; د. القرضاوي يوضح موقفه من أحداث الجزائر | مجلة المجتمع

العنوان د. القرضاوي يوضح موقفه من أحداث الجزائر

الكاتب حسن علي دبا

تاريخ النشر الثلاثاء 21-أبريل-1998

مشاهدات 76

نشر في العدد 1296

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 21-أبريل-1998

■ موقفي من الجزائر لم يتغير: أرفض العنف الدموي وأدينه، وأنكره، وأقاومه ولا أجيزه كوسيلة للدعوة والتغيير.

■ أنكرت ما يحدث من قطع الطريق على اختيار الشعب الجزائري ولم أعف جبهة الإنقاذ من التبعة تمامًا.

■ أدعو لوقف النزيف الدموي والسماح للقوى العربية والإسلامية بالتدخل المساعدة الحكومة لإيجاد حل للمشكلة.

■ لا أكفر مسلمًا وأنبذ الخروج المسلح وأدعو للحوار والتدرج

■ ما يحدث في الجزائر جريمة هائلة من أكبر الكبائر حتى وإن كانبعض من يرتكبونها يحسبون ذلك من الجهاد أو نصرة الإسلام.

أفردت المجتمع في عددها رقم (۱۲۹۳) عرضًا لكتاب أعده الأمير الأسبق للجماعة الإسلامية المسلحة، كما نشرت فتوى إباحة القتل في حق العزل الأبرياء، وودت المجلة أن ينفي أحد أو يعلق على هذه الفتوى، وفي معرض القضية نشرت ردًا لوزير الشؤون الدينية الجزائري على التصريحات التي أدلى بها فضيلة العلامة د. يوسف القرضاوي في برنامج «الشريعة والحياة» في قناة الجزيرة الفضائية، إضافة الرسالة عتاب على التصريحات نفسها كتبها شاب جزائري، ومنذ هذه التصريحات، ومياه التفكير في المسألة الجزائرية لم تركد، وما بين مؤيد للتصريحات ومعارض تتواصل الأفكار، ويحاول الكل الاقتراب من التشخيص الصحيح للمسألة التي تؤرق الأمة الإسلامية. 

والأمر الذي نؤكده هنا هو إثبات الصحة للظاهرة، فإذا طرح مفكر وداعية في مقام د يوسف القرضاوي رأيًا وفهم خطأ من آخرين، فإن الحوار يصبح هو الحل لا شيء آخر.. والملاحظ أن الذين استنكروا على فضيلته إجازة استعمال العنف في مقاومة السلطة قد لزموا أدب الحوار سواء ممن نشروا في المجتمع أو اتصلوا بي في الدوحة أو اتصلوا بفضيلة الشيخ.. ومن هنا كانت استجابة د. القرضاوي للإيضاح والتذكرة حيث أكد فضيلته في هذه السطور قناعاته التي لم تتغير التي تدفعه للمطالبة بوقف النزيف ثم دعوته للسماح للقوى العربية والإسلامية بالتدخل المساعدة الحكومة لإيجاد حل للمشكلة بدلاً من تدخل الأوروبيين، ثم أخيراً دعوته للحوار المفتوح بين كل القوى الوطنية السياسية دون استثناء.

وقد عرض فضيلة د. القرضاوي أيضًا في هذه السطور المبادئ الأساسية المسلمة لديه التي هي ثابتة عنده لم يتغير عنها وذلك ردًا على من تسائل في هذا الشأن وبيانًا لثباته على المنهج الفكري الذي عرفته الأمة الإسلامية عنه:

تحت عنوان إلى إخوتي في الجزائر توضيح وتذكرة: كتب فضيلة العلامة د. يوسفالقرضاوي يقول:

أساء بعض إخوتي في الجزائر الذين أحبهم -والله- وأفديهم بنفسي - فهم موقفي بعد حلقة الشريعة والحياة التي تبث من قناة الجزيرة) في قطر، والتي خصصت لقضية الجزائر مساء يوم 8 فبراير ۱۹۹۸م، حيث فهموا من بعض كلامي أني أجيز استعمال العنف في مقاومة السلطة ولو كانت ظالمة، واستغرب بعضهم أن يكون هذا موقفي، لأنه مناقض لما عرفوه عني طيلة سنين عدة في كتب ومقالات وفي خطب ومحاضرات، وفي فتاوى وحلقات وفي ندوات ولقاءات، كنت فيها ضد العنف، وسفك الدم على خط مستقيم، وداعياً للحوار مع كل التيارات علمانية وقومية، ومع الحكام، ومع المسيحيين، ومع الغرب على المستوى الديني، والمستوى الفكري، والمستوى السياسي كما وضحت ذلك في كتابي أولويات الحركة الإسلامية وفي غيره من الكتب، فهل غيرت موقفي القديم أو التبس علي الأمر في قضية الجزائر، أو هناك سبب لا يعرفه الناس.

موقفي لم يتغير وأود أن أنبه وأؤكد أن موقفي القديم لم يتغير، ولن يتغير إن شاء الله منناحية المبدأ، فأنا أرفض العنف الدموي، وأدينه. وأنكره، وأقاومه ولا أجيزه وسيلة للدعوة أو التغيير المجتمع، وذلك الجملة أمور أساسية:

  1. أن الشرع الإسلامي شدد في أمر الدماء غاية التشديد، فقد قرر القرآن مِنْ ﴿أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ (المائدة: ٣٢) وحديث الرسول ﷺ: «لزوال الدنيا أهون على اللهمن قتل امرئ مسلم بغير حق».

  2. أن العنف ينفر الناس من دعوة الإسلام ويعطي صورة دميمة شائهة عن دعاته، وسلاحًا قويًا في يد خصومه وخصومهم، الذين يتهمونهم بـ «الإرهاب» ولهذا رغب الرسول ﷺ في الرفق، ورهب من العنف، ففي الحديث: «ما دخل الرفق في شيء إلا زانه ولا دخل العنف في شيء إلا شانه»، «إن الله يحب الرفق، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف، وقال العائشة: إن الله يحب الرفق في الأمر كله».

  3. أن العنف لم يحل مشكلة قط لا فيما قرأناه في تاريخنا، ولافيما شهدناه في عصرنا، لم يسقط حكماً ظالمًا، ولم يغير مجتمعًا فاسدًا إلى الصلاح، لقد اغتال بعض الجماعات بعض الحكام الذين يعتقدون أنهم ظلمة، فجاء بعدهم من هم أظلممنهم وأفجر.

  4. أن الدعوة الإسلامية تنتشر انتشار أنوار الصباح، وتفتح العقول والقلوب بيسر، وتمتد في جميع الطبقات برفق، فما حاجة الدعاة إلى العنف؟ إنما يلجأ إلى العنف من ينس من إقبال الناس أو ستم من دعوتهم لأنهم يعرضون عنه، ونحن نرى الناس مقبلين على الإسلام بحمد الله في كل مكان كل ما أردت قوله: إني يؤرقني ويقلقني ما يجري في الجزائر من دماء تسفك، وأعراض تهتك. وحرمات تستباح وينسب ذلك واحسرتاه - إلى الإسلام - والإسلام المفترى عليه يرفض أن تراققطرة دم بغير حق.

أمور لا ينبغي الخلاف عليها

لهذا دعوت وكررت الدعوة وأكدتها إلى جملة أمور أساسية لا ينبغي الخلاف عليها:

 أولها: وقف النزيف الدموي الذي يسال يوميًامن الشعب الجزائري المسلم، والذي لم تستطع السلطة - برغم ما لديها من شرطة وقوات أمن وقوات مسلحة - أن توقفه حتى الآن، ولا أحسب إنسانًا له عقل وقلب، يرضى باستمرار هذا النزيف وهذا الإجرام المسخوط من أهل الأرضوالملعون من أهل السماء. 

وثانيها: السماح للقوى العربية والإسلامية أن تتدخل المساعدة الحكومة في المحاولة لإيجاد حل للمشكلة بدل التدخل من الأوروبيين وغيرهم، والله تعالى يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ﴾ (التوبة: ۷۱) والنبي ﷺ يقول: «ترى المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الوا الواحد، إذا اشتكى منع عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر».

والله تعالى قد أمر المجتمع المسلم بالتدخل لإنهاء الشقاق بين الزوجين في الأسرة، فقال سبحانه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (النساء:٣٥) فكيف بالشقاق بين أبناء شعب كبير عريق كشعب الجزائر؟ وقد قال تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات: 9:10).

وثالثها: الدعوة إلى الحوار المفتوح، مع كل القوى الوطنية السياسية، دون استثناء أو حذف أي فئة من الفئات بغية الوصول إلى مصالحة وطنية شاملة وأنا أقصد القوى السياسية، التي تتحاور بالكلمة لا بالرصاص، فالجماعات المسلحة التي تقتل الأطفال والنساء والشيوخ، وتذبح بالسكاكين وتهشم الرؤوس بالبلط والسواطير، مثل جماعة الزوابري وأمثاله، ممن يريدون أن ينتقموا من الشعب الجزائري لأنه شعب منافق في رأيهم!! مع أن الرسول ﷺ لم يقتل المنافقين، هؤلاء لا يحاورون، لأن الحوار إنما يكون مع العقلاء، وهؤلاء لا عقل لهم، وهب أن الشعب نافق كما زعموا، فهل يقتل الشعب أم يعلم ويذكر ويؤخذ بيده، حتى يهتدي سواء السبيل؟

وأنا أعجب من أناس يصفون شعبهم هذا الوصف القبيح العجيب الغريب، مع أن الذي يعرف الشعب الجزائري لا يمكن أن يخطر بباله أن يصفه بالنفاق، فهو شعب حر أبي شجاع صلب عنيد.

أجل دعوت إلى الحوار مع كل القوى الوطنية لأن الإسلام يأمر بحوار المخالفين في الدين أو الفكر أو السياسة، حتى أوجب الفقه الإسلامي على الإمام أو ولي الأمر الشرعي قبل أن يقاتل البغاة أن يراسلهم، ويزيل شبهاتهم، وينظر فيما يدعون من مظالم، وقد بعث علي بن أبي طالب ابن عمه عبد الله ابن عباس لمناقشة الخوارج، وظل يحاجهم ثلاثة أيام فرجع منهم أربعة آلاف «انظر المغني لابن قدامةج ٢٤٣/٧ وما بعدها، مطبعة هجر».

بل أمرت الشريعة الإسلامية بالحوار مع المرتدين، وهو ما يعبر عنه الفقه بعبارة «استتابة المرتد» حتى قال الإمام إبراهيم النخعي: إن المرتد يستتاب أبدًا، وكذلك قال الإمام سفيان الثوري.

 هذا ما دعوت إليه، وما لا أزال أدعو إليه، وأرى أن مصلحة الجزائر العليا تقتضيه، وأن «فقه الموازنات» بين المصالح والمفاسد يوجبه، وأن «فقه الأولويات» يلزم به ويحرض عليه.

ما يجوز الخلاف فيه ومالا يجوز

قد يختلف معي بعض الإخوة أو اختلف معهم. في تحليل ما يحدث في الجزائر الحبيبة وتعليله ومن المسؤول عنه: أهو السلطة، أم الجماعات، أم كلتاهما؟ أم جهات أجنبية لا تريد للجزائر أن تستقر وتقوى، ولا للإسلام فيها أن يحكم ويسود؟ أم كل أولئك؟ وما مدى نصيب كل منهم من المسؤولية عما جرى من قبل، وما يجري اليوم هنا تختلف الاجتهادات في التفسير والتأويل، ولكل مجهند نصيب، وإنما لكل امرئ ما نوى.

ولكن الذي لا يجوز أن يختلف فيه اثنان هو إنكار ما يقع إلى اليوم من سفك الدماء البريئة، وإزهاق الأرواح الطاهرة، وترويع الآمنين في القري والمدن، وقد قال رسولنا العظيم لا يحل المسلم أن يروع مسلمًا، قال ذلك فيمن روع مسلماً وأفزعه على سبيل المزاح، وفي حديث آخر: ألا تروعوا المسلم فإن روعة المسلم ظلم عظيم، وفي الحديث الصحيح من سل علينا السلاح فليس منا، بل أنكر على من أشار إلى أخيه بحديدة، وفي الصحيحين سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض.

ما يحدث في الجزائر الحبيبة هو جريمة هائلة من أكبر الكبائر، ومن أعظم الموبقات بكل المقاييس الدينية، أو الوطنية، أو الإنسانية، حتى وإن كان بعض من يرتكبونها يحسبون ذلك من الجهاد أو نصرة الإسلام، فقد كان الخوارج قديماً يستبيحون الدماء والأموال، تقرباً إلى الله بذلك. وصحت الأحادث - من عشرة أوجه - في ذمهم والتحذير ير من من شرورهم، ووصفهم بأنهم يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وقيامه إلى قيامهم وقراءته إلى قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية كما وصفتهم بأنهم «يقتلون أهل الإسلامويدعون أهل الأوثان».

وقد قال تعالى في صريح القرآن ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (الكهف: 103_104) ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (فاطر: ۸).

أرسل إلى أحد الإخوة من الجزائر رسالة بالفاكس يعاتبني، ويقول: ما كنا ننتظر من مثلك وأنت الذي عايشت صحوة الجزائر، وأحببتها وأحبتك، واجتمع عليك رجالها ونساؤها وشبابهاوشيوخها، واستمعوا إلى محاضراتك، وخطبك واكبوا على قراءة مقالاتك وكتبك - أن تسكت لمدة

خمس سنين عما يقع في الجزائر، ثم تظهر فجأة في قناة الجزيرة، لتؤيد الذين يقتلون الناس بغير حق في الجزائر، وأود أن أقول للأخ الكريم إني أحب الجزائر كما أحبتني، وما نسيت قضيتها قط ولا سكت عنها في يوم من الأيام.

لقد أنكرت ما حدث في قطع الطريق على اختيار الشعب الجزائري الذي كان السبب الأولفي وقوع ما وقع بعد ذلك، وإن كنت لم أعف جبهة الإنقاذ من التبعة تمامًا، لتصريحات بعضهم بأن الديمقراطية كفر، ورفضهم التعاون مع الفئات الإسلامية الأخرى، وقد حاولت ذلك بنفسي عندما كنت في الجزائر سنة ۱۹۹۱م، ولكني لم أفلح، كما رددت على قولهم ولا أحلاف في الإسلام، وعلى رفضهم الأحزاب والجماعات الإسلامية الأخرى. محتجين - خطأ - بحديث «إذا بويع الخليفتين فاقتلواالثاني منهماء».

وكذلك رددت على القائلين بأن «الديمقراطية كفر»، وأن الإسلام يرفض الديمقراطية، عندما كنت في الجزائر، وبعدما غادرتها في أكثر من محاضرة، ومن كتاب، ولاسيما في الجزء الثاني من كتابي «فتاوى معاصرة» ، كما وضحت ذلك في كتابي «من فقه الدولة في الإسلام»، كما أنكرت بشدة قتل المدنيين والمفكرين والدعاة، أمثال الأخ الفاضل التقي - نحسبه كذلك - الداعية الشيخ محمد أبو سليماني، والأخ الإعلامي المهذب الحسن سعد الله، وقد أصدرت بيانًا بعد قتله نشرته الصحف الجزائرية وبعض الصحف العربية، ومنها مجلة المجتمع الكويتية.

وعندما قتل الرهبان الفرنسيون في الجزائر ألقيت خطبة كاملة من خطب الجمعة التي تُذاع في التلفاز القطري من جامع عمر بن الخطاب بالدوحة ولخصتها كل الصحف القطرية في اليوم التالي وأنكرت هذه الجريمة البشعة التي تخالف تمامًا منهج الإسلام وهديه حتى في القتال الرسمي الذي تخوضه الجيوش الإسلامية، فقد كان الخلفاء الراشدون ينهون عن قتل الرهبان، فإنهم لا يُقاتلون، كما ينهون عن قتل الحراثين و«الفلاحين» لأنهم لا ينصبون للمسلمين الحرب.

مبادئ أساسية مسلمة عندي

ومن المبادئ الأساسية المسلمة عندي والمعروفة عني من زمن طويل، والمبثوثة في كتبي ورسائلي ومحاضراتي: مبادئ لم أحد عنها، ولن أحيد عنها إن شاء الله.

  • لا أكفر مسلمًا:

المبدأ الأول: لا أكفر مسلمًا يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن من دخل في الإسلام بيقين لا يخرج منه إلا بيقين مثله، فإن اليقين لا يزال بالشك، ولهذا وقفت ضد موجة «التكفير» والغلو فيه حينما فشا في مصر، وألقيت في ذلك محاضرات، ثم أصدرتها في رسالة وزعت منها عشرات الألوف هي «مظاهرة الغلو في التكفير».

ومن هنا لا يشك قارئ لي أو مستمع إلي أني ضد جماعات التكفير، وأقاومها بكل ما أملك، حتىأنكرت، على الذين يكفرون الشيعة الجعفرية، وهم ينطقون بالشهادتين، ويصلون إلى القبلة ويصومون ويحجون وإن كان لهم بدع قولية وفعلية تنكرها عليهم، ولكن فرق كبير بين التبديع والتكفير.

  • عصمة الدماء ب«لا إله إلا الله»:

 المبدأ الثاني : أني لا أجيز سفك الدماء بغير حقها بحال من الأحوال، لا من المسلمين ولا من غير المسلمين إذا لم يكونوا محاربين لنا، ومن المعروف عني أني من الميسرين في الفتوى والمبشرين في الدعوة، ولكني في أمر الدماء من المتشددين، ولا اترخص في ذلك أبدًا، ولاسيما قتل المدنيين البراء العزل الذين لا ناقة لهم ولا جمل فيما يجري من حولهم، وبخاصة الأطفال الصغار والشيوخ الكبار، والنساء القواعد في البيوت، فهذا لم يجزه الإسلام لجيوشه المقاتلة لأعدائه المجابهين له، والمحاربين لدعوته وأمته ودولته وصحت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ وعن خلفائه الراشدين، تنهى عن قتل النساء والصبيان والشيوخ والرهبان والفلاحين، وعن قطع الشجر وهدم المباني، فكيف يسوغ في شرع محمد عليه الصلاة والسلام قتل المسلمين الموحدين المصلين الصائمين - حتى في شهر رمضان، وحتى في قلب المساجد - وهم قوم مسالمون لا حول لهم ولا قوة إلا بالله وبأي كتاب أم بأي سُنة استباح هؤلاء هذه الدماء المعصومة بقول لا إله إلا الله؟.. وكيف إذا كان القتل بتلك الوسائل الوحشية والطرق البشعة مثل قطع الرقاب بسكين القصاب ودق الرؤوس بالسواطير والفؤوس فهؤلاء وحوش مفترسة لا بشر لهم عقول تعي وقلوب تحس، فضلاً عن أن يكونوا مسلمين.

وعلى أي شريعة اعتمد هؤلاء في اغتصاب الفتيات المسلمات واختطافهن للاستمتاع بهن رغم أنوفهن، ومن حرائر مسلمات محصنات.

  • نبذ الخروج المسلح إلا بشروط:

 المبدأ الثالث: أني لا أجيز الخروج المسلح على السلطة الحاكمة وإن كانت ظالمة فاجرة، إلا بشروط وضوابط إذا لم تتوافر يكون الخروج منكرًا يجب أن يقاوم لا أن يساند، وقد بينت ذلك في كتابي فتاوى معاصرة، الجزء الثاني.

فقد أجمع علماء الأمة على أنه لا يجوز تغيير المنكر بالقوة إذا ترتب عليه منكر أكبر منه اختيارًا لأهون المفسدتين، وأخف الضررين، واستدلوا لذلك بأن النبيﷺ ترك الكعبة على ما بناها قريش وكان يود لو بناها على قواعد إبراهيم، ولكنه لم يفعل ذلك الحداثة عهد الناس بالإسلام، فخاف إن فعل ذلك أن تحدث فتنة.

وفي السُنة النبوية جملة أحاديث تأمر بالصبر على الحاكم الظالم خشية أن تفتق على الأمة فتوق لا تستطيع رتقها، وتفتح عليها فتن قد نعرف أولها ولا تعرف اخرها، فقد روى الشيخان عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «من كره من اميره شيئًا فليصبر، فإن من فارق الجماعة شبراً، فمات فميتته جاهلية».

وروى أحمد ومسلم عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله ﷺ قال: «يكون بعدي أئمة لا يهتدونبهديي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس!» قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله؟ قال: «تسمع وتطيع، وإنضُرِبَ ظهرك وأُخِذَ مالك، فاسمع وأطع».

وروى الشيخان عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا، ومكرهنا، وعسرنا، ويسرنا، وأثره علينا، وإلا تنازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا، عندكم فيه من الله برهان «انظر هذه الأحاديث والتعليق عليهاوما يستنبط منها في «نيل الأوطار» للشوكاني ج٧‏\‏٣٥٨، وما بعدها، ط دار الجيل - بيروت».

ومع هذه التوجيهات النبوية بضرورة السمع والطاعة خشية الفتنة غير المأمونة، جاءت توجيهات نبوية أخرى بالنصح لولي الأمر، ودعوته إلى الخير، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وإن سقط الأمر الناهي شهيدًا، وتعتبر ذلك من أفضل الجهاد، كما تعتبر النكوص عن قول الحق في وجه الظالم المتجبر من أمارات إدبار الأمة وضياعهااقرأ هذه الأحاديث.

 الدين النصيحة لله ورسوله، وكتابه، وأئمة المسلمين، وعامتهم وأفضل الجهاد كلمة حق عندسلطان جائره وسيد الشهداء حمزة، ثم رجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله، وإذا رأيت أُمتي تَهاب أن تقول للظالم ياظالم، فقد تودع منهم على أن يكون ذلك كله بالحكمة والمعروف وفرق كبير بين الخروج المسلح على الحاكم، وبين النصح له وأمره ونهيه بالرفق المطلوب.

  • الحوار مع الآخر:

المبدأ الرابع: هو الحوار مع الآخر، أي مع المخالفين، وهذا ليس ابتكارًا مني ولا تبرعًا، بل هو ما أمرنا الله عز وجل به في كتابه، وهو المعبر عنه بالجدال بالتي هي أحسن، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: ١٢٥)، ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (العنكبوت:٤٦).

 ومقتضى الآيتين: أنه إذا كانت هنالك طريقتان للجدال والحوار، إحداهما حسنة جيدة، والأخرىأحسن وأجود، فنحن مأمورون أن نحاور وتجادل بالطريق التي هي أحسن وأجود.

وما لنا لا تحاور من خالفنا، وقد ذكر لنا القرآن محاورة رسل الله الكرام مع أقوامهم المشركين، كما في سورة الأعراف، وهود والشعراء، وغيرها؟

بل ما لنا لا نحاور، وقد حاور ربنا الجليل خلقه، كما حاور ربنا الجليل ملائكته حين أراد أن يخلق آدم ويجعله في الأرض خليفته؟ بل أكثر من ذلك وأعظم: أن الله الواحد القهار حاور شر خلقه إبليس لعنه الله، برغم تبجحه وسوء أدبه مع ربه، كما نرى ذلك في سورة: الأعراف، والحجر، وص، وفي ذلك آية وعبرة لقوم يعقلون، وقد ذكرت أن الشريعة الإسلامية تأمر بحوار البغاة قبل قتالهم وبحوار المرتدين رغم مروقهم، حتى تزول الشبهات وتقوم الحجة، وتبطل الأعذار والتعلات.

  • التدرج

المبدأ الخامس: التدرج، أعني الوصول إلى الأهداف مرحلة مرحلة، ودرجة درجة، وهو سنة من سنن الله الكونية، كما أنه سنة من سننه الشرعية ولهذا لا أقفز على الأشياء ولا استعجلها قبل أوانها، ولم أر مانعًا من تطبيق الشريعة الإسلامية في عصرنا بالتدرج، بشرط ألا يستخدم التدرج سبيلًا إلى «التمويت»، والإنساء، بل لابد من أن تحدد الأهداف بوضوح، وتبين الوسائل بدقة وتعين المراحل ببصيرة، ويمضي التنفيذ على بينةبحيث تسلم كل مرحلة إلى ما بعدها، حتى تتحقق الآمال، وتغدو أحلام الأمس حقائق اليوم.

وقد ذكرت في ذلك نموذجًا يحتذى: ما صنعه خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز حينما ولي الخلافة وقد انحرفت عن سنن الهدي في كثير من الجوانب، ولاسيما في الناحية المالية، وكان عمر ينجز في كل يوم شيئا، يزيل المظالم ويرد الحقوق إلى أهلها، ولكن ابنه الشاب التقي الدافق الحماس عبد الملك، قال يومًا - كالمعترض على أسلوب معالجة الأوضاع: يا أبت ما لي أراك تتباطأ في إنفاذ الأمور فوالله ما أبالي لو غلت بي وبك القدور في سبيل الله؟

 

فقال الأب الفقيه: لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة، وإني أخشى أن أحمل على الناس الحق جملة، فيدفعوه جملة، فيكون من وراء ذلك فتنة، وفي رواية أنه قال له: «أما يسرك أنه لا لا يأتي على أبيك يوم إلا ويحيي فيه سنة، ويُميت فيه بدعة».

فهذه هي مبادئي، لم أتخل عنها، ولن أتخلى عنها بإذن الله تعالى وتوفيقه، ولا أدعي العصمة لنفسي، فأنا أجتهد لخدمة ديني على قدر جهدي ورؤيتي، ولا أقول إلا ما قال نبي الله شعيب لقومه ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: 88).

الرابط المختصر :