; بيت بتسعمائة ألف | مجلة المجتمع

العنوان بيت بتسعمائة ألف

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 28-فبراير-2009

مشاهدات 66

نشر في العدد 1841

نشر في الصفحة 54

السبت 28-فبراير-2009

الزيارة في الله لإدخال السرور على قلب مسلم ليس لها جزاء إلا الجنة

كم يكون ثمن بيت لبناته ذهب وملاطه مسك وترابه زعفران وحصباؤه اللؤلؤ في أرض البقاء والخلود؟

ما أجمل أن تلبي دعوة من دعاك من إخوانك لتزوره في الله وتدخل السرور على قلبه المحب فتفوز بالخير الكثير في الدنيا والآخرة وقد قال .. من أدخل على أهل بيت من المسلمين سرورا لم يرض الله له ثوابا دون الجنة، (رواه الطبراني)...

وحتى يمتد رباط الألفة ويزيد، وتقوى أواصر المحبة وتشتد فقد ليت أختنا دعوة صديقتها وأختها في الله، واستجابت لرغبتها في الزيارة بصحبة بعض الأخوات تهنئة لها بالبيت الجديد الذي انتقلت إليه مع أسرتها الصغيرة. كان استقبالًا حارًا منها الجميع المهنئات محفوفا بكرم الضيافة العربية الأصيلة والتي عرف بها المسلم، وما هي إلا لحظات معدودات حتى ازدحمت السفرة بسائر أنواع المأكولات الطيبة، والرزق الوفير مما تشتهيه النفس ويستحسنه الذوق وتأكل منه العين قبل أن تمتد إليها الأيدي.

البيت الواسع..

وقد أحسنت أختنا المضيفة من أصول الطبخ، وأجادت ترتيب المائدة ونالت إعجاب صديقاتها من الحاضرات لتقديم التهاني بالبيت الجديد، الذي لا يسعك حين تنظر إليه إلا أن تشكر الله تعالى على نعمة الستر والحفظ والصيانة وتدعوه شاكرًا أن انعم بالبيت الواسع الذي يذكرك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه أنه من السعادة التي ينشدها الإنسان في دنياه، إذ ما أجمل أن يكون البيت واسعًا مريحًا فترتاح اعصاب ساكنيه. ويعم السكن المكان، فيسع الوالدان أولادهما في كل حال، ليكون الحب والعطف الدثار لهم، والرعاية والإحسان حظهم.. إننا نحتاج بحق لسعة الصدور كما نحتاج لاتساع الدور. تمنيت من أعماق قلبي أن يتسع هذا المنزل الأهله وأصحابه، كي تتسع معه صدورهم هم الآخرين لما يجري ويدور حولهم من أحداث وما يحدث في دنياهم من أضداد، فيقبضون معها على دينهم، ويثبتون عليه مهما كانت العوائق والعقبات، ووددت أن تتسع كذلك العقول لما تسمعه من علوم، وما تعيه من مواعظ، فتعلم في ساعة الغيظ، وتكظم في أوقات الغضب، وتصبر على الأواء الحياة التي لا تستقر على حال.

البنيان العظيم...

ثم جلسنا معًا على مائدة القرآن الكريم وارتشفنا منه ما يسر الله تعالى لنا ذكره. وبعدها تناولنا حديثًا شريفًا بمناسبة البيت الجديد يذكرنا بالبنيان لكنه هنا بنيان الإسلام العظيم، إذ ما اشبهه بالمناسبة. فكما أن هذا البيت الجديد يستند على قواعد وأساس، ويقوم على أصول واركان إن فقد بعضها أصبح ضعيفًا واهنًا يوشك أن يسقط، وبالفعل قد ينهار، فكذلك الإسلام بني على أصول ثابتة وقواعد راسخة ينبغي المحافظة عليها فلتنتبه لذلك، ولتحاول باستمرار تقوية اساسه وحفظ قواعده وصيانته عما يوهنه، تمامًا كما تفعل مع هذا البيت الجديد! 

بيت للبيع ...

ودار بين الصديقات بعض الكلام والحوار الطيب وكان من أعجبه ذلك الحديث الذي دار حول بيت كبير في شارع قريب من تلك الدار، قد وضعت عليه لافتة تعرضه للبيع وليس في ذلك شيء غريب إنما الغريب في الأمر أن هذا البيت قد عرض للبيع بتسعمائة نعم بتسعمائة ألف جنيه (استرليني) أي ما يقارب المليون من الجنيهات الإنجليزية وتساءلت في نفسي.. بيت في دنيا الناس بمليون جنيه إسترليني؟! أمر عجيب ربما ليس عجيبًا لدى فريق من الناس الذين اعتادوا أسواق البيوت وخاضوا غمارها، وحفظوا أسعارها وتنافسوا في شرائها وامتلاكها ربما بتلك الأسعار المليونية من هؤلاء من يريد الدنيا فيشتري رياء ومباهاة ومفاخرة، ومنهم من يريد الآخرة، فيجعل ذلك سبيلا إليها، فهو يملك الدنيا لكن الدنيا لا تملكه، وعندئذ فلا اعتراض فإنما الأعمال بالنيات، وعلى ذلك فلا جناح عليهم طالما كان كسبهم من حلال وكانت الحاجة منهم لذلك، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.

حوار النفس لنفسها...

لكن ما أوقفني هنا هو حوار نفسي إلى بعضها كحوار الأخت لأختها، فهتفت قائلة: إنه حقا لا بد وأن يكون ذلك البيت الكبير جميلا من الداخل، وواسعا ومتعدد المرافق لكنه غالي الثمن، فإذا كان هذا ثمنه وهو مصنوع من الطوب والحجارة، وأرضه من الخشب أو البلاط، وهو مع هذا في دنيا الفناء.. ترى كم سيكون ثمنه لو كان لبنة من ذهب ولبنة من فضة أو كان ملاطة المسك وترابه الزعفران، وحصباؤه اللؤلؤ والياقوت وكان بناؤه في أرض البقاء والخلود؟! بيت في دنيا الناس بهذا الثمن لا بد وأن له مميزات تميزه عن غيره من البيوت الأخرى التي هي كثيرة، ومع ذلك فإن مما يعيبه ويزهد فيه أنه حكر على أغنياء الناس. ثم واصلت النفس نجواها إلى اختها، وتلقي بسؤال يعيد إليها ثقتها، ويعمر بحب الله قلبها، وكاني بها تقول.. إذا كان بيت بالمليون، وهو مع هذا قد لا تهدأ فيه النفس وقد لا تقر العيون، وليس فيه من أثاث يذكر او انهار تجري وعيون فماذا لو كان بهذا البيت من المتاع والنعيم والخيرات مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؟! 

وصلت النفس وهي قائمة إلى قمة تفكيرها واحسنه، وقالت: حقا إنه بيت في بنائه ما اتقنه .. لكن.. اين هذا البيت من ذلك الملك الكبير الذي بشر به الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: «إن للمؤمن في الجنة الخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلًا للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضًا» (البخاري) وأيقنت بذلك أنها للمؤمن مأوى ومسكن فقيرًا كان أم غنيا فهو في مأمن فاستبشرت .. ثم تابعت سؤالها لأختها وواصلت نجواها وهي تقول لنفسها.. الا يمكن لنا أن تكون من أصحاب تلك البيوت الواسعة لامتلاكها والسكنى في قلبها، إنها تتطلب وتحتاج إلى تقديم الألوف بل الملايين؟

أقصد ملايين الحسنات وليس الجنيهات نقدمها بطيب نفس دون تردد أو احتجاج نعم، أيها الإنسان، فأنت مهما ملكت في هذه الحياة فإنك والله العطاء ربك الفقير ... وأنت بحاجة في الآخرة إلى بيت يؤويك، أو قصر يحميك من عذاب السموم ومن لفح نار جهنم، ليطيب عيشك ويهنا بالك، ويذهب عمك في دارك الحقيقية الباقية دار السلام، لك فيها من الحب والرضا والإكرام، بعد طول جهاد وسهاد في دنيا البلاء والتمحيص... بعد نصر على النفس الأمارة بالسوء وعلى إبليس.. انت بحاجة لبيت تسكن فيه وتنعم دون قيود، بعد أن صرت في دار الخلود... فهل لذلك من سبيل؟

عقد الشراء والتمليك...

نعم.. السبيل معلوم لكل ذي لب حصيف وما عليك إلا أن تكتب عقد الشراء والتمليك وتوقع عليه بمداد الإيمان والإحسان موافقًا على الشروط التي تؤهلك لامتلاكه والإقامة فيه وتقي بمضمونه الذي يحفظه لك من الضياع وتتعهد بما كتب على سطوره من ضرورة الإلتزام بالعهد والوفاء ببنوده... وتجيب مخلصًا داعي الله لتهتدي إليه: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (يونس: ٢٥)... فقط اعقد العزم وتوكل على ربك، وحاول ولا تبتئس... إن بإمكان أي منا أن يستعين بمولاه ويطلب منه القوة والحول ليجعل له بيتًا ... لكنه ليس كأي بيت من بيوت الدنيا.. لأنه من بيوت الجنة.. هو بيت يتملكه الفقير والغني والرجل والمرأة والضعيف والقوي. بيت يتملكه الجميع على السواء مع اختلاف في درجاته وعلو طبقاته تبعا لساكنيه ومدى رغبتهم وهمتهم في طلب سكناه.. فهم كما قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (آل عمران: ١٦٣).. وهي كما قال صلى الله عليه وسلم: «الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» (صحيح الجامع)... بيت قد يكون في طرف الجنة أو في وسطها وقد يكون في أعلاها وهو أفضلها وأغلاها ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: ٢١).. وحينئذ في تلك الجنة سوف يكون مستقرك ومنتهاك ومقرك في بيتك الذي فزت به برحمة ربك ومولاك الذي عقدت معه صفقة البيع والشراء فوهبك إياه ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: ١١١)...

سارع لدخول البيت..

فسارع معي لشراء ذلك البيت.. بنية لله وإخلاص، وإيمان صادق بلا شك أو التباس بتوحيد خالص لله وحب.. وطاعة لرسوله فيما تكره وما تحب.

قد يكون الشراء بسجدة طويلة نسجدها لله في جوف الليل بعد عناء وطول كد.. بدمعة من خشية الله في خلوة تسيل وتتحدر على الخد.. أو بصدقة تخرجها اليدان في السر دون إحصاء لها أو عد.. بمسح رأس يتيم وإطعام مسكين ولو قدر مد .. بجود وكرم وسخاء يد.. بكلمة طيبة وخلق حسن ووفاء بالعهد.. بصلاح بيت وتربية ولد من كان في المهد.. بير والدين وصلة رحم وبذل للجهد... بمجالسة الصالحين وأخذ النفس بالزهد... بإحسان للجار وإكرام للضيف... بصلاة وزكاة وصيام في الصيف...

بيت قد تناله وتشتريه بأخوة صادقة وعدل في القول.. بتطهير القلب والجوارح وتبري النفس من حولها والطول بإفشاء السلام، وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام ستنأى وتنهي عن فعل المنكر، وتعمل بالمعروف و به تأمر.

الرابط المختصر :