; أوروبا بين الهيمنة الأمريكية وتنامي الفاشية العنصرية | مجلة المجتمع

العنوان أوروبا بين الهيمنة الأمريكية وتنامي الفاشية العنصرية

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1993

مشاهدات 61

نشر في العدد 1079

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 14-ديسمبر-1993

إيطاليا.. فوز اليسار وتنامي القوى العنصرية

انتهت الدورة الثانية للانتخابات البلدية والمحلية الإيطالية بفوز تكتل اليسار على حزب الفاشية الجديدة ورابطة الشمال الانفصالية بفارق صغير. ورغم هذا الانتصار الظاهري للقوى الاشتراكية والمتحالفة معها، بقيت التخوفات تسود الأوساط السياسية والفكرية في إيطاليا وعلى المستوى الأوروبي عمومًا من عودة القوى التي تحمل بذور العنصرية والنزعة الاستبدادية الانعزالية، في الوقت الذي تمر فيه أوروبا بتحديات خطيرة على مستوى آخر تتعلق برسم معالم تجارة دولية في إطار اتفاقية «الغات» غير خاضعة للهيمنة الأمريكية.

الغات والفاشية

فقد تزامنت نتائج الدورة الثانية للانتخابات الإيطالية مع اللقاء الحاسم في بروكسل بين الأطراف الأوروبية حول مصير اتفاقية الغات من منظور أوروبي، وبقيت الأنفاس معلقة خوفًا من انتصار الحركة الاجتماعية الإيطالية؛ هذا الحزب المعروف بالفاشية الجديدة برئاسة بلديات عدة مدن إيطالية خاصة في العاصمة روما ومدينة نابولي. وكان هذا الحزب قد برز مع التنظيمات المحلية كرابطة الشمال في الدورة الأولى لهذه الانتخابات، لذلك كانت الدورة الثانية حاسمة على عدة أصعدة، مما يفسر حدة المواجهة الانتخابية بين مرشحي اليسار والفاشيين الجدد.

والتكتلات والتحالفات التكتيكية وليدة الظروف الانتخابية؛ في هذا الإطار نزلت الجالية اليهودية في إيطاليا بكل ثقلها إلى جانب مرشحي اليسار، وصرح رئيس الجالية اليهودية «قانو» لإذاعة جي اليهودية في فرنسا بقوله: "اضطررنا لأول مرة إلى التدخل لسد الطريق أمام انتصار محتمل لليمين الفاشي الجديد في الأيديولوجية السلطوية". كما ساند العديد من رجال الفكر والثقافة والفن مرشح حماية البيئة فرانسيسكو روتالي في روما، وتدخلت الحكومة الإيطالية بالتذكير على لسان رئيسها كارلو أزيليو تشامبي بأهمية المقاومة ضد الفاشية خلال الحرب العالمية الثانية، مركزًا على تأييده للخيار الديمقراطي وعلى وحدة إيطاليا السياسية.

من ناحيتها سعت الحركة الاجتماعية الإيطالية إلى الظهور بمظهر الاعتدال والتخلي عن الماضي الفاشي، وأعلن أمينها العام جيان فرانكو فيني بأن الفاشية قد انتهت بموت موسوليني، وعلينا أن نشكل يمينًا له القوة والعزيمة في الحكم لمنع إيطاليا من الانزلاق إلى اليسار.

انتخابات إقصاء وليس اختيار

ورغم الانتصار الظاهري لتكتل اليسار، فإن المحللين السياسيين يعتقدون بأن فوز التحالفات أو التكتلات التقدمية في روما ونابولي والبندقية لا يعني أن نصف الإيطاليين تحولوا إلى اليسار؛ ذلك أن من عادة الدورات الثانية في جل الانتخابات أنها تهدف إلى إقصاء طرف أكثر من اختيار طرف آخر. فالناخبون المؤيدون لأحزاب الوسط والمسيحيين الديمقراطيين تخيفهم رابطة الشمال اللومباردية الداعية للانفصال، والحركة الاجتماعية الإيطالية التي تحمل بذور الفاشية والاستبدادية، أكثر مما يخيفهم اليسار وحزب اليسار الديمقراطي الذي تأسس عام 1991م على أطلال الحزب الشيوعي الإيطالي.

الذي تبنى خطًا جديدًا في إطار الاشتراكية الديمقراطية منذ سقوط الكتلة الشيوعية؛ وتكفي الإشارة إلى نتائج انتخابات الدورة الثانية في مدينتي روما ونابولي، فقد فاز مرشح دعاة البيئة واليسار في روما فرانسيسكو روتالي بـ 53.1% مقابل 46.9% لمرشح اليمين والأمين العام للحركة الاجتماعية الإيطالية جيان فرانكو فيني، وفي نابولي فاز أنطونيو باسولينو مرشح اليسار بـ 55.6% من الأصوات مقابل 44.4% لفائدة حفيدة موسوليني.

التقاء استراتيجي فاشي عنصري

وبقدر ما يمثل تنامي النزعة الفاشية معطى جديدًا في التركيبة السياسية داخل إيطاليا المقبلة على انتخابات تشريعية سابقة لأوانها في الربيع القادم، فإن بروز التيار الذي يحن إلى عهد الفاشية في إيطاليا يطرح إشكاليات هامة على المستوى الأوروبي؛ ذلك أن هذا التيار يلتقي استراتيجيًا مع التيارات ذات النزعة العنصرية والإقصائية التي برزت بالخصوص في فرنسا وألمانيا وبريطانيا، والتي تصب في خانة واحدة هي خانة الانغلاق على الذات وعلى الهوية القومية في إطار الفضاء الأوروبي، ورفض الآخر المختلف ثقافيًا وحضاريًا وفكرة التعددية الثقافية في إطار نفس المجتمع.

والأخطر أن هذه النزعة مشفوعة بنفسية ومزاجية عصبية وعنيفة وحاقدة على الأجانب وعلى الحضور الإسلامي في أوروبا والغرب عمومًا. فالحركة الاجتماعية الإيطالية تأسست يوم 26 كانون الأول 1946م على يد جيورجيو ألميرانت، أي ستة أشهر بعد الاستفتاء القاضي بإقامة الجمهورية في إيطاليا، وتشمل كل من يحنون إلى عهد موسوليني الذي حكم البلاد من عام 1922 إلى عام 1943م بطريقة سلطوية وكان يحلم بإنشاء إمبراطورية روما الاستعمارية. ورابطة الشمال هي الاسم الجديد للرابطة اللومباردية المستقلة التي أسسها السناتور أومبرتو بوسي يوم 12 أبريل 1984م، وترى بأن السياسيين في روما بددوا ثروات إيطاليا التي ترجع بالأساس إلى منطقة الشمال.

ويعكس هذا التفكك السياسي فشل الأحزاب التقليدية الاشتراكية والمسيحية الديمقراطية في تسيير شئون البلاد، خاصة بعد بروز فضائح مالية تورطت فيها كبار الشخصيات القريبة من السلطة، وبالتالي الدخول في مأزق سياسي كبير بسبب الفراغ الأيديولوجي الذي خلفته الأحزاب التقليدية بشكل شجع على ظهور تيارات انعزالية، مما يؤكد عدم أهلية أوروبا للقيادة المزعومة للشعوب غير المتحضرة في نظرها.

احترام قانون اللعبة الديمقراطية

بيد أنه تجدر الملاحظة بأن الانتخابات في إيطاليا وغيرها من البلدان الغربية تحتفظ بسمة إيجابية مفقودة في بعض أجزاء الفضاء العربي والإسلامي، وتتمثل في احترام اللعبة الانتخابية الديمقراطية واحترام إرادة الشعب في اختيار ممثليه مهما كانت توجهاتهم الأيديولوجية والسياسية؛ فالحركة الاجتماعية الإيطالية أو الجبهة الوطنية في فرنسا لم يتم إقصاؤهما عن الانتخابات رغم علم المسؤولين بأنها تنظيمات عنصرية وفاشية.

في حين يتم اعتماد الحل الأمني مع التيار الإسلامي في عدة بلدان عربية وإسلامية، وإلصاق تهمة الإرهاب والتطرف برموزه وأنصاره ومنعه أو التضييق عليه من أجل ردعه عن المشاركة في العملية الانتخابية. وإذا صادف أن شارك الإسلاميون في بعض الانتخابات وتأكدت شعبيتهم للجميع، تمت مضايقتهم بل وصل الأمر كما هو الحال في الجزائر إلى الانقلاب على المسار الديمقراطي.

 

الرابط المختصر :