العنوان يوسف إسلام: دراستي للقرآن جعلتني أوقن أن هذا هو الطريق الوحيد
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يناير-1986
مشاهدات 76
نشر في العدد 750
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 14-يناير-1986
«الحمد لله الذي من على بنعمة الإسلام، وقد قرأت أن سيدنا عمر رضي الله عنه قال: لا يعرف الإسلام من لا يعرف الجاهلية، ولولا أنني درست الإسلام من مصدره الأول: القرآن الكريم، لما عرفت الإسلام»
بهذه الكلمات يبدأ المغني السابق كات ستيفنز الذي عرف بعد إسلامه باسم يوسف إسلام حديثه إلينا في لقائنا به أثناء زيارته الأولى للكويت مؤخرًا.
وقصة يوسف إسلام أو كات ستيفنز مثيرة للعديد من التساؤلات منها مثلًا: ما الذي حمل هذا المغني الشهير على اعتناق الإسلام والانقطاع تمامًا عن حياته السابقة التي كانت ملؤها الشهرة والمال والتكريم وهي أمور يتمناها أكثر الناس في عصرنا المادي الحاضر؟ وما هو موقف يوسف إسلام من ماضيه؟ وماذا يفعل الآن؟ وما رأيه في الحضارة المادية المعاصرة؟ ثم من هو وماذا عن أسرته وحياته الخاصة؟
الغربيون والإسلام
للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها كان لنا هذا اللقاء بيوسف إسلام الذي أحدث إسلامه صدمة كبيرة لدى المعجبين به في أنحاء كثيرة من العالم، حتى أنه عندما ألقى محاضرة في غرفة التجارة والصناعة بدولة الكويت كان عنوانها:
الطريق إلى حياة جديدة، وقد حضرها عدد كبير من هؤلاء المعجبين المندهشين، قامت إليه إحدى السيدات الأجنبيات وبيدها كتابان وأعلنت إسلامها أمام الملأ. وقد فعل هذا كثير من الناس عند لقائه بيوسف إسلام أثناء تجواله في مناطق شتى من العالم إنه فتح جديد ونصر عظيم من الله لهذا الدين الذي تعهد بحفظه بقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:9)، وحفظ القرآن هو حفظ الإسلام، فماذا لدى يوسف إسلام اليوم؟
يقول الأخ يوسف إسلام: إن دراستي للقرآن الكريم جعلتني أوقن أن هذا هو الطريق الوحيد أمام الإنسان وللإجابة عن أسئلتكم أود أن أبدأ بالسؤال الذي يقول: كيف ينظر الغرب إلى الإسلام؟
فأكثر الغربيين يعتمد على ما توفر لديهم من معلومات عن الإسلام، وكانوا من قبل يعتمدون على الكتاب المشوه واليوم يعتمدون على وسائل الإعلام المسموعة والمرئية. وكلها كما لا يخفى بيد أعداء الإسلام وإلى عهد قريب كان أكثر من 80% من الكتب الإنجليزية المؤلفة عن الإسلام هي من تأليف كتاب غير مسلمين. ولعلكم تلاحظون أنني لم أذكر شيئًا عن قيام المسلمين المهاجرين إلى الغرب بالدعوة إلى الإسلام، لأن كثيرا منهم جاء إلى تلك الديار لأسباب اقتصادية أو أمنية أو بحثًا عن حياة أفضل، وكما قال الإمام علي كرم الله وجهه لا يعرف الحق بالرجال ولكن تعرف إلى الحق تعرف أهله. فالغربيون لم يلجئوا إلى المسلمين لمعرفة الإسلام ولو فعلوا ذلك لما عرفوه على حقيقته.
الإسلام دين العنف في نظر الغربيين!
والواقع أن الغربيين من يهود ونصارى لا يعرفون حتى دينهم، إذ إنهم يعتمدون في ذلك كما على القساوسة والرهبان الذين يصوغونه لهم كما يشاؤون. فإذا جهل هؤلاء القوم دينهم فكيف يعرفون الإسلام؟ فنظرة الغربيين إلى الإسلام تقوم على نظرتهم إلى الحياة وإلى الدنيا وهي نظرة مادية صرفة، فكل ما يرونه من الدنيا هو ظاهرها وقشورها فقط، فينظرون إلى الصلاة مثلًا على مجرد حركات رياضية، وإن الإسلام هو فن العمارة وما خلفه القدماء من ملابس وغيرها، والسبب في ذلك هو أن المسلمين لم يشرحوا الإسلام للغربيين بلغاتهم، ومن مصادره الصحيحة.
وبالنسبة لي فقد كانت لدي فكرة سابقة عن الإسلام مفادها أنه قومية معينة أو أنه دين جنس محدد، كالعرب أو الأتراك ولا شيء غير ذلك.
كما أن الإسلام في الغرب يصور على أنه دين العنف وأن المسلمين عبارة عن رجال سمر عابسين يشهرون أسلحتهم في وجه الرجل الأبيض الطيب القلب تمامًا كما هي صورة الهنود الحمر تجاه رعاة البقر في العالم الجديد. فهي صورة مشوهة مقلوبة تمامًا. لذلك على المسلمين أن يغيروا هذه النظرة ولنبدأ بالسلوك وأول مظاهره الابتسامة، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «وتبسمك في وجه أخيك صدقة» لنبتسم ونشعر الناس بأن الإسلام شعاره الحب والسلام ولنغير هذه النظرة بدعوة الغربيين للاطلاع على حياتنا وجمال إسلامنا عندها نغير نظرتهم ونكسبهم إلى هذا الدين، وقد جربت ذلك مرارًا مع کثیرین منهم فوجدت تجاوبًا طيبًا.
المطلوب معرفة مكونات العقلية الغربية
ويمضي الأخ يوسف إسلام في حديثه عن موقف الغربيين من الإسلام فيقول: وحتى تفهم عقلية الإنسان الغربي لا بد أولًا أن تفهم مكونات هذه العقلية، ولا بد من أن تعرف خلفيتها وألا تتعصب ضدها كما تتعصب فهي ضدنا، فالناس جميعًا لآدم والغربيون إخوتنا في الإنسانية وقد لاحظت أن بعض الإخوة من الأفغان يلقبون كل إنسان أشقر الشعر أزرق العينين بأنه خواجة وأنه مخلوق غريب، ولنذكر حديث رسول الله صلى عليه وسلم: «يولد ابن آدم على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» فقد درب الغربيون كذلك على الثقافة الرومانية اليونانية، فهم يقدمون هذه الثقافة ويعتبرون أنها هي الحضارة المثالية. والحق أن المجتمع الغربي مجتمع وثني، فهو يجهل الله، لذلك يؤلهون الإنسان كما هو الحال في تراثهم الشعبي من الأساطير والصور والتماثيل التي لا تزال تملأ ساحاتهم وميادينهم العامة. وقد كان الحال كذلك بين العرب في الجاهلية قبل الإسلام. ولما جاءت النصرانية أخذت تتكيف مع التراث اليوناني الغربي، فقد حولوا نظرتهم إلى الإنسان الإله وأطلقوها على عيسى عليه السلام، وخلعوا عليه صبغة الألوهية، وبذلك أوقع التربويون أنفسهم في مشكلة كانوا في غنى عنها. إذ نظروا إلى أن الإنسان كامل وبوسعه أن يصل إلى الكمال، ولما فاجأهم الواقع بأن الإنسان خطاء وأنه ضعيف وأن الكمال لله وحده لفقوا قصة الفداء وألصقوها بعيسى وقالوا بأن الله أرسل ابنه للتكفير عن خطايا البشر، كل ذلك بسبب جهلهم بحقيقة الله.
ويحدثنا الأخ يوسف من نفسه قبل إسلامه فيقول لقد كنت أعاني من هذه النظرة وأنا طالب بالمدرسة، إذ كنت أعتقد أنني إنسان كامل لا يخطئ أبدًا وكثيرًا ما كنت أتعرض لأزمات نفسية حادة ذلك وبسبب عدم التوافق بين هذا التصور المثالي الزائف للنفس وبين واقع الحياة، وقد اكتشفت بعد إسلامي أن المسلمين أناس واقعيون يقرون بضعفهم البشري ولا ينسبون الكمال إلا لله.
وينتقل الأخ يوسف إسلام إلى الماضي فيذكر ما خلفته الحروب الصليبية من عداء بين الغريبين للإسلام والمسلمين مع أن الواقع يقول بأنه عندما حكم المسلمون وفتحوا البلاد الأخرى فقد نعم أهلها بحرية تامة في اتباع دينهم بينما قاسى الناس الكثير من حكم النصارى لهم، بل لقد عانى من تعصب الصليبيين إخوانهم في الدين حيث أقاموا المذابح الفظيعة بسبب خلافات ثانوية بينهم وكذلك كان الحال حين حكم اليهود. أما المسلمون فقد تميزوا كإسلامهم بالتسامح دائما. هذا ما عرفته بعد أن درست القرآن وهذا ما حبب إلي الإسلام.
الدين المسيحي والتقدم التكنولوجي
ويأخذ الأخ يوسف بيدنا إلى الماضي القريب فيشير إلى التقدم العلمي والتكنولوجي الذي حققه الغرب، فقد أدى ذلك إلى انعزال الدين المسيحي من حياة الناس هناك، إذ إنه كان محاربًا لهذا التقدم مناهضًا له. ثم لم يلبث أن قدم تنازلات كثيرة شوهت معالمه وغيرت مبادئه لكنها ظلت عاجزة عن استقطاب الناس الذين فتنوا بالعلم واتخذوه دينًا لهم بدلًا من النصرانية، وحاربوا دينهم وعادوا كل دين.
وهذه هي المشكلة بين الغربيين اليوم، فقد فصل الناس هناك الدين عن الحياة وعن العلم: ولو عرف الغربيون الإسلام لتغير ذلك كثيرًا، لكنهم لا يزالون في هذه الورطة، لأن الإنسان كل إنسان يحتاج إلى الدين. خذ مثلًا موقف الغربيين المتشائم من العدد ١٣ واستشارتهم للنجوم لمعرفة حظهم إلخ، فهم يتخبطون لجهلهم وهم في أمس الحاجة إلى الإسلام.
ويتناول الأخ يوسف إسلام بالتحليل جانبًا آخر من فكر الغربيين فيقول إن موقف الغربيين من الموت هو موقف كله فزع وخوف من المجهول. فهم يخشون الموت ويحاولون إخفاء مظاهره بقدر الإمكان كما أنهم لا يؤمنون بما وراء الموت. واليهود يعتقدون أن الحياة الدنيا هي نهاية المطاف فهم لذلك يسرقون ويقتلون ويفعلون جميع المنكرات دون وازع من ضمير لأنه في زعمهم لا شيء بعد الموت وفي مقابل ذلك انظر إلى حال الإسلام وكيف ينشئ في قلب المسلم الحساسية الشديدة والضمير الحي والشعور بالمسئولية. كل ذلك بفضل نعمة الإيمان بالآخرة، وهكذا يستقيم المسلم بفضل آيات الحي بالله وبالدار الآخرة.
ويحلل الأخ يوسف إسلام وهو الرجل الغربي الفاهم للعقلية الغربية يحمل جانبًا آخر من جوانب العقلية الغربية فيقول: إن الرجل الغربي يعتقد أن الإسلام يمنعه أن يكون حرًا، وأن يستمتع بهذه الحياة ويقول: إنكم تريدون أن تمنعوني من عمل أشياء كثيرة لماذا؟ أريد أن أعيش دعوني وشأني، ونسي المسكين أنه إنما أطاع ربه وامتنع عن المحرمات فله أجره في الآخرة وله الجنة. لكن ذلك يغيب عنه وهو بجهله، لذلك فهو لا يرضى بالإسلام.
هذه هي عقلية الرجل الغربي اليوم كما يفهمها واحد من الغربيين وتظل مسئولية الدعاة إلى الإسلام أن يضعوها في الاعتبار حين يقدمون له هذا الدين. ونكتفي بهذا الجزء من لقائنا الأول مع يوسف إسلام لنكمل الإجابات عن بقية الأسئلة في اللقاء القادم بإذن الله.