصدر، ولكنهم عاشوا في المؤتمر الرابع لحظات استثنائية بلغت حد التجاذب والتلاسن والاتهام، ولكن صدق كل هؤلاء وحبهم لفكرتهم جعلهم بعد لحظة واحدة صفًا واحدًا متلاحمًا متسامحًا متعانقًا، في صورة جمالية نادرة قد لا تصدق، ولكنها حدثت أمام الأعين والأشهاد، وهي صورة تبرز عمق التكوين الفكري والارتباط العاطفي ووحدة التصور والفكرة لدى مؤتمري حركة مجتمع السلم، وهو ما يجب أن يكون مادة أساسية في البرامج والمناهج التربوية في تكوينات الحركة. 

الحقيقة الخامسة: التفاعل الديمقراطي وتحقيق الإنجازات السياسية يحتاج من الفئة التي تريد ذلك إلى عمل سياسي ودعوي وتربوي تسنده القاعدة النضالية، فلا أحد يستطيع أن يفرض الخيارات السياسية ولاسيما في حركة مجتمع السلم من فوق، وهي الرسالة التي جاء بها المؤتمرون، مفادها أن الذي يريد أن يقود يجب أن ينزل إلينا ويتقاسم معنا الحلو والمر والواقع، وبذلك سنرفعه إلى العلياء. أما الظواهر الصوتية والإعلامية فهي مجرد فقاقيع يعدها المناضلون قصفًا إعلاميًا يستهدف الحركة في وحدتها واستقرارها واستمرارها، والدرس المستفاد هو رجوع كل القيادات إلى الولايات للنضال في الميدان والخروج النهائي من الديوان، وهو الشعار الذي أدرك حقيقته الشيخ أبو جرة سلطاني كرسالة واضحة من المؤتمرين من خلال إسقاطهم لكل ما صنع مركزيًا حتى القيادات التي لم تنجح في عضوية مجلس الشورى الوطني، حيث لم تحظ بتزكية المؤتمرين. 

هذه الحقائق الخمس هي تقارير لم تنشر في الإعلام بشكل يثمن التجربة السياسية ويستشرف المستقبل انطلاقًا من أحداث المؤتمر الرابع، لكن الدرس الكبير الذي ينبغي أن يستوعب هو أن حركة مجتمع السلم تتوافر على عوامل تركيبية عميقة تدخل في تشكيل بنائها. لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنشطر، سيما أنها مرت بمرحلة ما بعد المؤسس «الشيخ محفوظ نحناح يرحمه الله» بسلام وعاشت الاستثناء، ولكنها صاغت مسارها وشقت طريقها نحو المستقبل والمسؤولية الكبرى تقع اليوم على القيادة الجديدة التي يجب أن تتناغم في المواقع والمواقف، وتختار الكفاءة والمردودية والنجاعة في العمل، بعيدًا عن منطق «هذا معي.. وذاك ضدي»، فالثقة لا تبرر الرداءة، ومن خلال مثل هذه الخيارات ستصنع أحداث المؤتمر الخامس للحركة سنة ٢٠١٣م. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل