; قوانين الأسرة بين ضعف النساء وعجز العلماء (الحلقة الأخيرة) | مجلة المجتمع

العنوان قوانين الأسرة بين ضعف النساء وعجز العلماء (الحلقة الأخيرة)

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-نوفمبر-1975

مشاهدات 398

نشر في العدد 275

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 18-نوفمبر-1975

قوانين الأسرة

بين ضعف النساء وعجز العلماء

ثالثا: قضية تعدد الزوجات:

تعدد الزوجات مارسته جميع المجتمعات بالفطرة فقد كان التعدد قائمًا لدى قدماء المصريين فرمسيس الثاني كانت له ثلاث زوجات.

 وكذلك فعل تحتمس الرابع وغيره من ملوك الفراعنة، وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم والتعدد منتشر بين العرب دون قيد أو حد، فعالج ذلك كغيره من المشكلات التي كانت قائمة فقصر التعدد على حالات الضرورة بشرط العدل والقدرة على أعبائه على ألا يزيد على أربع نسوة.

 وهكذا قال الرسول لرجل من ثقيف عنده عشر نسوة اختر منهن أربعًا وفارق سائرهن وفعل ذلك مع غيره من الرجال.

 إن تعدد الزوجات مشروع بضوابطه الشرعية وهي:

 1 - القدرة البدنية ويدخل ضمنها فوارق السن المخلة.

 ٢ - المساواة في المعيشة والحياة الاجتماعية.

3- إبطال أي تمييز في الميراث بين الزوجات أو الأبناء ولو ستر في أي عقد من العقود.

ولما كان البعض قد تأثر ببعض مساوئ التعدد وهي في حقيقتها ليست من مساوئ التشريع بل من مساوئ المجتمع ولا يصلحها كثرة القيود والتشريعات إنما يصلحها إصلاح النفس وخلق الوازع الديني وتربية الناس على الخلق الذي ضرب له النبي صلى الله عليه وسلم الأمثال بقوله «اللهم إن هذا قسمي فيما أملك

فلا تلمني فيما تملك ولا أملك».

 لما كان ذلك، فإيضاحًا لمقاصد التشريع الإسلامي وهو غني عن أي دفاع، ألقي نظرة على واقع المجتمعات المعاصرة ليعرف أبناء الأمة العربية أن التقليد ليس علاجًا وقبل ذلك نشير إلى مسألة تعدد الزوجات تحلها الحياة الاجتماعية ولا تحكمها قوانين الحكام وأراء الفلاسفة فقانون الحياة هو الذي يحكم هذه المسألة ومن هنا فالدول التي ألغت التعدد بالقانون، لم تحل المشكلة ووجد التعدد الخفي رغم أنف القانون والإسلام لم يكن بدعا في تشريع التعدد ولم يدع إليه إنما نظم التعدد القائم في المجتمعات على أساس إنه رهين بالحياة الاجتماعية وظروف البيئة. فقد كان التعدد لأكثر من عشر نسوة فحده إلى أربع. 

وقد كان التعدد نزوة فقط ولا حقوق للمرأة ولا للأولاد فرفعه إلى المستوى اللائق بالإنسان وأوجب على طرفيه عدة التزامات.

 والمجتمع يلجأ إلى التعدد لأسباب منها ما يكون مرجعه إلى الزوجة كعجز أو نشوز واستعلاء ومنها ما يرجع إلى أسباب إنسانية ومنها ما يكون سببه حفظ التوازن والعدل الاجتماعي للزيادة المضطردة في عدد النساء.

وأخيرا فالتعدد يرجع أصلا إلى النساء فإن أبت الزوجة الأولى البقاء بعد التعدد، فالإسلام لا يكرهها على ذلك، وإن رضيت فما بال غيرها يدخل نفسه فيما لا صفة له فيه، وكذلك الحال بالنسبة للزوجة الثانية.

التعدد عند الأمم الأخرى

 لقد كان التعدد مشروعا قبل المسيحية وظل كذلك بعدها إلى أن حرمته الكنيسة في القرن السابع عشر، والتاريخ لا يخفي أن ديارميت ملك أيرلندا كان له زوجتان وكان ملك فرنسا مثل ذلك كما تزوج فردريك الثاني من اثنتين بموافقة الأساقفة.

والشعب المسيحي اليوم لم يذعن كله لأمر الكنيسة رغم هيبته -في نظرهم- فالأناجيل تقرر أن مــا أحله رجال الدين المسيحي في الأرض يحله الرب في السماء وما طرحه هؤلاء في الأرض يحرمه الله السماء رغم هذا، خرج أكثر أهل الحبشة على الكنيسة في هذا وخرجت عليها أقطار العالم من أفريقيا وشرعوا التعدد غير مبالين بتعاليم الكنيسة.

 ولعل السبب في ذلك أن للتعدد أسبابا اجتماعية فما زال عدد النساء أكثر من الرجال ففي فرنسا نسبة الزيادة في الإناث ٢,٦ بالمائة ومن باب أولى نجد هذه الزيادة في البلاد العربية ففي مصر على سبيل المثال نشرت إدارة التعبئة العامة أن عدد الإناث سنة ١٩٦٠ في زيادة مطردة في كل المحافظات منها ما وصل إلى ١٥ ألف في محافظة واحدة

الأهرام ٤-١٠- ۱۹۷۱ 

وفي اليابان دلت الإحصاءات أنه لو تزوج جميع الرجال لظل عدد كبير من النساء بغير زواج ويصل عددهن حسب الإحصائيات إلى 1,141884وهذه ضرورة واحدة من ضرورات التعدد، ولا حل لها إلا بإحدى وسائل ثلاث: 

أن يساق العدد الزائد من النساء إلى سجون الأديرة أعني سجن الرهبنة لأن إدخال الفتاة الدير بغير رضاها أقسى من السجن

- أن يتخذ بعض الأزواج خليلات بجوار زوجته الشرعية وهذه شيوعية جنسية لها أضرار اجتماعية فضلا عن الأضرار الصحية الممثلة في الأمراض التناسلية، وهذا أخطر من تعدد الزوجات الشرعي.

- وعلى سبيل المثال لا الحصر دلت الإحصائيات أن نسبة الإصابة بالأمراض التناسلية بلغت في فرنسا خلال الحربين العالميتين ۷۰ بالمائة 

وبلغت نسبة المواليد سفاحـــــــا 50 المائة «نقلا عن الإحصائيات المنشورة في كتاب الإسلام والحياة الزوجية» 

«عثمان الشرقاوي»

 ولذلك نادى جوستاف لوبون إلى الأخذ بتعدد الزوجات ليتجنب المجتمع ويلات هذه الأمة من أخطار الخليلات ليتخلص القوم من الأولاد الذين لا أب لهم «اللقطاء». 

وناهيك عن الحال في ألمانيا حسبك أن تتبع أخبار فرقة الإنابينست التي شكلت في ألمانيا للمطالبة بالتعدد أما أمريكا فقد تكونت فيها خلال القرن تاسع عشر فرقة المورمون لهذا الغرض

 الحل الثالث والأخير هو إباحة تعدد الزوجات وهو الذي دعا إليه أساتذة الاجتماع في الغرب ومنهم «وستر مارك» طالب بالتعدد في كتابه قصة الزواج لتجد كل فتاة زوجا، ولتكون هناك مساواة اجتماعية بين النساء.

مناقشة لتشريعات عربية

 لقد منعت بعض التشـريعات العربية، التعدد ومنها ما جعله أمام القضاء لأسباب محددة.

 ولكن المشكلة لم تنته عند صدور مثل هذه التشريعات. فقد يكون ظاهر هذه القوانين الرحمة بالمرأة ولكن في الحقيقة هي تحمل في طياتها العذاب لها.

فالزوج في هذه الدول إذا أصر على التعدد فوسائله إلى ذلك هي:

 ۱ - تطليق الزوجة الأولى وفي هذا ضرر بها وبأولادها لذلك كانت تقبل مثل هذا التعدد ولكن بعد منعه كانت هي وأولادها ضحية هذا التشريع.

٢ - أن يلجأ الزوج إلى معاشرة زوجته الثانية بغير عقد والقوانين تحميه لأنها مأخوذة عن الغرب وعلاج الغرب للزنا علاج ليس مرده إلى الحلال والحرام بل إلى التراضي من عدمه.

 هذا فضلا عن صعوبة تدخل القاضي في خصائص الحياة العائلية والاطلاع على أسرارها وتدوين ذلك مما قد يسيء إلى مستقبل الأسرة والأولاد، ومثل هذا السبيل يؤدي بمن لا أخلاق لهم من الأزواج إلى اختلاق الأسباب المؤدية إلى أن يصل إلى النتيجة التي يبتغيها.

 فلهذه الأسباب وغيرها مما قد لا يدركه البشر، كانت نظرة الإسلام إلى المشكلة نظرة من خلال نظـرة الإنسان والحياة الاجتماعية على مر العصور والأزمان

المتباكيات على التعدد

فالإسلام يعالج مشاكل المجتمع على أساس غرائز البشر التي خلقها الله وهو أعلم بها.

 ولا يخفى على أحد أن الشرف والعفة لا يبقيان إلا في المجتمعات الشريفة وهي التي تتبع نظام الزواج بمعناه الحقيقي وهو الرباط المقدس المانع من وجود خليلات.

هذه المجتمعات تلحق بأبنائها ظروفا يخشى معها فقد العفة والشرف كزيادة عدد النساء على عدد الرجال في بعض الأزمان ولا سبيل لحفظ توازن الشرف والفضيلة إلا بإباحة تعدد الزوجات وكذلك الأمر في حالات إصابة الزوجة بمرض مزمن أو كانت عقيما وكان الزوج لا يستغنى عن الذرية.

 لقد أباح الإسلام تعدد الزوجات في هذه الظروف أو غيرها من الضرورات.

 لكن هذه الصورة من التعدد أو مبدأ التعدد ذاته يراه البعض غير متلائم مع المدنية الحديثة وهذا الجانب من الكتاب يقلد الغرب حيث نظام الزواج المؤيد الذي لا يتعدد ولا ينحل أبدا.

غير أن تعدد الزوجات في الإسلام ليس أصلا من أصوله والنص عليه جاء على سبيل الاستثناء كعلاج لمشكلة كثرة الأرامل والأيتام بسبب الحروب أو غيرها وذلك لمن كانت صحته تسمح بذلك وكان قادرا ماليا على هذا التعدد مع اشتراط إقامة العدل بين زوجاته.

وللأسف إن بعض النساء هن المتباكيات على قيام مبدأ التعدد بدعوى الحضارة والمدنية، فهل من الحضارة أن تحرم بعض الفتيات من هذه الفطرة الطبيعية الضرورية ويعشن عوانس وذلك لأنانية وأثره في نفوس غيرهن أهمت قلوبهن فرأین المشاركة في الحياة تأخرا ورجعية.

 وأما العلاج لدى القوم إذا أدت الحروب أو غيرها إلى زيادة عدد النساء؟ هل يتخذ المجتمع نظام الخليلات وتغتال الأخلاق وتطوى المكارم وهل تقوم الرجعية ويظل البكاء على قيام التعدد لو كانت المتباكيات هن أصحاب هذه المشكلة؟

 ثم ماذا جنت تلك الأرملة التي توفى زوجها في الحروب وزاد بذلك عدد النساء فهل تشارك غيرها في الحياة الفطرية أم تظل محرومة منها أم تعمل عملا دون ذلك.

وماذا يفعل الأوصياء على الأيتام في مثل هذه الحالات وهم يخالطون الأرامل بهذه الصفة هل يتخلون عن الأيتام وعن رعايتهن خشية نظرات المجتمع أم يباح لهم زواج هذه الأرملة.

أباح الإسلام مبدأ التعدد لهذه الضرورات وغيرها وجاء النص على هذه الصورة - قال تعالى:

﴿وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا﴾ (النساء:2-3)

 فالتعدد بهذه الصورة علاج لمشكلة غالبا ما تكون تزايد عدد النساء عن عدد الرجال وقد أوردت الآية الكريمة أهم أسباب وظواهر التعدد وهو زيادة الأرامل والأيتام بسبب الحروب أو غيرها إذ يصبح الزواج من الأرملة في هذه الحالة ضرورة إنسانية وعدالة اجتماعية.

فالأمر في التعدد متروك للمجتمع وظروفه فإذا زاد عدد الذكور عن عدد الإناث أو تعادل فالوضع الطبيعي أن يتمتع النساء بعنصر المقدرة وتكون الزوجة الواحدة هي الحل الأمثل والواقعي.

 

أفهام خاطئة

وقد ظن البعض أن الله أباح التعدد على الصور المشار إليها ثم اشترط فيه العدل ولكنه حكم بأنـه غير مستطاع ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ (النساء:129)

 وهذا فهم خاطئ لأن العدل المطلوب هو العدل الطبيعي للبشرية المستطاع بالنسبة للإنسان وهو المساواة في الحقوق والواجبات.

 والآية الأخيرة تعالج مشكلة أخرى فقد تنشأ مع التعدد وهي: ميل الرجل بكامل عطفه وحنانه وحبه إلى زوجة ثم حرمان الأخرى من هذه العواطف مع قيام العدل المادي بينهما.. ونبه الله تعالى إلى أن الإنسان بطبعه وغريزته لن يستطيع أن يعدل عدلا مطلقا بالنسبة للعواطف القلبية.

 ومن ثم عليه ألا يميل إلى إحداهما ميلا كليا ويذر الأخيرة في فراغ وتعطش حتى لا تصبح بالمعلقة لا هي متزوجة ومتمتعة بهذه العواطف القلبية فيسد هذا الفراغ بالزواج المشروع وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم في باقي الآية المذكورة بقوله 

﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (النساء:129)

 وهذا ما يفسره حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن عائشة قالت كان رسول الله يقسم ويعدل فيقول «اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك».

«يريد الميل القلبي».

هذا هو العلاج الأوحد:

 من دواعي الأسي والأسف أن بعض كتابنا ما زال متأثرا بمخلفات الاحتلال الأجنبي فيزن الأوضاع والأمور بأعين وبصائر الغرب فإن اتفق رأي الدين مع الغرب في ذلك فبها ونعمت، ولا ضرر عليه أن يكون ذلك باسم الدين، وإن اختلف رأي سادته كان الدين متأخرا ورجعيا لأنه وضع منذ أربعة عشر قرنا من الزمان.

 هؤلاء مرضى ولديهم شعور عميق بالدونية لفرط تقليدهـم للأجنبي وانعدام شخصيتهم. 

هذا الصنف من الناس أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ. أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (النور:49-50) فإلى هؤلاء الناس نسوق الحديث ونتساءل ..؟ 

ما المانع من الاحتكام إلى كتاب الله وسنة رسوله فيما يتعلق بمشاكل المجتمع، إن الشريعة لا مصلحة لها في محاباة الرجال أو النساء فلماذا يرفضون حلولها.

 يقول هؤلاء إن الدين رجعية لأنه المدنية وجاءت القوة والمصانع والمباني الشاهقة.

فعصر الصناعات الضخمة والعمران الشاسع والقوة العسكرية الجبارة لا ينبغي أن يحكم بقول جاء في عصر الخيام..

فعصر الصناعات والعمران ليس بجديد فقد قامت هذه منذ آلاف السنين وآثار الفراعنة وجثثهم المحنطة تشهد بذلك ولا اأدل من عجز عصر العلوم عن اكتشاف سر التحنيط لدى الفراعنة.

وكم قامت حضارات وصناعات ودمرت بسبب الدمار الخلقي الذي صاحب أصحابها وهذا ما سجله القرآن الكريم حين تعجب رسول الله هو من قومه عاد حيث ظنوا أن مصانعهم وقصورهم منعتهم من

عذاب الله.

 فقال تعالى حاكيا على لسان هود:

﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ. (الشعراء:128-129) 

فمقومات المدنية الحديثة كانت قائمة في القرون الأولى فقد بلغ العمران درجة وصفه الله بأنه آية وبلغت عظمة الصناعة حتى وصفها الصانع بأنها للخلود وبلغت القوة العسكرية حتى وصفها الجبار بالجبروت.

وبافتراض أن المدنية بمظاهرها أمر حديث ومن ثم لا يجوز أن يحكم بقوانين فيه قديمة. 

هذا الغرض هو الآخر لا يصدر إلا عن جهل مركب لأن الأمور المطلوب الاحتكام إليها لا تتعلق بفن المعمار وفن الحروب والصناعات وإنما تتعلق بأخلاق الإنسان وسلوكه وهي لا تتغير من زمن إلى زمن. 

فالصدق مقوماته كما هي منذ آدم وإلى أن تقوم الساعة وكذلك الرذيلة وهذه القوانين المراد الاحتكام إليها لا تمس مدنية القوم وقد صرح المشرع الإسلامي بذلك حيث قال صلى الله عليه وسلم «أنتم أعلم بشؤون دنياكم».

 قد يدعي القوم أن الحرية الشخصية والمساواة يستلزمان المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة وكذلك في حق إيقاع الطلاق وقيادة الأسرة.

 وهذا أيضا جهل مركب فالمساواة لا تكون إلا بين متماثلين ولا تماثل بين الرجل والمرأة في الأحوال المذكورة. 

فصداق المرأة ونفقتها على الرجل دائما رضي أم كـره ومن ثم فمن المساواة والعدل الاجتماعي أن يكون نصيبها في الميراث نصف نصيبه ولا سيما أن المال الموروث غالبا ما يكون من عمل الرجال وكدهم وكذلك الحال في قيادة الأسرة وانفراد الرجل بالطلاق أصلا لأن قيادة الأسرة لا تكون إلا لأقدر أفرادها وكذلك القيادة بين الرجال في المجتمعات لا تكون إلا لأقدرهم وقد تصبح بعض السيدات أقدر من بعض الرجال، وهذا نادر، والنادر لا حكم له، كما أنه يصبح لهن القيادة العملية.

 كما أن طبائع المرأة تختلف عن طبائع الرجل فهي تنتقل إلى بيته وتتبعه في الإقامة والسكنى، ولا تتحمل المرأة أي نفقة والرجل قوام عليها في كل ذلك فوجب أن يكون له حق قيادة الأسرة.

وطبيعة المرأة الخلقية تجعلها تختص بالحمل والوضع والرضاعة ومن ثم فهي ليست كالرجل ولا تتكافأ معه في هذه الأمور والمساواة الحقة تقضي بأن تكون له القوامة لهذه الأسباب فالمرأة تعجز عن حماية نفسها لضعف طاقتها في الأحوال المذكورة ومن ثم اختص الرجل بذلك وعلى من ادعى المساواة والحرية أن يحقق المساواة في هذه الظروف فيجعل الرجل هو المخطوب والمرأة هي الخاطبة ثم ليجعل النفقة على المرأة والحمل والرضاعة من اختصاص الرجل.

كما جهل القوم أن الله تبارك وتعالى لم يخفض نصيب المرأة في الميراث لمجرد أنها أنثى بل لأنها غير مسؤولة عن الإنفاق، ولهذا ميزها عن الرجل في الحالات الأخرى من ذلك وعلى سبيل المثال جعل للبنت نصف التركة إن كانت وحدها، وفي هذه الحالة للأب وهو رجل سدس التركة.

وقد فات القوم أن الغرب وصل إلى هذا الاعتلال من الحقوق والواجبات بسبب ما تعانيه المرأة في مجتمعاتهم من ظلم بين خلال القرون الماضية ومن ثم تطلع القوم إلى الممنوع لديهم فأسرفوا فيه وهم يعانون اليوم من مشاكله، وها هي إيطاليا تبيح الطلاق علاجا لمشاكل خطيرة فكيف بنا نلقي بأنفسنا إلى جحيم هذه المشاكل.

وفي الغرب تعدد الزوجات لا يجوز رسميا ولكنه قائم واقعيا وليس في حدود ضيقة ولضرورة كما هو في مجتمعنا بل التعدد الواقعي أمر طبيعي لديهم فالرجل له خليلات وصديقات بجانب زوجته الرسمية.

 والمرأة لها كذلك بالنسبة للرجال، وهذا إخلال بالحياة الاجتماعية وإفساد للبشرية كلها.

 والإسلام لم يبتدع نظام التعدد فقد كان قائما في جميع المجتمعات قبله وما جعله الإسلام هو أن هذبـه 

فاشترط المقدرة والعدل وقصره على الضرورات وحدده بأربع بعد أن كان التعدد يصل إلى عشر نسوة فأكثر.

 بل إن المرأة لم تأخذ حقها الطبيعي إلا في ظل الإسلام فليس للرجل أن يشاركها في أموالها أو أن يتدخل في هذا وعليه كامل النفقات مع أن لها ما له من الحقوق والواجبات.

حرية المرأة في الإسلام:

 لم تعرف المسلمة حرية كشف الصدور ولا حرية التجارة بالشرف والفضيلة، وإنما قد نالت المرأة في ظل الإسلام حرية حقيقية هي الحرية الاجتماعية وما رسمت ذلك عمليا بصورة عجز التاريخ أن يسجل مثلها وسيبقى إلى قيام الساعة.

وها هي امرأة من سواد الشعب تعارض عمر بن الخطاب أقوى حاكم إسلامي وذلك أمام الجماهير في المسجد عندما نادى بتخفيض المهور فوقفت معترضة على الحاكم وتمسكت بقول الله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (النساء:20) فقال عمر «أصابت المرأة وأخطأ عمر».

 كما جاءت فتاة إلى رسول الله وقالت: «إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته فجعل رسول الله الإمر إليها «إن شاءت أقرت ما صنع أبوها وإن شاءت أبطلته» 

فقالت قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن يعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء. (رواه ابن ماجه وأحمد وأبو داوود وقطع بصحته الحافظ ابن حجر وصاحب مجمع الزوائد)

وبهذه الجرأة وهذه العزة أعطى الإسلام للمرأة حقوقها كاملة غير منقوصة ومارست هذه الحقوق لنفسها وللنساء كافة الأمر الذي لا يستطيع نساء عصر من العصور ولو اجتمعن أن يأتين بمثله.

أيها المسلمون: إلى هذه الحرية ندعوكم رجالا ونساء وإلى هذا العلاج نرشدكم وحسبنا وإياكم قول الله تعالى:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا (الأحزاب:36)

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 19

559

الثلاثاء 21-يوليو-1970

لعقلك وقلبك - العدد 19

نشر في العدد 21

459

الثلاثاء 04-أغسطس-1970

مع العمال - العدد 21

نشر في العدد 28

456

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

لعقلك وقلبك - العدد 28