; مكانة الحب في الله | مجلة المجتمع

العنوان مكانة الحب في الله

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1976

مشاهدات 52

نشر في العدد 294

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 06-أبريل-1976

عن أنس- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: 

«والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره، أو قال لأخيه ما يحب لنفسه» رواه مسلم واللفظ له.

الإسلام دين الحب بكل ما تحمله الكلمة من معان الحب الطاهر الذي ينبثق من تعاليم الله ليضفي على صاحبه الحب لله ولرسوله ولدينه، والحب في الله لكل من يضمهم رحاب هذا الدين، ويكفي أن نعلم أن هذا الحب هو الأساس لهذا الدين، فهذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقسم في هذا الحديث الذي معنا بالله- سبحانه-، ويقول فيما يرويه البخاري وغيره: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، والمراد بنفي الإيمان هنا نفي بلوغ حقيقته ونهايته حتى يحب لأخيه في الإسلام من الخير ما يحب لنفسه، وذلك كما في رواية النسائي، والقضاعي، وابن منده، والإسماعيلي، وغيرهم، والخير كلمة جامعة تعم الطاعات، والمباحات الدينية والدنيوية، وتخرج المنهيات لأن اسم الخير لا يتناولها، والمحبة هي إرادة الخير، والميل له، وقد يكون ذلك بحواسه، أو بصفته، أو بعقله، والمراد هنا: الميل الاختياري دون القهري، وإذن فعلى المسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يبغض له ما يبغض لنفسه من السوء، ولم يذكره لأن حب الشيء مستلزم ببغض نقيضه، وذلك ليكون المؤمنون كنفس واحدة تسكن جسدًا واحدًا، وتنبض بنبض واحدًا، يروى البخاري بسنده أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى» فالأثرة آفة الإنسان، والأنانية ليست من الإيمان، وقد أخمد الإسلام هذه الأثرة الظالمة، وتلك الأنانية الباغية، بالأخوة العادلة، وبالحب فى الله، وجعل من أسس الإسلام أن يتألم المسلم لألم أخيه، ويحس بإحساسه، ويسارع إلى كشف ضوائق أخيه، فلا يهدأ حتى يزيل غمته، وينير ظلمته، يروى الشيخان أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة». 

وقد حذر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من رذائل الأنانية وآفاتها، فقال: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا كما أمركم الله- تعالى-، المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: ماله، ودمه، وعرضه، إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا- ويشير إلى صدره- ألا لا يبيع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» رواه مسلم. 

وشأن المؤمن دائمًا أن يكون عونًا لأخيه محبًا له ما يحب لنفسه.

يروي البخاري أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، ومن ثم كانت نعمة الحب في الله نعمة يرتكز عليها الإيمان الصحيح، ولذا كان من وصف الله للأنصار أنهم يحبون إخوانهم في الله، فيقول- جل شأنه-: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (الحشر: 9)، وما استحق هؤلاء هذا الوصف إلا لأن الحب في الله أصبح منهم حقيقة قائمة، وواقعًا حيًّا بحيث لم يعرف التاريخ البشري مثل هذا الاستقبال الطيب من الأنصار للمهاجرين بهذا الحب في الله، وبهذا البذل السخي، وبهذه المشاركة الرضية، وبهذا التسابق إلى الإيواء واحتمال الأعباء، حتى ليروى أنه لم ينزل مهاجر في دار أنصاري إلا بقرعة لأن عدد الراغبين في الإيواء المتزاحمين عليه أكثر من عدد المهاجرين، وهذه صورة نابضة بالحب في الله سجلها القرآن الكريم لتكون نبراسًا يضيء معالم الطريق لمن أراد كمال الإيمان، وانتظام أحوال المعاش والمعاد، والجري على قانون السداد ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ( آل عمران: 103)، وعماد ذلك وأساسه: السلامة من الأدواء القلبية؛ لأن الإيمان الصحيح يقتضي المشاركة في كل خير، والبذل لكل خير، والحب في الله لكل من يضمهم رحاب هذا الإيمان، يوضح ذلك ما رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم»، وفي رواية له: «والذي نفسي بيده: لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا» - الحديث.

وهذا الحب يجب أن يكون لوجه الله لأن الله لا يقبل إلا ما كان خالصًا له، ولأن ذلك هو السبيل إلى أن يجد المحب طعم الإيمان وحلاوة اليقين، وأنس النفس، وسعادة الروح، كما أنه السبيل إلى كمال الإيمان، وهذا هو أفضل الأعمال يا أخي في الله.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 45

83

الثلاثاء 26-يناير-1971

لعقلك وقلبك (45)

نشر في العدد 60

111

الثلاثاء 18-مايو-1971

مع القراء (60)

نشر في العدد 52

120

الثلاثاء 23-مارس-1971

كيف نكرم الأسرة؟