; الفرقة بين المسلمين.. أسبابها وعلاجها (6) | مجلة المجتمع

العنوان الفرقة بين المسلمين.. أسبابها وعلاجها (6)

الكاتب د. محمد عبد الغفار الشريف

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أكتوبر-1981

مشاهدات 77

نشر في العدد 548

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 27-أكتوبر-1981

 

  • التعصب مذموم ولو كان تعصبًا للحق
  • ‎العصبية ما هي إلا بقية من رواسب المجتمع الجاهلي في نفس المسلم
  • ‎المبالغة في تقديس الأشخاص طريق للشرك بالله كما وقع في قوم نوح عليه الصلاة والسلام
  • ‎لقد كان الرجل من الصحابة حين يدخل الإسلام يخلع على عتبته كل ماضيه في الجاهلية.
  • ‎إذا انعقدت آصرة العقيدة فالمؤمنون كلهم أخوة ولو لم يجمعهم نسب ولا صهر

التقليد الأعمى

‏وهو التقليد الذي لا يكون على بصيرة، بل لمجرد العصبية والهوى، كما هو حال ‏ ‏كثير من الذين كفروا بربهم وبأنبيائه عليهم الصلاة والسلام. قال الله تعالى ﴿وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ (الزخرف:23)

 وقال الله عزوجل عائبًا لأهل الكفر وذامًا لهم ﴿إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا هَٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيٓ أَنتُمۡ لَهَا عَٰكِفُونَ قَالُواْ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَٰبِدِينَ﴾ (الأنبياء:52-53) وقال سبحانه وتعالى حاكيًا حال أهل النار يوم القيامة ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾( الأحزاب:67).

وهذا التقليد سبب أساسي من أسباب الفرقة بين المسلمين، فنرى الكثير من عامة المسلمين يعادون إخوانا لهم في العقيدة لا لشيء إلا تقليدًا لكبرائهم- الذين يحملونأوزارهم وأوزار الذين أضلوهم بغير علم، دون أن ينقص من أوزار هؤلاء شيئا.

وقد يتضاعف هذا التقليد في المجتمع ويولد صورًا مذمومة منها:

1-التعصب: - (1)

والتعصب مذموم ذمه الله تعالى في كتابه العزيز، قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ (الفتح:26) وذمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال دعوها فإنها منتنة، وفي رواية «فإنها خبيثة» رواه البخاري.

وهو مذموم ولو كان تعصبًا للحق، لإنه قد يؤدي بصاحبه إلى أن يمزج الحق بالباطل لينتصر على خصمه، أو قد يجعله يتصرف تصرفًا لا يليق بصاحب الحق - وإنما الذي يليق بصاحب الحق هو الالتزام بحقه والثبات عليه والعصبية تتنوع ف صورها فقد تكون لحزب أو قبيله أو فئة أو مذهب أو طريقة أو شخص أو راي .... الخ.

والعصبية ما هي إلا بقية من رواسب المجتمع الجاهلي في نفس المسلم، كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم، روى البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى عن أبي ذر رضي الله عنه أنه عير رجلًا بأمه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنك امرؤ فيك جاهلية» والذي يحز في النفس أن هذا التعصب قد عم وطم ، واستفحل شره، وتتطاير شرره حتى وقع في مضارب الدعاة أنفسهم، ولأثبت صحة قوي، وأنه ليس نسجا من الخيال انقل ما كتبه أحد الدعاة بتاريخ ‎٢٥‏ جمادى الأولى سنة1401 ه‏ في إحدى المجلات الإسلامية الأسبوعية كدعاية لشيخ طريقته، ولكنه من شدة حماسه، وإفراطه في تعصبه بالغ في ثنائه على شيخه، وكتب كلامًا لا يقره عقل، ولا يؤيده واقع، ولم يوزن بميزان الشرع الحنيف، فمما كتبه في معرض ثنائه على منهج شيخ طريقته ما يلي:-

«بذلك استفاد بهذا المنهج عموم المسلمين، فقل استخدام الحديث الضعيف، وعظم تحري الناس للحق، وابتدأ الناس فهم الدين بطريقة علمية مبنية على الدليل أو البرهان بعد أن كان أخذ الدين وتلقيه سائرًا بطريق التقليد والعشوائية، وتجمع الصحيح مع الضعيف، والشرك مع التوحيد، والهدى مع الضلال، والبدعة مع السنة».

ولا شك أن هذا الكلام خطير، ومناف للعقيدة الإسلامية- إذا قصد لازمه لإنه يعارض قوله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحج:9). فلازم كلام هذا الأستاذ الداعية أن الدين قد تغير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاختلط فيه الشرك بالتوحيد، والضلال بالهدى، والسنة بالبدعة، وظل المسلمون يتخبطون في الظلمات حتى جاء شيخ طريقته في القرن الخامس عشر الهجري فبين للمسلمين الدين الصحيح. أي باختصار أن الدين كان ضائعًا حتى جاء سيخه!!

وأنا أحسن الظن بهذا الأستاذ الداعية، ولا أظن أنه قصد ذلك، ولكن الذي أوقعه في هذا الخطأ الفاحش هو الإفراط في التعصب. والذي اعتقده أن مثل هذا التعصب لا يليق بالمسلم العادي بله الداعية إلى الله

قال الشاعر:

يا أيها الرجل المعلم غيره

هلا لنفسك كان ذا التعليم

أبدا بنفسك فانهها عن غيها

فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

لا تنه عن خلق وتأتي مثله

عار عليك إذا فعلت عظيم

أما الذي حدا بي إلى نقل مثل هذا الكلام، والتعليق عليه هو تنبيه الدعاة جميعا إلى مغبة التعصب، وأنه قد يوقع صاحبه فيما لا تحمد عاقبته. فنسأل الله السلامة لنا وللمسلمين.

2- تقديس الأشخاص:

‏قال الله تعالى ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (نوح:23)

‏روى البخاري عن ابن عباس رفض الله عنهما قال: «صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي كلاع، وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح عليه الصلاة والسلام، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن أنصتوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت».

‏وروى ابن جرير عن محمد بن قيس رحمه الله تعالى قالوا كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح وكان لهم اتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم:

لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم: فالمبالغة في تقديس الأشخاص قد يكون طريقًا للشرك بالله تعالى كما وقع في قوم نوح عليه الصلاة والسلام.

‏ومما يحز في نفس المسلم الغيور على دينه أن يرى المسلمين لا يتعظون بما يقصه عليهم القرآن الكريم، ولا بما يخبرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا بما يرونه من أحوال الأمم السابقة، فها هم أولاء يقلدون اليهود والنصارى، ويبالغون في تقديس من يحبونهم. ومن المظاهر المذمومة المشابهة لتقديس الأشخاص ما نراه من بعض السلمين حتى الدعاة منهم من الاحتفال بالذكرى السنوية لوفاة زيد من الناس أو استشهاد عبيد، أو ميلاد عمرو... إلخ. ثم يبالغون في إطرائه والثناء عليه بكلام يمجه العقل السليم، ولا ترتضيه الشريعة السمحة أو أنهم يحفظون نصوصا من كلام هذا القائد أو ذلك العالم، ويرددونها بمناسبة أو غير مناسبة بصورة تستفز غيرهم من الناس.

ونحن لا نقول إننا نحتقر هؤلاء الدعاة أو العلماء- كما يفعل بعض السفهاء- بل نحبهم- أن كانوا صالحين- لإن حبهم قربى إلى الله تعالى، لإن الحب والبغض أوثق عرى الإيمان، ولكننا ندعو الدعاة إلى الاعتدال وعدم الغلو.

‏ونحن لا نرى باسًا في استغلال مثل هذه المناسبات، ولكن فلتوجه إلى نشر الأفكار التي كان يدعو إليها هذا الداعية – أي الإسلام، وإن كان ولا بد من الاحتفال بمثل هذه المناسبات، فرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أولى بذلك، والله أعلم بالصواب!

‏العلاج:

‎١‏- التخلية قبل التحلية:

يقول سيد قطب رحمه الله تعالى (3) -

لقد كان الرجل أي من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين حين يدخل في الإسلام يخلع على عتبته كل ماضيه في الجاهلية كان يشعر في اللحظة التي يجيء فيها إلى الإسلام أنه يبدأ عهدا جديدا منفصلا كل الانفصال عن حياته التي عاشها في الجاهلية، وكان يقف من كل ما عهده في جاهليته موقف المستريب الشاك الحذر المتخوف الذي يحس أن كل هذا رجس لا يصلح للإسلام. وبهذا الإحساس كان يتلقى هدى الإسلام الجديد، فإذا غلبته نفسه مرة، وإذا اجتذبته عاداته مرة، وإذا ضعف عن تكاليف الإسلام مرة... شعر في الحال بالإثم والخطيئة، وأدرك في قرارة نفسه أنه في حاجة إلى التطهر مما وقع فيه، وعاد يحاول من جديد أن يكون على وفق الهدى القرآني.

كانت هناك عزلة شعورية كاملة بين ما في المسلم في جاهليته وحاضره في إسلامه، تنشأ عنها عزلة كاملة في صلاته بالمجتمع الجاهلي من حوله، وروابطه الاجتماعية، فهو قد انفصل نهائيًا من بيئته الجاهلية واتصل نهائيًا بيئته الإسلامية، حتى ولو كان يأخذ من بعض المشركين ويعطي في عالم والتعامل اليومي، فالعزلة الشعورية شيء والتعامل اليومي شيء آخر.

‏وهناك انخلاع من البيئة الجاهلية، وعرفها وتصورها وعاداتها وروابطها ينشأ عن الانخلاع من عقيدة الشرك إلى عقيدة التوحيد، ومن تصور الجاهلية إلى تصور الإسلام عن الحياة والوجود، وينشأ من الانضمام إلى التجمع الإسلامي الجديد، بقيادته الجديدة، ومنح هذا المجتمع وهذه القيادة كل ولائه وكل طاعته وكل تبعيته.

وكان هذا مفرق الطريق، وكان بدء السير في الطريق الجديد، السير الطليق مع التخفف من كل ضغط للتقاليد التي يتواضع عليها المجتمع الجاهلي، ومن كل التصورات والقيم السائدة فيه، ولم يكن هناك إلا ما يلقاه المسلم من أذى وفتنة، ولكنه هو في ذات نفسه قد عزم وانتهى، ولم يعد لضغط التصور الجاهلي. ولا لتقاليد المجتمع الجاهلي عليه من سبيل ‎١٠‏ ه.

2- إخلاص الولاء لله تعالى:

‏جاء الإسلام إلى هذه البشرية بتصور جديد لحقيقة الروابط والوشائج يوم جاءها بتصور جديد لحقيقة القيم والاعتبارات، ولحقيقة الجهة التي نتلقى منها هذه القيموهذه الاعتبارات جاء الإسلام ليرد الإنسان إلى ربه، وليجعل هذه السلطة هي السلطة الوحيدة التي يتلقى منها موازينه وقيمه كما تلقى منها وجوده وحياته، والتي يرجع إليها بروابطه ووشائجه، كما أنه من أرادتها صدر وإليها يعود.

‏جاء ليقرر أن هناك وشيجة واحدة تربط الناس في الله فإذا أنبتت هذه الوشيجة فلا صلة ولا مودة ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (المجادلة:22). 

وأن هناك حزبًا واحدًا لله لا يتعدد، وأحزابًا أخرى كلها للشيطان وللطاغوت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (النساء:76).

وأن هناك طريقًا واحدًا يصل إلى الله، وكل طريق آخر لا يؤدي إليه ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ﴾ (الأنعام:153).

وأن هناك نظامًا واحدًا هو النظام الإسلامي وما عداه من النظم فهو جاهلية ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة:50).

وأن هناك شريعة واحدة هي شريعة الله وما عداها فهو هوى ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية:18).

وأن هناك حقًا واحدًا لا يتعدد وما عداه فهو الضلال ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (يونس:32). وأن هناك دارا واحدة هي دار الإسلام، تلك التي تقوم فيها الدولة المسلمة وما عداها فهو دار حرب وليست دار إسلام، ولا ولاء بين أهلها وبين المسلمين ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (الأنفال: 72) ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (الأنفال: 73)  بهذه النصاعة الكاملة، وبهذا الجزم القاطع جاء الإسلام.. جاء ليرفع الإنسان ويخلصه من وشائج الأرض والطين، ومن وشائج اللحم والدم. فلا وطن للمسلم إلا الذي تقام فيه شريعة الله، فتقوم الروابط بينه وبين سكانه على أساس الارتباط في الله، ولا جنسية للمسلم إلا عقيدته التي تجعله عضوًا في الأمة المسلمة في دار الإسلام، ولا قرابة للمسلم إلا تلك التي تنبثق من العقيدة في الله، فتصل الوشيجة بينه وبين أهله في الله. فإذا انعقدت آصرة العقيدة فالمؤمنون كلهم إخوة ولو لم يجمعهم نسب ولا صهر ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات:10) على سبيل الحصر والتوكيد.

3- ربط الناس بالمبادئ لا بالأشخاص:

‏لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ‎١١‏ للهجرة ارتد كثير من الناس عن الإسلام، لأنهم لم يكونوا قد آمنوا حبًا للإسلام، ولكن أكثرهم كانوا قد آمنوا أما خوفًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما طمع في الدنيا، وكان أكثرهم قد ربطوا بين الإسلام وبين حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولم يبق ثابتًا على الحق إلا الذين كانت نفوسهم قد تشربت بالحق، وربطوا أنفسهم بالمبادئ التي كان يدعو إليها محمد صلى الله عليه وسلم، أما محمد صلى الله عليه وسلم فيعلمون أنه بشر يموت ويحيا كغيره من الناس، وان له أجلًا معلومًا قال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران:144).

قال البخاري رحمه الله تعالى حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة أن عائشة رضي الله عنها أخبرته أن أبا بكر رضي الله عنه اقبل على فرس من مسكنه بالسفح حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مغطى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه وقبله وبكي، ثم قال: بأبي أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد منها. وقال الزهري رحمه الله تعالى: وحدثني أبو سلمه عن ابن عباس أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس فقال: اجلس يا عمر، قال أبو بكر: أما بعد من كان يعبد محمدًا فإن محمدا قد مات، ومن

كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله تعالى ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ -الي قوله- وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران:144).

قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر، فتلاها منه الناس كلهم، فما سمعها بشر من الناس إلا تلاها (5)

‏نعم إن الجزع لهول المصيبة والانهيار لعظم الفادحة طبيعة بشرية لا يكابر فيها إلا جاهل ولكن لا يصمد أمام هذه الأزمات إلا الرجال الذين ربوا تربية إيمانية خالصة، إلا الرجال الذين أخلصوا دينهم لله عز وجل، إلا الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، إلا الرجال الذين وصلوا حبالهم بحبل الله تعالى لا غير... أما الذين يربطون أنفسهم بزيد وعبيد، فسرعان ما تجتالهم الشياطين إذا اختفت شخصية زيد وعبيد

عن الساحة... فواجب إذن على الدعاة أن يحرصوا على ربط الناس بالله وحده لا غير..أما أشخاصهم فما هي إلا أدوات لإيصال الحق إلى الله، فما ينبغي للناس أن يجعلوا حبالهم موصولة بها، لان أحدهم لا يدري ماذا ينتظره في الغد القريب فنسأل الله عز وجل حسن الخاتمة...

الهوامش:

‎ (1) قال في لسان العرب 1\606‏- التعصب من العصبية، والعصبية أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته والتألب معهم على من يناويهم ظالمين كانوا أو مظلومين. وقد تعصبوا عليهم إذا تجمعوا، فإذا تجمعوا على فريق آخر قيل تعصبوا. وفي الحديث:

العصبي من يعين قومه على الظلم.

والعصبي الذي يغضب لعصبته ويحامي عنهم. وفي الحديث: ليس منا من دعا إلى

عصبية أو قاتل عصبية.

‎ (2)أي التخلي عن عادات الجاهلية قبل التحلي بالصفات الإسلامية.

(3) معالم في الطريق ص ‎١٧-١٦‏

(4) ‏ معالم في الطريق ص ‎136-139 بتصرف

(5) ابن كثير 1\409

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2113

102

الأربعاء 01-نوفمبر-2017

الإلحاد القولي.. الأسباب والعلاج

نشر في العدد1224

73

الثلاثاء 05-نوفمبر-1996

المجتمع المحلي (عدد 1224)

نشر في العدد 1277

63

الثلاثاء 25-نوفمبر-1997

صحة الأسرة.. عدد 1277