; المجتمع الثقافي (العدد 1784) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1784)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 12-يناير-2008

مشاهدات 76

نشر في العدد 1784

نشر في الصفحة 44

السبت 12-يناير-2008

"أدب الكاتب" قديمًا وحديثًا:

يحيى بشير حاج يحيى:

  تحدث ابن قتيبة في مقدمة كتابه "أدب الكاتب" عن الصفات والعلوم التي تلزم الكاتب لكي يكون كاتبًا بحق، وتعرض لنوع من الناس يسعون وراء الشهرة، ويطلبون السمعة بين الناس فلا يجدون سوى التنكب عن طريق الحق، وما استقرت عليه معارف الناس والإزراء بالدين والاعتراض على كتاب الله، وحديث رسوله، واستعمال الألفاظ التي تستهوي الأغرار دون أن يكون وراءها معنى أو غاية فيقول -رحمه الله- عن هذا النوع: "فأبعد غايات كاتبنا في كتابه أن يكون حسن الخط، قويم الحروف، وأعلى منازل أديبنا أن يقول من الشعر أبياتًا في مدح قينة، أو وصف كأس، وأرفع درجات لطيفنا أن يطالع شيئًا في تقويم الكواكب، وينظر في شيء من القضاء، وحد المنطق، ثم يعترض على كتاب الله بالطعن وهو لا يعرف معناه، وعلى حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالتكذيب، وهو لا يدري من نقلة، قد رضي عوضًا من الله وما عنده بأن يقال: (فلان لطيف) و(فلان دقيق النظر) يذهب إلى أن لطف النظر قد أخرجه عن جملة الناس، وبلغ به علم ما جهلوه، فهو يدعوهم الرعاع والغثاء والغثر (سفلة الناس) وهو لعمر الله بهذه الصفات أولى، وهي به أليق، لأنه جهل وظن أن قد علم .

  فهاتان جهالتان، لأن هؤلاء جهلوا وعلموا أنهم يجهلون، ولو أن هذا المعجب بنفسه الزاري على الإسلام برأيه نظر من جهة النظر لأحياه الله بنور الهدى، وثلج اليقين، ولكنه طال عليه أن ينظر في علم الكتاب، وفي أخبار الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصحابته، وفي علوم العرب ولغاتها وآدابها فنصب لذلك وعاداه، وانحرف عنه إلى علم قد سلمه له ولغيره المسلمون، وقل فيه المتناظرون له ترجمة تروق بلا معنى واسم يهول بلا جسم، فإذا سمع العمر (عديم التجربة) والحدث الغر قوله: الكون والفساد، وسمع الكيان، والأسماء المفردة، والكيفية والكمية والزمان والدليل والأخبار المؤلفة، راعه ما سمع، وظن أن تحت هذه الألقاب كل فائدة وكل لطيفة، فإذا طالعها لم يحل (يظفر) منها بطائل.

  إن هذا الصنف الذي تحدث عنه ابن قتيبة لم يخلُ منه عصر ولا مصر، بل هم في عصرنا هذا زادوا على غيره من العصور فتحت شعار المنهج العلمي، وحرية الرأي ونقد التراث، والحقيقة المجردة، راحت عقولهم القاصرة، وأقلامهم العرجاء تتعرض للتاريخ بالتشكيك وتجريح الرجال، وتتطاول على السنة النبوية مرة بالطعن في الأسانيد، ومرة بدعوى أن ما جاء فيها لا يتوافق مع العقل والواقع، وراحوا يحشون كتبهم ومقالاتهم بالمصطلحات الأجنبية والنقول عن الغربيين دون تبصر ومعرفة؛ ليصرفوا إليهم وجوه الأغرار، فسمعنا عن نظرية الانتحال في الشعر، وعن إنكار أمية النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعن القراءة البشرية لنصوص الكتاب الكريم والحداثة وما بعد الحداثة ونقد الموروث وتحطيم اللغة وغير ذلك.

  فنال أصحاب هذه الدعاوى بعضًا من الشهرة، وأخذ عدد منهم جوائز رصدها المتربصون، وأعلوا من شأن هذا الصنف، وهم قد خالفوا فعرفوا، ولكنهم ليسوا كاتبين.

صورتان:

  تعتريني الحيرة، وتأخذني الدهشة كل مأخذ عندما أنظر مليًا، وأحدق متفرّسًا في صورتين أمامي، إنهما لشخص واحد غير أن إحداهما التقطت له حينما كان طالبًا في الثانوية العامة أو قل على عتبات العشرين من عمره، والأخرى التقطت قبل بضعة أيام، وكانت المدة الفاصلة بين الصورتين ثلاثة وعشرين عامًا، وربما تزيد قليلًا، تبدو الصورة الأولى بأدق تفاصيلها إلى درجة أنك تميز فيها نضرة الشباب ودفق الحيوية، ونبض الحركة والنظرة المتفائلة المتطلعة إلى مستقبل رغيد، رغم كونها غير ملونة (أبيض وأسود)، وتبدو الصورة الأخرى -وهي ملونة- باهتة المعالم، مجملة التفاصيل، محنطة القسمات، تبدو فيها العينان وقد عراهما الذبول والانكسار والجبين متغضنًا بعض الشيء، فبعض الأخاديد بدأت تأخذ طريقها إليه، والشعر -أعني بقايا الشعر- قد غزاه الشيب وعدت عليه عوادي السنين، وحلت به قوارع الدهر.

  ولكن هذه الحيرة ربما تبددت بعض الشيء، وهذه الدهشة قد تلاشت، عندما تعلم أن هذه السنوات الفاصلة بين الصورتين التي عاشها هذا الشخص، ومن هم في مثل حالته، لم تكن كسني الناس العاديين، وأعني أولئك الأشخاص الذين لن تجد هذا الفارق الشاسع بين صورهم الملتقطة في المدة نفسها، حيث قضوا حياتهم كباقي الناس في بلدهم ومجتمعهم همهم قوت يومهم، وتأمين مستقبل أولادهم، أو بناء بيت يأوي إليه أفراد أسرهم، أجل لم تكن كسني الناس العاديين؛ ذلك لأن هذه المدة الفاصلة ربما قضاها أولئك الأشخاص المعنيين في غيابات السجون، تنوشهم سياط الطغاة صباح مساء، لا لجرم اقترفوه أو لذنب اجترحوه، بل لأنهم لم يرضوا الدنية في دينهم، أو التنازل عن ثوابتهم التي يتميزون بها، ويعتزون بها، فصب عليهم الطغاة والظلمة وزبانيتهم جام غضبهم دونما مراعاة لإنسانيتهم، ناهيك عن اعترافهم بسمو المبادئ التي يحملونها بين أضالعهم، متناسين أن الفكر يجابه بالفكر، والكلمة تقابل بالكلمة لا بفوهات البنادق وهدير الدبابات ووضع الخصم خلف أسوار السجون، تلك التي تعارف الناس على وصفها بأن الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود، أو قضوها في متاهات المهاجر، في شتى أصقاع الأرض وتحت كل نجم؛ هربًا بدينهم، وحفاظًا على أعراضهم ومعتقداتهم، وطلبًا للأمن والأمان الذي فقدوه في أوطانهم.

  ولكن الخطب يهون والمرارة تنقلب إلى حلاوة، والمغرم يتحول إلى مغنم، عندما يستشعر هؤلاء المعنيون أن عذاباتهم كانت في سبيل الله، وأن تهجيرهم، أو بالأحرى إقصاؤهم، ومحاولة استئصالهم كان لأنهم قالوا ربنا الله، ففي سبيل المبادئ السامية والقيم النبيلة تهون الشدائد وتسهل المصائب، وفي سبيل الله تحلو التضحية والفداء، طمعًا فيما عنده -تبارك وتعالى- فما عند الله خير وأبقى، وما عند الله خير للأبرار، وما عند الله خير مما يجمعون.

واحة الشعر.

شعر: محمد ملا غزيل.

الصخرة الشماء:

الصخرة الشماء سامقة الذرا
 
والطود رأس شامخ البنيان
  
والناطحون تحطمت أهواؤهم
 
ذهبت جفاء نفثة الثعبان
  
وعناكب التضليل ضل بخورها
 
وخلت هياكلها من الكهان
  
زبد الضغينة قد تلاشى وارتمى
 
مزقًا على الأسوار والجدران
  
والغرسة المعطاء يصعد فرعها
 
يسمو عتيًا وارف الأفنان
  
تؤتي -بإذن الله- طيب ثمارها
 
والعود يقوى والقطوف دوان
  
وجذورها بين الضلوع تشابكت
 
وتعانقت في بؤرة الوجدان
  
مغروسة عبر النجيع نواتها
 
محروسة بالوجد.. والتحنان
  
وعناية الرحمن تفعم نسغها
 
بالكوثر الثجاج.. والرضوان
  
بوركت يا غرس العقيدة ناميًا
 
عبق الجني بالروح والريحان
  
تفديك أفواج الكفاح على المدى
 
وقوافل الشهداء كل زمان
  
يحميك شعب مؤمن وطليعة
 
مرصوصة تجتث كل هوان
  
أبدا يذكرني صعودك شامخًا
 
غزو الظلام وقصة الطوفان
  
ثار الدخان عجاجة محمومة
 
من حماة البغضاء والشنان
  
والحقد يشعل في الصدور شراره
 
ويضج قلب البغي.. بالنيران
  
وحناجر الأحرار ترسل صرخة
 
هدارة تجتاح كل مكان
  
قم يا صلاح الدين عاد عدونا
 
عادت جحافله بلا صلبان
  
عاد التتار فيا جموع تحفزي
 
للقائهم في حومة الميدان
  
تأبى العقيدة أن نطأطئ هامنا
 
للذل والأغلال بالإذعان
  
تأبى الأصالة أن يدنس أرضنا
 
رجس الدخيل وشرعة العبدان
  
تأبى الأخوة أن تنام كنانة
 
والشام يحيا في دجى الغربان
  
بالوحدة الشماء نهزم كيدهم
 
موتي بغيظك زمرة الشيطان
  
والوحدة البيضاء طود راسخ
 
لا يستكين لسطوة الطغيان
  
ويطوف في قلبي سؤال لاهف
 
عن غرسة الزيتون في بغدان
  
طمرت بأقدام الدخيل ولم تزل
 
تذرو الركام عن الجنى الفتان
  
تسقي التراب سخية بدمائها
 
والعود يقوى بالدم الريان
  
زيتونة الإيمان إن صباحنا
 
قدر سيطلع رغم كل ... جبان
  
والطغمة الرعناء إن مصيرها
 
تحت السنابك في غد الفرسان
  
يا أيها العربي تلك سبيلنا
 
علوية المنهاج... والميزان
  
والعالم المحموم ضاق بشرقه
 
ذرعًا وضاق بغربه.. الحيواني
  
فلينطلق باسم العقيدة زحفنا
 
لنطيح بالأصنام والأوثان
  
الله أكبر يا هداية أطفئي
 
نار المجوس وزخرف الرومان
  
الرابط المختصر :