العنوان مصر: الشعارات المرفوعة يُكذبها الواقع والإجراءات الأمنية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-2000
مشاهدات 117
نشر في العدد 1417
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 12-سبتمبر-2000
تعيش الشقيقة الكبرى مصر منذ أشهر عدة أجواء سياسية تتسم بالقلق والتوتر بسبب الانتخابات البرلمانية المقبلة.
والواقع أن مصر عرفت الحياة النيابية منذ أكثر من قرن من الزمان، كما أنها مارست التعددية الحزبية منذ بدايات القرن الميلادي المنصرم، أجريت خلالها الانتخابات البرلمانية والمحلية وكذلك الانتخابات النقابية عشرات المرات، فليس منشأ القلق والتوتر أن مصر تخوض تجرِبة جديدة مستحدثة، ولكن السبب أن السلطة السياسية في مصر تريد إجراء انتخابات مفصلة وفق القياس الذي تحدده، ونتائج وفق الشكل الذي ترغب أن يكون عليه البرلمان الجديد.
ولئن كان التدخل الحكومي في الانتخابات ظاهرة معروفة منذ بداية هذا النهج السياسي المغلوط، إلا أنه أخذ تجاه الحركة الإسلامية على وجه الخصوص شكلًا سافرًا منذ الانتخابات البرلمانية السابقة التي جرت عام ١٩٩٥م، ففي ذلك العام ومنذ شهره الأول، بدأت حملة أمنية واسعة ضد التيار الإسلامي، ولم يحل موعد الانتخابات العامة حتى كانت قد نصبت أربع محاكم عسكرية لمحاكمة العشرات من أبناء التيار الإسلامي، أكثرهم من الرموز السياسية والاجتماعية المعروفة التي كانت ستخوض الانتخابات وتكون من بين ممثلي الشعب.
ومن أفلت من المحاكمة من المرشحين لم يفلت من التدخل السافر ضده سواء في الجولة الأولى من الانتخابات أو في الجولة الثانية، ولم يسمح لأحد أن يمر عبر تلك البوابات الأمنية التي سلبت الناخبين حقهم في أن يروا داخل البرلمان ممثليهم الحقيقيين الذين أعطوهم أصواتهم وثقتهم.
المشهد يتكرر هذه المرة وإن بشكل مختلف، ففي أكتوبر من العام الماضي ألقت قوات الأمن القبض على عشرين من أبرز الشخصيات النقابية في مصر وإحالتهم إلى المحاكمة العسكرية، وعلى الرغم من أن السلطات المصرية تبرر إحالة المدنيين إلى القضاء العسكري، بأن ذلك يستهدف سرعة البت في القضايا، فقد مضى أحد عشر شهرًا دون أن تنتهي المحاكمة، وقد حدد أكثر من أجل لإعلان الأحكام، لكنها لا تلبث أن تؤجل، وكان آخر موعد أعلن هو السابع من نوفمبر المقبل، على الرغم من أن إجراءات المحاكمة قد انتهت منذ يوليو الماضي.. وقد حدا ذلك الأمر بالمراقبين إلى القول إن السلطات المصرية تحتجز النقابيين العشرين رهينة لديها للضغط على الحركة الإسلامية وابتزازها والتأثير على قرارها بشأن الانتخابات البرلمانية.
وبعد المظاهرات التي خرجت في القاهرة للاحتجاج على نشر وزارة الثقافة المصرية رواية نمس الذات الإلهية والرسول ﷺ والقرآن الكريم، أعطت الجهات الأمنية إشارة البَدْء في حملة اعتقالات طالت حتى اليوم قرابة ستمائة شخص ما بين مرشح محتمل في الانتخابات المقبلة أو مساعد نشط لأحد المرشحين ومن يفرج عنه من هؤلاء بتعرض للإرهاق المادي المتمثل في دفع كفالة مقابل الإفراج عنه والضغط النفسي؛ حيث يظل ملفه مفتوحًا يمكن أن يحال بسببه إلى المحاكمة في أي وقت.
ولم تقف الحملة الإرهابية عند هذا الحد، فقد نشر أن مسؤولي الأمن في محافظات عدة طلبوا من عدد من قيادات الحركة الإسلامية عدم الترشح للانتخابات، وإلا فسيتم القبض عليهم قبل تقديم أوراق ترشحهم، ومن يخالف ذلك فلن يمكن من الفوز في الانتخابات.. بل وصل الحد إلى تهديد بعض أكبر قيادات الحركة بالضرب إذا أصر على ترشحه!
ثم وجد معتادو التزوير ومدمنو البلطجة أنفسهم في موقف شديد الحرج بعد أن حكمت المحكمة الدستورية العليا في الثامن من يوليو الماضي ببطلان انتخابات عام 1990م و١٩٩٥م؛ لأنها لم تجر تحت الإشراف القضائي الكامل.. وأدركوا أن مهمتهم اللاأخلاقية ستكون أصعب في ظل الإشراف القضائي على الانتخابات، ولذلك فقد تمادوا في إجراءات الحد من حركة التيار الإسلامي قبل الانتخابات، ولا ندري ماذا يدبرونه للمدة المتبقية حتى إجراء الانتخابات.
وحتى بالنسبة للإشراف القضائي، فإنهم- بعد أن صدموا بقرار المحكمة الدستورية- يسعون إلى إفراغ الحكم من مضمونه؛ إذ من المهم أن يتوافر عدد من الضمانات التي تكفل قيام القضاء بمهمته فعليًا لا صوريًا، ومن ذلك أن يتحقق للقضاة استقلاليتهم في الحكم على العملية الانتخابية، مثلما هو الحال أثناء جلوسهم على منصة القضاء، كما لا ينبغي أن يتم انتقاء عناصر معينة من القضاة دون آخرين ولا يترك للسلطة التنفيذية حق تقرير مكافأة القضاة على ما بذلوا من جهد، ولا بد أن تحفظ كرامة القاضي فلا يتعرض للمضايقة أو الإيذاء أو سوء المعاملة مما قد يدفعه للاعتذار عن عدم القيام بهذا الواجب، وأن يمكن من أداء مهمته وأن تتوافر له الحراسة المناسبة وهو أمر مشكوك فيه لأن انحياز الشرطة واضح ومعروف وحتى الآن لم يتضح كيف يمكن تحقيق تلك الضمانات لسلامة الإشراف القضائي على الانتخابات.
إن تلك التصرفات المنافية للشرع والقواعد العدالة ومبادئ القانون لا تخرج إلا من رحم حكم فردي دكتاتوري مهما تشرق بانتسابه للديمقراطية أو احترامه للقانون وهو وضع يسيء إلى أقطارنا العربية والإسلامية التي نعمت بالشورى والعدالة قرونًا طويلة من قبل أن يستعبدها العسكر والمنقادون لأوامر الغرب، وأصحاب المطامع الشخصية والآداب الخاصة.
فإلى متى يستمر هذا الوضع السبي؟
والغريب أن نجد أن منظمات حقوق الإنسان والدول الغربية التي تتشدق بالديمقراطية تقف مكتوفة الأيدي إذا كان المضطهد أو المغتصب حقه من العناصر الإسلامية ذات الرؤية الواضحة في مستقبل بلادها، والتي تدعو إلى تحكيم شرع الله في عباده.
إن من حق تلك الشعوب التي طال عليها ليل الظلم أن ترى نور الحرية والعدل، وأن تنقشع عنها غشاوة الأحكام العرفية والطواري، وأن يترك لها حرية اختيار ممثليها، خاصة إذا كانوا ممن عرف عنهم الإخلاص والعمل الجاد، وسلامة القصد، وأن ينزاح المزورون والدجالون من طريق الشعوب قبل أن تدوسهم بأقدامها، أما تلك الإجراءات الأمنية فقد تعرقل المسيرة حينًا لكنها لن توقفها على الدوام.