العنوان المجتمع الثقافي (2005)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2012
مشاهدات 69
نشر في العدد 2005
نشر في الصفحة 48
السبت 02-يونيو-2012
إعداد : مبارك عبد الله
اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين يعلن انطلاق أمسيات الإبداع
نواكشوط : محمد ولد شينا
انطلقت بالعاصمة الموريتانية نواكشوط أولى أمسيات الإبداع التي ينظمها اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين سنويا، وسط حالة من الانتقادات للوضعية التي يعيشها الأدب العربي بشكل عام، والموريتاني بشكل خاص، وذلك بعد أن وجهت تهم لبعض الأدباء الموريتانيين بالدفع بالشعر الموريتاني نحو متاهة الغموض والحداثة الكاذبة.
وقد اختار الاتحاد أن تكون الأمسية الأولى مع الشاعر والروائي المختار السالم الذي تحدث عن رحلة عمره مع الشعر والكتابة. وعن تجربته الإنسانية، والأوجاع التي خلفتها هذه التجربة في إبداعاته المختلفة، وكيف دخل عالم الأدب والشعر من باب السياسة والالتزام بقضايا الأمة الكبرى، مثل قضية فلسطين التي أججت مشاعره الغضة.
وقد ألقى الشاعر نماذج من شعره الذي تفاعلت معه القاعة خاصة قصائده عن القضية الفلسطينية، وتجاربه الخاصة. وفي تعليقه على مداخلة ولد السالك قال عبد الله السالم ولد المعلى رئيس اتحاد الأدباء الموريتانيين: إنه يتهم المختار السالم بالتسبب بالدفع بالشعر الموريتاني نحو متاهة الألغاز والغموض غير المفيد حبا في الحداثة الكاذبة، معتبرا أن قصائد الشاعر غامضة ولا يمكن تكوين فكرة عن مضمونها سوى ومضة في هذا البيت أو ذاك، مطالباً إياه أن يبادر إلى التوبة الأدبية من هذه الأصناف الشعرية.
هذا فيما اعتبر أدباء آخرون أن رواية المختار السالم موسم الذاكرة هي رواية جامحة إباحية بشكل استفزازي، وإن كانت رواية جميلة من الناحية اللغوية ومن ناحية الأفكار التي تعالجها . وكان رد الرأي الآخر الذي تصدره الناقد الشيخ ولد سيدي عبد الله، الأمين العام للاتحاد بأن التجربة الإبداعية الجديدة هي تجربة عميقة ودالة ومعبرة عن تصور جديد ورؤية متحررة إلى العالم، فهي مفهومة لمن يريد أن يفهم الظروف والملابسات التي أنجبتها .
وقال ولد سيدي عبد الله : إن البعض ينتقد الأدب الحديث وهو لم يطلع على المدارس النقدية الحديثة، ويريد أن يصدر حكمه على الإبداع المعاصر انطلاقاً من تقييمه للأدب الكلاسيكي.
وفي النهاية تحدد رأيان حول هذه التجربة رأي محافظ يعتبر أن الشعر الحديث يجب أن يتجنب الإيغال في الرمزية واللجوء إلى لغة التمويه، والهروب إلى الارتكاس، والسباحة في بحر من الغموض ورأي يرى أن هذه المقاربة تنتمي لعهد وفهم للأدب ولى، وأن الأدب الجديد مفهوم وجميل وأن القصيدة الجديدة هي تعبير عن العصر الجديد بتعقيداته الاجتماعية والفلسفية
والوجودية. وقد تحولت الأمسية إلى صراع نقدي حاد بين الأدباء وصلت حد الاتهام بالقصور الأدبي والنقدي والاتهام بالمقابل بالانجرار وراء سراب التغريب.
كما وجه الشاعر خادم الرسول سؤالاً إلى المختار السالم حول سبب تكرار ورود عبارة الماء في قصائده، فرد بقوله: «لا أجد مبررا لذلك سوى أنني من سكان لبيرات»، وهم معروفون بالعطش.
واتهم الشاعر محمد عبدالله بن الشيباني، المختار السالم بالتهرب من كشف ولائه السياسي حينما قال: تركت البعثيين والناصريين والإخوان واليسار يكتبون فيما شاؤوا ، وأرى أن الجميع حركة سياسية واحدة الأهداف إذا نزعنا الأسلوب الشخصي.. الهدف النهائي لكل هذه الحركات هو تحرير الأمة واستعادة كرامتها ونهضتها ...
وقد أجمع الحضور على أن هذه الأمسية كانت من أفضل الأمسيات التي حضروها وأكثرها صراحة فيما يتعلق بنقد شعر الشاعر الذي أحيا الأمسية، كما شكلت محكاً لتجدد السجال الأبدي حول الشعر والشاعرية والنقد ..
============
قصة فريدة في عالم الصحافة تروي بأسلوب مشوق رحلة احتجاز فريق الجزيرة في ليبيا
صدر مؤخرا كتاب للصحفي الموريتاني بقناة الجزيرة القطرية أحمد فال ولد الدين بعنوان في ضيافة كتائب القذافي.. قصة احتجاز فريق الجزيرة في ليبيا .. يروي فيه ولد الدين بأسلوب قصصي مشوق رحلة فريق الجزيرة في السجون الليبية أواخر عهد الزعيم الليبي معمر القذافي...
القصة الفريدة في عالم الصحافة العربية تضيف إلى المعلومات المنشورة عن خبايا التعامل في السجون الليبية صفحات أخرى من حياة ولد الدين والفريق الذي رافقه في الرحلة التي ظن العالم أنها ستكون الأخيرة لصحفيين مغامرينالرواية الجديدة للصحفي ولد الدين تصافح الشعرية عن كثب، وربما هي أول رواية أدبية عربية استوفت على جماليات التعبير الشعري إلى جانب فنيات العمل الروائي الجميل محققة بذلك عملا جديدا من نوعه في عالم الأدب، فيه متعة للقارئ أيا كان شاعرا صحفيا، روائيا علميا.. فطابع الأدبية فيها لا يستقل به أحد دون آخر.
● قوة الرواية
وقد اختار المؤلف أن يبدأ السرد من أقسى اللحظات توترا ، إنها لحظة تكون القلوب في الحناجر، صحفي معتقل معصوب العينين يعرض على ضابط التحقيق في نظام اشتهر بالتصفيات الجسدية والإخفاء القسري لمعارضيه، وفي الحوار بين الجلاد وضحيته سيمنحنا الكاتب جرعة عالية من التشويق، فمن جهة يبرق لنا بحبكة الحكاية، ومن جهة أخرى سيلزمنا ألا نترك الكتاب حتى آخر نفس في الصفحة الأخيرة، وهذا بمقاييس الكتابة والدراما نجاح عظيم.
وطغى على الفصل الأخير من القصة استعذاب طعم الحرية الجديدة والتعبير عن ذلك بالعديد من المعاني الرائعة، فحين خرج من السجن لأول مرة استعذب حركة المرور حيث قال: رأيت سائق سيارة يزمر منزعجا كثيرا ، فشعرت بأني عدت إلى عالم الحرية الطبيعية، عالم تصارع الناس على توافه الأمور، ما إن تجاوزنا التقاطع المروري حتى رأيت صبية خارجين من إحدى المدارس لوحة رائعة.
ويرى العديد من الأدباء والنقاد الموريتانيين أن قوة رواية في ضيافة كتائب القذافي، تكمن في انتماء مفرداتها إلى التراث العربي الأصيل، والشعر منه خصوصا، بمستوى لافت بينما تناولت موضوعها بطريقة صحفي ماهر في فنيات التحرير الجديد وبطريقة قاص يركن إلى فنيات رواد السرد الحديث في منهج الكتابة وإنتاج القصص، فجاءت الرواية في ٢٥٦ صفحة من الحجم المتوسط بطبعة أنيقة، يظهر على واجهتها رسم للحظة متصورة من لحظات الكاتب داخل السجن، بينما على مقلوب الغلاف تظهر فقرة من الرواية اختارها الكاتب للعرض تقول: عندما التفت يمينا فرأيت كامل التلوع الطبيب المهذب وبجنبه الصحفي اللامع لطفي، وكلاهما رافع يديه تحت رجال بأيديهم أسلحة، قلت في نفسي أي وربي لقد ألقي القبض علينا ...
===============
اللغة العربية.. الأصالة والتحديات
د. زيد بن محمد الرماني (1)
() جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
اللغة العربية أكثر لغات المجموعة السامية متحدثين، وإحدى أكثر اللغات انتشارا في العالم، يتحدثها أكثر من ٤٢٢ مليون نسمة، ثم إن اللغة العربية ذات أهمية
قصوى فهي لغة القرآن. ولقد أثر انتشار الإسلام، وتأسيسه دولا، في ارتفاع مكانة اللغة العربية وأصبحت لغة السياسة والعلم والأدب القرون طويلة في الأراضي التي حكمها المسلمون وأثرت العربية، تأثيرا مباشرا أو غير مباشر على كثير من اللغات الأخرى في العالم الإسلامي.
واللغة العربية من أغزر اللغات من حيث المادة اللغوية، فعلى سبيل المثال، يحوي معجم لسان العرب لابن منظور أكثر من ٨٠ ألف مادة.
إن اللغة العربية أداة التعارف بين ملايين البشر المنتشرين في آفاق الأرض، وهي ثابتة في أصولها وجذورها، متجددة بفضل ميزاتها وخصائصها.
إن اللغة العربية من أفضل السبل المعرفة شخصية أمتنا وخصائصها، وهي الأداة التي سجلت منذ أبعد العهود أفكارنا وأحاسيسنا وهي البيئة الفكرية التي نعيش فيها وحلقة الوصل التي تربط الماضي بالحاضر
بالمستقبل، إنها تمثل خصائص الأمة. وأورد هنا بعض الأقوال في أهمية اللغة العربية.
يقول الفرنسي إرنست رينان .. اللغة العربية بدأت على غاية الكمال وهذا أغرب ما وقع في تاريخ البشر، فليس لها طفولة ولا شيخوخة. ويقول الألماني فريتاغ: اللغة العربية ويقول وليم ورك: إن للعربية لينا ومرونة يمكناها من التكيف وفقا لمقتضيات أغنى لغات العالم العصر. لقد ظلت اللغة العربية لغة العلم العالمي لأكثر من عشرة قرون، لكن لغة القرآن الكريم تعيش اليوم كارثة، فقد جعلت التدريس للعلوم الطبيعية وتقنياتها وأحيانا العلوم الإنسانية والاجتماعية يتم باللغات الأجنبية، كما جعلت العربية غريبة في بلادها.
لقد أحيت إسرائيل لغة ميتة، لتصبح لغة علمية حية تدرس بها جميع العلوم وكذلك تصنع الصين واليابان مع أصعب لغات الدنيا .. لكننا للأسف عدنا القهقري فأصبحنا في كثير من جامعاتنا ندرس العلوم الطبيعية بغير لغة القرآن الكريم مع أن تجارب تدريسها بالعربية أعطت نتائج كبيرة كما هو معلوم؛ فإلى متى هذا الهوان ؟! لقد لفتت العلاقة المتينة بين اللغة العربية والإسلام أنظار الأعداء، ففكروا في الهجوم على اللغة، إذ بدؤوا بالمصريين فدعوهم إلى العامية وحاولوا إقناعهم، فكان لهم أتباع مثل: سلامة موسى، وأحمد لطفي السيد.. ودعوا إلى إلغاء الحرف العربي في الكتابة وإبداله باللاتيني، فكان لهم أتباع مثل: فريد أبو حديد، أمين الخولي، ودعوا إلى تطوير اللغة وجعلوه شعارا لهم فكان لهم حسين. إن الحفاظ على اللغة العربية وحمايتها والعمل على انتشارها والتمكين لها في أوساط المجتمعات العربية ولدى الجاليات اتباع مثل طه العربية الإسلامية في بلاد المهجر، ليس عملا تعليميا تربويا ، أو نشاطا ثقافيا أدبيا أو وظيفة من وظائف وزارات التربية والتعليم والمؤسسات والهيئات والمنظمات المختصة فحسب، ولكنه عمل من صميم الدفاع عن مقومات الشخصية العربية، والذود عن مكونات الكيان العربي الإسلامي، وعن خصوصيات المجتمعات العربية الإسلامية وعن الركيزة الأولى للثقافة العربية وللحضارة العربية الإسلامية.
عمل في هذا المستوى، وبهذا القدر من الأهمية، يدخل ضمن خطة بناء المستقبل ورسم معالمه، فاللغة العربية ركن أساسي من أركان الأمن الثقافي والحضاري والفكري للأمة العربية الإسلامية في حاضرها وفي مستقبلها، واللغة العربية هي القاعدة المتينة للسيادة الوطنية والقومية والإسلامية، وهي ليست لسانا فحسب، ولكنها عنوان لهذه السيادة التي تحرص عليها كل دولة من دول المجموعة العربية الإسلامية. ولذلك، وباعتبار أن اللغة العربية قضية إستراتيجية في المقام الأول، تمس الأمن الثقافي والحضاري للأمة، فإن المسألة في عمقها وجوهرها، تتطلب يقظة أشمل وأعمق، وحركة أكبر وأنشط، وعملاً أكثر جدية وفعالية، واستنفارا للطاقات الحية وحشدا للجهود المخلصة، في إطار من التنسيق والتكامل والتعاون والعمل العربي المشترك على مستوى المنظمات والمؤسسات والجامعات والهيئات المختصة.
ونعتقد أن المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تتحملان مسؤوليات مهمة في هذا المجال، وهما تعملان في إطار اختصاصاتهما، من أجل توسيع نطاق تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، خاصة في البلاد الأفريقية والإسلامية، وفي أوساط الجاليات العربية الإسلامية في بلاد المهجر. وتنفذ المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة بالخصوص، برامج وأنشطة متعددة تدعم حضور اللغة العربية في مستويات التعليم العربي الإسلامي في العالم الإسلامي. ولئن كان العمل الذي تنهض به المنظمتان الإسلامية والعربية في مجال خدمة اللغة العربية يستجيب لبعض متطلبات الحفاظ على لغة الضاد وحمايتها وتوسيع رقعة انتشارها، فإن دور الوزارات المعنية والجامعات والمنظمات والمؤسسات والهيئات والجمعيات المتخصصة، ينبغي أن يتكامل في هذا الميدان، وينسق ويدعم الدعم المادي والأدبي المطلوب لإحداث نهضة لغوية شاملة تسترجع فيها اللغة العربية وظيفتها الحيوية في الحياة العامة، بحيث تكون اللغة ذات السيادة الكاملة غير المنقوصة.
==============
رسالة الأخوة
عون الضعيف.. وتوقير الكبير
أ. د. سعد المرصفي (*)
(*) أستاذ الحديث وعلومه
حماية الضعيف ورحمته واحترام الكبير ورعايته من حقوق الأخوة الإسلامية، وتتجلى عظمة ديننا القيم في أنه لم يفرق في هذا الشأن بين المسلم وغيره بل أمرنا بالشفقة على الكبير أيا كانت عقيدته، ومنعنا من قتلهم أثناء الحرب، فكان النبي صلي الله عليه وسلم يوصي قادة الجيوش وأمراء الحرب بتقوى الله، ثم يقول: انطلقوا باسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا، ولا صغيرا، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين..
تاريخنا الإسلامي حافل بمثل هذه المواقف الفردية والجماعية، فهذا هو الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، وقد ورد في كتابه إلى عدي بن أرطاة وانظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه، فلو أن رجلا من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب كان من الحق عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت أو عتق .. وذلك أنه بلغني أن عمر بن الخطاب مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس، فقال: ما أنصفناك أن كنا نأخذ منك الجزية في شبيبتك، ثم تركناك في كبرك، قال: ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه ... الرحمة بالصغير والشفقة على الضعيف قيمة إسلامية لا تعرف التمييز، وتوقير الكبير فضيلة أخلاقية لا تعرف العنصرية قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : لا يرحم الله من لا يرحم الناس، وقال أيضا ليس منا من لم يرحم صغيرنا ، ويعرف شرف كبيرنا ... وبالمخالفة لهذا التراث العظيم نجد أن مجتمعاتنا الإسلامية قد اختلت فيها منظومة القيم، ووفدت إليها ظواهر سلبية شاذة، وصرنا نرى الصغير لا يوقر كبيرا، والكبير لا يرحم ضعيفا، بل وجدنا الأبناء يضربون آباءهم وأمهاتهم، ويتطاولون عليهم، وفي أحسن الأحوال يحملونهم إلى دور العجائز ولا يسألون عنهم، ربما إلا في المناسبات، وقد نسوا أن الله تعالى نهانا عن مجرد توجيه عبارات أو إيماءات التأفف ﴿فلا تَقُل لَّهُمَا أَفَ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وقُل لَّهُمَا قَوْلاً كريما﴾ (1) (الإسراء)، ما أعظم هذا الدين، وما أجل تلك المعاني التي تضع الأمور في نصابها، وتجعل حياة الناس قائمة على المودة والرحمة والتراحم والتسامح والاحترام المتبادل، وإنزال الناس منازلهم.
هذا لا يعني أن كل الناس يقعون في مثل هذه الخطايا، فهناك فريق في القديم والحديث ضربوا أروع الأمثلة في ترجمة هذه المعاني إلى سلوكيات راقية وتعاملات راقية ونحن في هذا المقام نستهدف أولئك الذين حادوا عن هذا النهج الإسلامي المبين، وتخلوا إما عمداً أو جهلا عن هذه الكنوز الإنسانية. لنعد إلى منهاج النبي صلي الله عليه وسلم فائق الإنسانية والرحمة حتى تترسخ في مجتمعاتنا قيم الرحمة والاحترام واستشعار المسؤولية تجاه الآخر وبناء أواصر المجتمع على قاعدة الحب والمودة وانتشال الذين ذلت أقدامهم وانحرف بهم المسار إلى مهاوي الردي، وارتكبوا من الحماقات والسلوكيات الشاذة ما يخرجهم من دائرة الإنسانية.
إن النظريات والمناهج الوضعية لم تعرف قيم الرحمة مع الصغار والضعفاء كما عرفها الإسلام وبشر بها وألزم أصحابه باتباعها، فعن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلي الله عليه وسلم يؤم الناس وأمامة بنت أبي العاص، وهي ابنة زينب بنت النبي صلي الله عليه وسلم على عاتقه، فإذا ركع
وضعها ، وإذا رفع من السجود أعادها ... ومن رحمته صلي الله عليه وسلم بأمامة - كما يقول بن حجر - أنه كان إذا ركع أو سجد يخشى عليها أن تسقط فيضعها بالأرض، وكأنها كانت لتعلقها به لا تصير في الأرض فتجزع من مفارقته فيحتاج أن يحملها إذا قام، بل واستنبط بعض العلماء من هذا الموقف عظم قدر الرحمة بالولد ؛ لأن هذا الموقف قد يبدو متعارضا مع المحافظة على الخشوع في الصلاة، لكن يحتمل أن يكون الرسول قد فعل ذلك لبيان ضرورة الرحمة وجواز ذلك في الصلاة بل يذهب الرسول صلي الله عليه وسلم ليجعل من كافل اليتيم وراعيه في الدنيا رفيقاً له في الجنة قال رسول الله : كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة، وأشار بالسبابة والوسطى. وللكبير في السن اهتمام وتوقير في سنة النبي وهديه، فقد نفى الإيمان عن أولئك الذين أساؤوا الأدب مع الكبار وأغلظوا مع الصغار ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا .. ويواصل الرسول صلي الله عليه وسلم الدعوة إلى تعميق المودة والرحمة والتعاطف في أوساط المجتمع المسلم، كما في قوله : مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، والسنة النبوية الشريفة أوفت هذا الأمر حقه ومستحقه، وأفاضت في بيانه، وأهميته، وعلينا تقع مسؤولية استدعاء هذه التوجيهات والآداب الرفيعة وامتثالها وصبغة سلوكياتنا بها، والله تعالى نسأل أن يحسن أخلاقنا، وأن نكون رحماء فيما بيننا موقرين للكبير وذي الشيبة وصاحب المكانة، إنه ولي ذلك والقادر عليه ..