العنوان المستهدف الحقيقي ليس السياحة المغربية - تفجيرات مقهى « أركانة».. الفرضيات والرسائل
الكاتب بلال التليدي
تاريخ النشر السبت 14-مايو-2011
مشاهدات 66
نشر في العدد 1952
نشر في الصفحة 26
السبت 14-مايو-2011
كان من الممكن أن تتجه الفرضيات في اتجاه آخر لو حصلت تفجيرات مقهى أركانة، في توقيت آخر غير الذي تمت فيه : إذ لا خلاف على أن السياق الزمني يبقى حاكما، ولا يمكن بحال أن يتم طرح أي فرضية بمعزل عن هذا السياق، كما لا يمكن تصور أن تقوم جهة ما - كيفما كانت داخلية أو خارجية – بهذه التفجيرات خارج هذا السياق، إلا إذا تعلق الأمر بفرضية تصفية حسابات شخصية في إطار ما يعرف بتناقضات المافيا ... وقد تمت العملية في سياق مد ديمقراطي إقليمي، وحراك شعبي متواصل حقق العديد من المكتسبات، ووصل إلى درجة رفع العناوين الرئيسة للنضال الديمقراطي، والتي تتمثل في رفع صور رموز الفساد في المغرب، ودعوة الملك إلى تطهير البلاد منهم
العملية تمت في سياق مذ ديمقراطي إقليمي وحراك شعبي متواصل حقق العديد من المكتسبات |
الطبيعي أن تكون المعطيات - ولو في شكلها الأولي - مقدمات أساسية لأي تحليل يسعى إلى طرح الفرضيات الممكنة واختبارها، ودراسة الاحتمالات الممكنة حول الجهات التي قد تكون مستفيدة من هذا التفجير.
معطيات وزارة الداخلية المغربية لم تقدم شيئا كبيرا يذكر ولا تشكل المعلومات المتوافرة قيمة كبرى في بناء تحليل مستود بالوقائع فأقصى ما تتيحه هذه المعطيات ثلاث رسائل:
الجهة المنفذة، استعاضت عن العامل البشري ونفذت العملية عن بعد. وهذا يسمح بقراءتين متعارضتين:
أولاهما عجز الجهة المنفذة عن إيجاد انتحاريين قادرين على القيام بهذا التفجير، وفي هذه الحالة تكون العملية مؤشرا على فشل الجهة الإرهابية في الاستيعاب التنظيمي داخل المغرب وتراجعها في الأداء بالقياس إلى عمليات سابقة أو جارية في بلدان أخرى.
- وثانيتهما استعاضة الجهة المنفذة عن العامل البشري: إما بهدف تحصين الموارد البشرية وعدم تبديدها في وجود بدائل أو لحرصها على عدم ترك علامات يمكن أن يهتدي من خلالها التحقيق إلى تحديد الجهة المنفذة.
وعلى كل حال فإن الذي يجمع القراءتين معاً أن اختيار الجهة المنفذة كان يرمي إلى إخفاء الجهة المتحملة لمسؤولية التفجيرات. .
مكان التفجير، وتحديدا جامع الفناء في مراكش، وجنسيات المستهدفين يرمز إلى أن المستهدف هو مصالح حيوية للمغرب تتمثل في ضرب القطاع السياحي. وهذا المعطى بدوره يتيح قراءتين: فإما أن الجهة المنفذة كانت تحرص من خلال هذه العملية على إظهار هويتها ورسالتها بحكم أن الجهة التي تستهدف هذه المصالح الحيوية معروفة لا تخطتها العين (تنظيم القاعدة أو الجماعات المرتبطة به تنظيمياً أو فكرياً). وإما أن جهات ما نفذت العملية بنفس أسلوب القاعدة، وبذات أهدافها، وذلك لتحميلها المسؤولية وتحقيق أهداف أخرى لا علاقة لها بأهداف التنظيم.
طريقة التفجير
وهي الطريقة التي تحتمل الفرضيتين السابقتين، غير أن وزير الداخلية المغربي وجه الرأي العام الفرضية تنظيم القاعدة دون الفرضية الأخرى الممكنة.
وفي ظل شح المعلومات المتوافرة، وعدم استناد فرضية وزارة الداخلية على ما يدعمها من أدلة قوية، فإن الفرضيات التحليلية يمكن أن تبنى من خلال محاولة تصور الجهات المستفيدة من هذه التفجيرات.
وبشكل عام. يمكن الحديث عن أربع فرضيات ممكنة:
المافيا الخارجية
وهي فرضية كان من الممكن أن تبقى واردة ما دام التحقيق لم يفرج عن المعلومات الخاصة بالأشخاص الذين استهدفوا في هذا التفجير، فكل المعطيات المتوافرة كان يمكن أن تعمل على هذه الفرضية، إلا أن العبوة التي استعملت وطبيعة المواد المكونة لها، تستبعد هذه الفرضية وترجح ألا تلجأ المافيا، إلى اعتماد مثل هذا الأسلوب.
تنظيم القاعدة
السياق الزمني يجعل من الصعب نسبة هذا التفجير إلى القاعدة إلا بإحدى القراءات، وهي أن يكون قصد التنظيم الإبقاء على حالة التوتر بين السلطة والمجموعات السلفية والحيلولة دون الإفراج الكلي من معتقلي ما يسمى بالساقية الجهادية - إن من الواضح أن مؤشرات جديدة ظهرت على الساحة السياسية تشير إلى وقوع تحول كبير داخل الجسم السلفي دفع به إلى تغيير جملة القناعات والتحول إلى منطق المشاركة في الفعل السياسي باعتماد أساليب التدافع السلمي .. ومن ذلك مواقف رموز هذا التيار بخصوص المشاركة في الاحتجاجات السلمية لتحقيق التحول الديمقراطي في المغرب بالإضافة إلى جملة من المراجعات بخصوص الموقف من المؤسسات السياسية ومن الديمقراطية ومن مؤسسات الحكم في البلاد.
ولا يستبعد أن تكون القاعدة حاولت بهذا التفجير الإبقاء على قليل التوتر بين السلطة السياسية ومعتقلي السلفية إذ في جو هذا التوتر والاحتقان يتمكن التنظيم من كسب امتدادات فكرية جهادية تضمن له انصاراً جيداً، وتعزز الثقة في أدبياته كما يمكن ان تطرح فرضية أخري تتعلق بارتباطات إقليمية - مع ليبيا تحديداً. وربما بتسهيل مع الجزائر - أكدت الحاجة إلى تنفيذ عملية عاجلة ولو ضد منطق السياق الزمني المحلي، وذلك للفت الانتباه إلى مصداقية الخطاب السياسي الذي كان يوجهه العقيد القذافي، من كون القاعدة ما زالت تشكل تهديداً حقيقياً المنطقة وان اهتزاز الاستقرار السياسي في المنطقة سيعزز مواقعها ويوسع من نفوذها .. على أن يكون اختيار المغرب مقصوداً باعتباره يمثل الحالة النموذجية للاستقرار السياسي الذي يعيشه ولعل الرسالة في ذلك أن جميع أقطار المنطقة أن تكون بمعزل عن ضربات هذا التنظيم، بما في ذلك الدول المصنفة أمريكيا وأوروبيا ضمن مربع الاستقرار السياسي.
جهات في الداخل
قد يكون لها مصلحة في تعطيل التوجه الديمقراطي في المغرب وعرقلة مسلسلو المبادرات الجريئة التي أعلن عنها الملك تباعاً في مختلف المجالات الحقوقية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية .. على أن أكبر مؤشر يمكن أن يُستعان به في احتمال هذه الفرضية هي تكرر الحالات أو المناورات التي استعملت العرقلة مسار إطلاق معتقلي السلفية الجهادية، ووصول الحراك الشعبي الديمقراطي إلي درجة تعيين رموز معينة باعتبارها رموزاً للفساد السياسي والاقتصادي والثقافي والقيمي . ولا توجد أدلة يمكن أن ترجع هذه الفرضية لكن المؤكد أن الجهات مستقل المستفيد الأكبر من التفجيرات، لاسيما
السباق الزمني يجعل من الصعب نسبتها إلى القاعدة... وجبهة البوليساريو، فرضية محتملة تنفيذها عن بعد يشير إلى الحرص على عدم ترك علامات يمكن عن طريقها تحديد الجهة المنفذة |
وان أول بلاغ لوزارة الداخلية استعمل عبارة فيها كثير من الدلالات، وذلك حين دعا إلى جعل التصالح العليا للوطن قول كل الاعتبارات .. فهذه العبارة بالإضافة إلى الحالة أو الأولوية الأمنية التي ستدخل فيها البلاد يسبب هذه التفجيرات قد تستعمل الإجهاض الحراك الشعبي الديمقراطي بدعوى أن المصلحة العليا للوطن السلة في التماسك المجتمعي، ومواجهة الأخطار المحتملة التي لا تزال قائمة، كما ورد في مبادرة وزير الداخلية.
جبهة البوليساريو
وهذه الفرضية ممكنة، من خلال الحيثيات التي تضمنتها المعلومات المتوافرة إلى الآن، ويمكن في هذا السياق الحديث عن مؤشرين :
- الطريقة الإيجابية التي اعتمدها المغرب في التجاوب مع حركة الله الديمقراطي في العالم، وإعلانه عن تدشين حزمة من الإصلاحات وفي مقدمتها الإصلاحات الدستورية.
- المكاسب السياسية التي حققها المغرب مؤخراً فيما يخص ملف وحدثه الترابية والفشل الذي تعرضت لها جبهة الأمن (۱۹۷۹) الذي يشير إلى تحول في التوقف الدولي وميزان القوى العالي في تعاطيه مع قضية الصحراء الغربية .
هذان المؤشران قد يدفعان بهذه الفرضية إلى أن تكون . وفي جميع الأحوال فإن هذه الفرضيات كلها تشير إلى أن المستهدف الحقيقي من هذه الضربات ليس السياحة الغربية، وأن هذه الرسالة يمكن أن تكون مقصودة للتغليط وإخفاء الجهة المنفذة وأهدافها الحقيقية، ليبقى المستهدف الحقيقي هو مسلسل الإصلاحات التي انطلق مع الحراك الشعبي الديمقراطي.