; المجتمع الثقافي عدد 1279 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي عدد 1279

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 09-ديسمبر-1997

مشاهدات 69

نشر في العدد 1279

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 09-ديسمبر-1997

إنها تذكرة

العرب بين العولمة والقولمة

أما العولمة فمصطلح شاع بيننا حتى اصبحنا نلوكه بألسنتنا كل يوم وننتظر عاجزين أن تطغي علينا أمواجها، ويلتهمنا عبابها، وتطوينا لججها كأنما هو قدر وقضاء، وقد صغنا على قياسه مصطلح القولة أي الدعوة إلى الإقليمية أو ما شابه ذلك من دعوات سادت بلادنا العربية ردحًا من الزمن. ثم أعلنت إفلاسها فكرة وتطبيقًا. والحق أن المسلمين أحق الناس بالعولمة لأن دينهم خطاب للناس جميعًا، والرسول صلى الله عليه وسلم ما أرسله ربه إلا رحمة للعالمين، لكن عولمة الإسلام تختلف عن عولمة الغرب، لذلك على أولئك الذين كانوا دعاة قولة أن يختاروا بين عولمة الإسلام الذي هو رسالة أجدادهم وعنوان حضارتهم، وبين عولمة الغرب التي فيها هلاكهم وخراب دولهم، ووقوعها فريسة للنظام العالمي الجديد، ذلك الوحش العملاق الذي لا يقتات إلا من أجسادنا وبدمائنا وثرواتنا. ولقد يظهر جليًا أن العربي ذا الانتساب الحضاري الإسلامي له امتداد عبر العالم بفضل الإسلام، أما أصحاب القولمة فلا جرم أن دعوتهم ليس لها من وجود أو صدى خارج إقليمهم الضيق، بل إن قولمة بعضهم لتضيق مساحتها إلى درجة الاختناق، وإن كانت بعض قوى الشر تحاول أن تنعش بعض تلك الدعوات القولمية الضيقة كالأمازيغية التي تقف وراءها فرنسا، وإسبانيا. إن دعوات القولمة أصبحت كرماد في يوم عاصف لأنها دعوة من أساسها باطلة، ورغم بطلانها فإن بعضهم مازال يضيع وقته وماله للدعوة إليها . إن العربي خارج بلده يواجه أحد الاختيارين إما الحفاظ على شخصيته وكيان أسرته بالتمسك بدينه، والانضمام إلى إخوانه في الله والاحتماء بالمسجد، والارتباط بالقرآن، وإما الذوبان هو وزوجته وينوه في المجتمع الغربي الذي يعيش فيه، فلا يبقى من كيانه إلا الاسم لمدة قصيرة سرعان ما يفقده يفقدان دينه وحضارته. ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد:17)

د. عبد السلام الهراس

مهرجان القرين ومعرض الكتاب العربي

«الحدث والانعكاسات»

كتب: مبارك عبد الله

كجزء من نشاطات مهرجان القرين الثقافي نظم المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ندوة فكرية بمناسبة مرور خمسة وعشرين عامًا على صدور مجلة «عالم الفكر» تحت عنوان «الفكر العربي المعاصر تقييم واستشراف»، وشارك في فعاليات هذه الندوة عدد من المثقفين العرب.

تمحورت بحوث الندوة حول ثلاثة محاور:

المحور الأول: اتجاهات الخطاب العربي المعاصر، ويلقي الضوء على المنطلقات الرئيسية لهذه الاتجاهات، وإنجازاتها وأوجه إخفاقها، وموقع كل منها، وأثره في الحياة الثقافية والاجتماعية العربية ٣١ معاصرة، والآفاق المستقبلية لطروحاتها .

المحور الثاني: كان بعنوان «إشكاليات الفكر المعاصر.. رؤية تقييمية، نوقشت فيه المواقف الفكرية تجاه التحولات الاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي.

 المحور الثالث: «واستشراف المستقبل»، وقد عالج قضية الفكر العربي والزمن، وتسأل: أين نحن الآن من نهضة مطلع القرن؟

عروض غنائية راقصة

اشتمل مهرجان القرين أيضًا على عروض غنائية راقصة أحيتها الفرقة التونسية وغيرها من الفرق التي شاركت في مهرجان هذا العام، وكانت نسبة حضور مثل هذه العروض تفوق نسبة حضور الندوة الفكرية أو المحاضرات الثقافية. وأرجع بعض المراقبين هذا التفاوت في نسب الحضور بين ندوات الفكر وحفلات الترفيه إلى

نوعية الثقافة التي تستهوي كثيرًا من مرتادي هذه المهرجانات الاستعراضية التي ترصد لها الأموال الحكومية الطائلة، وتسلط عليها الأضواء الكاشفة، ولعل إحجام الجمهور عن حضور الندوات الفكرية، يرجع إلى طوباوية الأفكار التي تطرح وإلى إغراقها في التنظير الذي لا يمت بصلة إلى معاناة الجماهير، ولا يلامس مواطن اهتماماتهم، ولا يحاكي أمالهم أو يخفف الآمهم أو يحل إشكالياتهم الثقافية أو الحياتية المستعصية، فضلًا عن طغيان تيار واحد على

الحضور وغياب التيار الإسلامي بالكامل، فيما عدا حضور د إسماعيل الشطي.

وكمثال على تلك الأفكار التنظيرية اقرأ معي العبارات المقتطفة من إحدى المحاضرات:« .... إن فكرة محورية واحدة لم تشد المجتمع العربي وتحركه بوتيرة تراكمية متصاعدة، حيث كانت الصيغ التوفيقية المتتالية تنعقد وتنحل لتخلف وراءها سلسلة من التجارب المجهضة فتعود العناصر المتعارضة إلى حالتها الأولى، وهكذا تبقى التوفيقية المحدثة - بامتياز - أيديولوجية لحال اللاحسم، وعدم القدرة عليه بين الأضداد والنقائض في الحياة العربية المعاصرة، وما يحيط بها من واقع إقليمي ودولي .....» (الرأي العام ١5/١1)

ما الذي تحركه في وجدان العربي هذه الكلمات المرصوصة المدفوعة الأتعاب؟! وإذا افترضنا أن ثقافة الجمهور المعرض عن هذه الخطابيات السفسطائية لم تستوعب هذه العبقرية الخارقة، فما الذي أحدثته في بنية الواقع العربي الذي يتراجع في كل حقبة خطوات إلى الوراء؟ ما الذي أحدثه هذه المرثيات الفلسفية التي سادت ولا تزال في كثير من مراكز التأثير في وطننا العربي؟ هل نلوم الجمهور الهارب من الشعارات الجوفاء التي كانت قبل عقدين من الزمان خطاب كثير من المفكرين العرب؟ هل نلومه إن أعرض عن هذه التهويمات الفلسفية المعقدة التي لا تقدم شيئًا لحياة العربي الذي يواجه كل هذا الكم من التحديات؟ إن أموال الدولة يجب أن تسخر لخدمة الضوابط والقيم بدلًا من بناء مثل هذه الأبراج العاجية.

معرض الكتاب ومفاجأة الموسم

مع أن معرض الكتاب أقدم زمنًا من مهرجان القرين إلا أنه أصبح حكمًا أحد فعالياته، وجزءًا من أنشطته الكثيرة، مفاجأة هذا  العام عندما أفرجت وزارة الإعلام عن ١٦٠ كتابًا من أصل١٦٦ كانت ممنوعة حسب توصيات لجنة الرقابة وقد صرح أحد نواب مجلس الأمة بأن السماح لهذه الكتب كان نتيجة ضغوط مارسها سفير دولة عظمى "الأنباء ١٢/١/ ١٩٩٧م"، وقد تفاوتت ردود الفعل تجاه هذه المفاجأة الإعلامية فبينما رحبت بها وهللت لها أقلام صحفية واعتبرتها خطوة متقدمة في مجال حرية الفكر عارضتها وتحفظت عليها اقلام أخرى، رأت فيها نوعًا من الفلتان الفكري والتسيب الثقافي الذي لا يعمق المفهومية بقدر ما يشتت الذهن ويشوش الرؤية.

خذ مثلًا الكتب التي تقتحم دائرة المقدس وتعرض قذاراتها الفكرية واللغوية وهي تتحدث عن الله تعالى أو الرسول- صلى الله عليه وسلم- أو اليوم الآخر، هل يدخل ذلك في حرية الفكر، أم في محاولة تهشيم الحصانة العقائدية وهي خط الدفاع الأخير الذي يحول دون سقوط الأمة واندثار معالمها الحضارية لحساب الحضارة الغازية التي لا تستطيع العيش ولا تروق لها الحياة مع القيم والمعتقدات والمبادئ الإسلامية؟

هل يسمح أدعياء ما يسمى بحرية الفكر بانتهاك حرمات أفكارهم المستوردة وكشف المستور من بضاعتهم الفاسدة وإذا كانوا يسمحون فلماذا هذه الحملات المسعورة على كل ما يمت للدين بصلة

أخيرًا ...!

فإن الجهة المنظمة لمهرجان القرين ومعرض الكتاب في مؤسسة رسمية، وهذا يقتضي أن تكون محايدة في إعطاء الفرص لكافة الفعاليات الثقافية والاجتماعية المحلية منها والعربية ولكن الذي حصل أن المؤسسة الرسمية انحازت لصالح فريق ليس أكثر ثقافة أو أعمق تفكيرًا، بالإضافة إلى أنه أقل حظوة وقبولًا عند الجماهير، بدليل أن بعض المحاضرات كانت عبارة عن تلخيص الكتاب سبق نشره للمحاضر نفسه أو لغيره من الكتاب فيما كان محاضرون آخرون يكررون أنفسهم بترديد أفكار وشعارات لم تخرج عن نطاق ما حفظوه أو لقنوه في بداية حياتهم الثقافية. 

أما عن قبول الجماهير فعدسات التصوير أولى بالحديث عن خلو القاعات إلا من عدد قليل معظمهم من المنظمين والمشرفين أو المصورين والصحفيين.

لماذا تتعمد المؤسسة الرسمية تغييب الفريق الأكثر شعبية وقبولًا ربما يكون الخوف من المنافسة أحد الأسباب، ولكن السبب الأهم باعتقادي هو الخوف من أن يقوم هذا الفريق الأقوى بالكشف عن التفاوت المعرفي بين الطرفين والإعلان عن إفلاس الفريق المدعوم إعلاميًا، ومن ثم تعرية الأسماء والرموز التي طالما تم تلميعها وإبرازها وفرض مقولاتها عبر الوسائل المسموعة والمقروءة ...

 

فشل عرضه في الإمارات... وينتظر المصير ذاته في الكويت

ابن رشد الذي لم نره على الشاشة

● الرجل اللعوب الذي قدمه يوسف شاهين...ليس هو الفيلسوف الذي يعرفه التاريخ

دبي : جهاد الكردي

رغم الحملة الإعلانية الضخمة التي مهدت وواكبت فيلم المصير، في الإمارات، فإن الفيلم لم يلاق إقبالًا جماهيريًّا كبيرًا وكادت صالات العرض في دبي وأبو ظبي أن تخلو من المشاهدين كما حدث في غالبية دور السينما المصرية مما اضطر إدارة السينما إلى عرض الفيلم لأيام قليلة رغم إعلانها سابقًا أن العرض يستمر عدة أشهر، والغريب أن الفيلم الفاشل انتقل إلى الكويت حيث توقع أن يلقى المصير نفسه.

ويفسر مواطنون إماراتيون ووافدون عرب وأجانب هنا عدم الإقبال الجماهيري بفشل الفيلم في عرض الصورة الحقيقية لفكر وتاريخ العلامة ابن رشد أهم فيلسوف مسلم أثّر في الغرب وأبرز الفقهاء والفلاسفة والقضاة والأطباء المسلمين هذا بالإضافة إلى أن الفيلم لم ينجح في كشف الأسباب الحقيقية لظاهرة التطرف والإرهاب التي ناقشها ولم يقدم حلولًا ناجعة لها، بل إن الحل الذي اقترحه وهو الرقص والغناء حل ساذج وقد يكون أحد أسباب تفاقم تلك الظاهرة.

وقد شنت الصحافة الإماراتية هجومًا لاذعًا على الفيلم وانتقدت «صحيفة الخليج» الفيلم تحت عنوان «مصير يوسف شاهين... بئس المصير»، ولم ينجح يوسف شاهين الذي حضر افتتاح الفيلم في الدفاع عن فيلمه واكتفى بترديد عبارات فلسفية غير مفهومة كان أبرزها قوله: «إن الفيلم يتحدث عن انعتاق العقل من قيود كل ما هو متزمت في الموروث وإطلاقه إلى رحابة المستقبل وآفاقه دون غض الطرف عما هو علمي وموضوعي وأصيل في تراثنا حتى لا نضطر إلى تقديم شهادة اعتذار للماضي ويأس من الحاضر واستقالة من المستقبل».

والحقيقة أن كل من شاهد الفيلم هنا أو في القاهرة يدرك تمامًا أن الفيلم إساءة للعقلانية والعلمانية فهو يهزأ بالعقل ويضع تعريفًا جديدًا لـ «التنوير»، وهو الرقص والغناء.

مشاهد الفيلم

يبدأ الفيلم بمشهد مثير يستخدم فيها يوسف شاهين إمكاناته التصويرية والفنية الفذة وهو حرق رجال الكنيسة لأحد مواطني ولاية اللونج دوك بفرنسا في القرن الثاني عشر بتهمة جمع «كتب الكافر» ابن رشد، ويرى الشاب الفرنسي يوسف والده وهو يحترق ويبكي لكن والدته تناشده بأن يهرب من فرنسا ويذهب إلى الأندلس ليتعلم على أيدي الفيلسوف ابن رشد، وينقلنا فيلم المصير مع الشاب يوسف إلى بلاد الأندلس لنرى كيف كان يعيش أعظم فلاسفة الإسلام.

فابن رشد- كما عرضته مشاهد الفيلم- رجل أكول لا يجلس مع الخليفة المنصور إلا للعب الشطرنج، وتجلس ابنته مع الرجال الغرباء وصدرها عار وشعرها حاسر، بل تقع في حب ابن الخليفة، كما أن صاحب ابن رشد الأغر هو المغني مروان الذي يشرب الخمر ويزني وليس له هم إلا ترديد الغناء.

ويعرض يوسف شاهين في فيلمه للصراع الموهوم في عقله بين رجال الدين والفلاسفة فهناك رجال متشددون يمثلهم الشيخ رياض وآخرون معتدلون مستنيرون يمثلهم ابن رشد، ويقع بينهما الخلاف إثر قيام بعض الشباب المتدين بمحاولة اغتيال المغني مروان، ويفتي المتشددون وعلى رأسهم الشيخ رياض بقتل الجناة، لكن ابن رشد يؤكد رفضه لذلك، مشيرًا إلى أنهم شباب جاهل تجرع سموم التكفير، لكن الخليفة المنصور ينحاز للشيخ رياض وجماعته وتبدأ العداوة بينه وبين ابن رشد وتتواصل مشاهد الفيلم لنرى أن الابن الثاني للخليفة الشاب عبد الله وقع في أسر فكر جماعة متطرفة يؤيدها الشيخ واعتزل الحياة وعاش مع بعض قياداتها وأعضائها في الجبال حيث تنجح الجماعة في غسل مخ عبد الله وتحرضه على اغتيال والده الخليفة بتهمة أنه فاسق وكافر .

ينقلنا الفيلم لمشهد آخر وهو الصراع المحتدم بين ابن رشد وجماعة الشيخ رياض، حيث تقوم الجماعة بحرق منزل ابن رشد وكتبه، لكن ابن رشد يقاوم ومعه أنصاره وهم الغجرية مانويلا والمغني مروان ويوسف الفرنسي وزوجته وابنته، وينجح ابن رشد وجماعته في الصمود ويقوم يوسف بتهريب بعض كتبه إلى بلاد الفرنجة، لكن قبل أن يغادر الأندلس يحدث لقاء عاطفي مع بنت ابن رشد!

حل سحري للتطرف الفكري

يحاول ابن رشد وجماعته أن ينتقموا من جماعة الشيخ رياض من خلال جذب ابن الخليفة عبد الله وإعادته إلى وعيه السابق ولكنهم يفشلون وفجأة نرى عبد الله يبتعد عن الجماعة ليمكث بإحدى دور الأندلس ويأتيه المغني مروان فيغني له ويرقص فتنقلب حالة عبد الله ويفيق من غيبوبته ويرقص ويغني وينضم لجماعة ابن رشد، ولا يقتصر عبد الله على الانضمام لشلة الأنس بل يعلن أن جماعة الشيخ رياض تحالفت مع الفرنجة الذين قدموا لاحتلال الأندلس، في تلك الآونة كانت جماعة الشيخ رياض قد نجحت في تأليب الخليفة المنصور على ابن رشد فأصدر أمرًا بحرق كتبه ونفيه إلى خارج البلاد، لكن عبد الله يسرع إلى والده ويخبره بتآمر الجماعة المتطرفة عليه وفي الوقت نفسه، جاء الابن الأول للخليفة بدليل من خارج الأندلس يثبت تآمر الجماعة على والده وتنكشف الحقيقة كاملة ويعلم المنصور أنه أخطأ في حق ابن رشد، لكن الخليفة لا يرد الاعتبار لابن رشد ويأمر بتنفيذ أمره بحرق الكتب، وبالفعل تحرق الكتب ويهرع ابن الخليفة الناصر إلى ابن رشد وهو في طريقه لمنفاه ليؤكد له أنه تم تهريب كتبه إلى خارج البلاد وحفظها في أماكن آمنة وذلك عن طريق الشاب الفرنسي يوسف وعن طريق الناصر الذي سافر إلى مصر، ولتتأكد أخيرًا مقولة ابن رشد الخالدة :«الأفكار لها أجنحة ما حدش يقدر يمنعها توصل للناس».

هكذا بفجاجة وسطحية فكرية دارت مشاهد الفيلم بلغة عامية مبتذلة لتعرض حياة واحد من أهم وأخطر فلاسفة الإسلام، وبسبب تلك الفجاجة وجهت للفيلم انتقادات لاذعة أبرزها انتقاد الناقد السينمائي مصطفى درويش الذي وصف الفيلم بأنه تزييف تاريخي لحياة أبرز فلاسفة الإسلام كما أنه فيلم هابط وبلا معنى وبلا قيمة وقال: يوسف شاهين افترى على ابن رشد والإسلام وفيلمه كان وبئس المصير.

المصير المفجع

ويؤيد الناقد السينمائي محمود الكردوس رأى الناقد مصطفى درويش ويشير إلى أن المصير المفجع ليس بالضبط فيلمًا عن ابن رشد الفقيه والمفكر والفيلسوف وإلا كان ينبغي على الأقل إعطاء أولوية للحديث الأهم في حياته «محنة النفي»، كما أنه ليس فيلمًا تاريخيًّا، فشاهين لم يستحضر عصر ابن رشد بحثًا عن إجابات الأسئلة راهنة حول العلاقة بين السلطة والفكر والجماعات الإسلامية المتشددة كما يتصور للبعض، بل بحثًا عن سؤال يعتقد- منذ صودر المهاجر- أنه هو شخصيًّا يملك إجابته إذا كان لابد من بطل فهو «الكتاب»، بوصفه معادلًا موضوعيًّا للفيلم السينمائي، لذا لم يستعن شاهين بمتخصصين مكتفيًّا ببعض المراجع التي تفيد في الإحاطة بجوانب من الحياة الشخصية لابن رشد أكثر مما تفيد في استبطان خلافاته ومواقفه الفقهية والفكرية، ومن ثم يبدو إعداد السيناريو في عامين فقط مسألة طبيعية بل ربما كانت فترة طويلة نسبيًّا قياسًا إلى فيلم أجمع الكثيرون على أن السيناريو أضعف ما فيه.

ويواصل قائلًا: في فيلم المصير كما في فيلم المهاجر أحيل التاريخ إلى «ذات» يوسف شاهين وليس العكس، فبدا كما لو أن التاريخ «سياق لقيط» وكان تعاطي شاهين مع التاريخ جريئًا إلى حد أنه سمح لنفسه بإعادة ترتيب بعض الوقائع التاريخية واختلاق البعض الآخر وعمد إلى تجريد ابن رشد- موضوع الفيلم ومحور دعايته- من أي سمات أو دلالات تاريخية.

ونحن في الفيلم لسنا أمام ابن رشد العالم المفكر، بل أمام رجل يغازل زوجته، ويشارك الغجر غناءهم ويلعب الشطرنج مع الخليفة، ويثرثر بكلام عن مؤامرة يحيكها ضده الشيخ رياض، وأنت في الفيلم لا تستطيع الادعاء بأن القضية سلطة فكر في مواجهة فكر سلطة، وشاهين تجرأ في فيلمه على شخصية وتاريخ الشيخ رياض والغالب أنه «القاضي عياض » الذي كان يعد واحدًا من اثنين كانا يجسدان الثقافة المغربية والأندلسية في القرن الحادي عشر الميلادي وهو فضلًا عن أنه لم يعش عصر ابن رشد، لم يكن منافقًا أو خائفًا غير أن شاهين تجرأ على تاريخ الرجل ليجعل منه رمزًا صريحًا للإخوان المسلمين.

والخلاصة- كما يقول الكردوس- إن المصير لم يرق حتى إلى مستوى أعمال دعائية موجهة لقضية التطرف الديني ولن يكون فيلمًا جماهيريًّا، وممالأة السلطة والقبول بشروط شباك التذاكر لا يبرر ترهل سيناريو الفيلم طالما أن التعسفية والتعسف بلغا حد اعتبار الفيلم مبادرة لاستئصال الإرهاب قوامها «الرقص هو الحل» .

يقول الدكتور حسن شافعي- أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة– للمجتمع: إن يوسف شاهين افترى على العلامة ابن رشد افتراءات بليغة فقد صوره بأنه شخص شهواني أكول يغني ويرقص ويصارع الفلاسفة رغم أن التاريخ يكذب ذلك كله، فابن رشد لم يتوقف عن الكتابة إلا في ليلتين فقط الأولى يوم ماتت أمه والثانية يوم زواجه وما عدا ذلك كان منكبًا على القراءة والتأليف ولم يكن يحب الطعام كثيرًا فعقله كان مشغولًا بالفكر الفلسفي.

ويشير الدكتور حسن إلى أن محنة الفيلسوف ابن رشد لم تكن مع الفقهاء كما صور ذلك الفيلم، وإنما كانت محنته مع الدولة التي أرادت تفسير القرآن والسنة على مزاجها الخاص، ويقول التاريخ إن ذلك العهد الأندلسي لم يشهد صراعات ولا خلافات بين الفقهاء، بل كان كل الفقهاء دعاة للحرية والعقلانية ودعوا للاجتهاد وكانت العلاقة بينهم طيبة للغاية.

ويؤكد د. شافعي أن وقائع وأحداث التاريخ الصحيحة تؤكد أن ابن رشد صاحب الفقهاء وكان أقرب أصحابه إليه هو العلامة ابن طفيل صاحب قصة «حي بن يقظان» الشهيرة وكان فيلسوفًا وفقيهًا رائعًا، ولم يرو في يوم من الأيام أن ابن رشد صاحب مغنيًّا أو غجرية أو رقص أو حفظ أبيات شعرية هابطة أو أغاني خليعة كالتي سمعناها في الفيلم، بل الصحيح أنه لم يحفظ من الشعر إلا ديواني المتنبي والبحتري وكان كثير الاستشهاد بهما، وهما ديوانان يحملان كثيرًا من العبر.

ويواصل الدكتور حسن قائلًا: لقد شوه يوسف شاهين صورة ابن رشد الشخصية كما شوه صورة أسرته، فزوجته العالمة الوقورة ظهرت في الفيلم بملابس خليعة تضحك مع الرجال وتلاعبهم رغم أنها كانت حافظة لكتاب الله وأحاديث رسوله وكانت مثلًا في الاحتشام والعلم، أما ابنته فهي المفاجأة الكبرى فقد صورها يوسف شاهين على أنها مراهقة خليعة تتصل بالشاب الفرنسي وتحب ابن الخليفة رغم أن الكتب الصحيحة تؤكد أن ابن رشد لم ينجب بنتًا قط!!

ويتساءل: لماذا أغفل يوسف شاهين دور ابن رشد الكبير والخطير في مجالات الطب والفلسفة والفلك والقضاء... أين هي المواقف العظيمة التي تزخر بها كتب التاريخ لمثل هذا الفيلسوف العظيم. الإجابة إن شاهين أغفل كل ذلك وافترى على ابن رشد لغرض في نفسه وهو غرض مشكوك في أهدافه، ويقول: إلى متى يوافق مخرجونا على إنتاج أفلام مشتركة مع غربيين يهدفون بها إلى طمس معالم ديننا وتاريخنا؟!

ويشير الدكتور حسن شافعي إلى أن فيلم المصير فشل في مناقشة قضية التطرف الديني واقتراح سبل لعلاجها، وأضاف: القضية لها أسباب متعددة دينية وفكرية وثقافية واجتماعية، واقتصادية، وشباب الجماعات الإسلامية منهم المعتدل ومنهم المتشدد، والمعتدلون هم الأكثرية، والواضح أن الحكومات لها دور رئيسي في اشتداد ظاهرة التطرف والعنف فهي تتجاوز في معاملاتها مع هؤلاء الشباب ولا تقدم حلولًا واقعية لمشكلاتهم وللأسف فإن يوسف شاهين أخفى كل ذلك، وأعلن لنا عن حله العبقري لتلك الظاهرة، وهي أن التطرف في الفكر لا يعالج بالفكر والحوار والمناقشة، بل يعالج بالرقص والغناء والمجون وهذا جل ساذج ولن يؤدي إلا إلى اشتداد تلك الظاهرة.

يختتم الدكتور حسن حديثه مؤكدًا أن الفيلم تضمن أخطاء تاريخية جسيمة وأراد أن يوحي لنا أن الغرب ممثلًا في يوسف الفرنسي هو الذي أنقذ كتب ومؤلفات ابن رشد وأن جماهير المسلمين تخلت عنه وهذا ليس صحيحًا، فالمعلوم أن كتب ابن رشد لم تحرق بل تم حرق عدد قليل منها فقط وظلت كتب ابن رشد تدرس بالأندلس وغيرها من عواصم العالم الإسلامي، ومن تلك العواصم انتقلت إلى الغرب. والملاحظ أن جماهير المسلمين دافعت عن آراء ابن رشد وكتبه ولم تقف صامتة كما صورها الفيلم.

والخلاصة أن من يرى الفيلم يدرك تمامًا أنه لا يمت بصلة لشخصية ابن رشد ولا أفكاره ولا عصره، وإنما الفيلم تزييف متعمد ويحقق غرضًا في نفس صاحبه وهو غرض لا يساهم إلا في تأجيج ظاهرة العنف والتطرف ولن يقدم لها حلولًا ناجعة.

حسن البنا.. والسهام الـسوداء

ويَوْمَها تيتَّمتْ مصر!

● حل الإخوان واغتيال البنا هيأ المسرح لسحب الجيش المصري من فلسطين وتوقيع اتفاقية الهدنة بين مصر وإسرائيل

● روبیر جاكسون: حسن البنا رجل لا ضريب له في العصر.. صنع التاريخ وحول مجرى الطريق

بقلم : الدكتور جابر قميحة[1]

ما أكثر السهام السوداء التي وجهت إلى الإمام الشهيد حسن البنا ومدرسته في حياته وبعد استشهاده:

- اتهموه بالانحراف بالدين إلى متاهات السياسة.

- واتهموه بالدموية وسلوك طريق العنف والتدمير طمعًا في الحكم والسلطة.

- واتهموه بالتعصب الديني ضد الأقليات غير المسلمة.

- واتهموه بالفردية والدكتاتورية في إدارة الجماعة.

- واتهموا أفكاره وتنظيراته بالغموض والتعميم والبعد عن التحديد الواضح المنتج.

ومازالت منظومة الاتهامات تتجدد وتتكرر تبعًا للظروف ومقتضيات الأحوال السياسية والسلطوية، «كأوراق»، يُلعب بها عند اللزوم.

وعلى الصفحات التالية وعلى مدى بضع حلقات نعرض لمنظومة «السهام السوداء» محاولين- في إيجاز فضح ما تتمتع به من هشاشة وضعف وسقوط وعبثية.

وقع في القاهرة بعض حوادث العنف والنسف الفردية نسبت إلى أفراد من الإخوان وفي ١٠ من نوفمبر سنة ١٩٤٨م اجتمع ممثلو بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة في فايد- وهي قاعدة بريطانية تقع على قناة السويس- والبحيرات المرة، وأجمعوا على ضرورة حل جمعية «الإخوان المسلمين»، وتقدمت السفارة البريطانية بهذا الطلب، بل هذا الأمر لرئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي الذي أصدر في 8 من ديسمبر 1948م الأمر العسكري رقم ٦٣ «بحل جماعة الإخوان وشعبها أينما وجدت ويغلق الأماكن المخصصة لنشاطها، ويضبط جميع الأوراق والوثائق والمجلات والمطبوعات والمبالغ والأموال، وكافة الأشياء المملوكة للجمعية»[2]

وقد علل الإمام الشهيد اندفاع النقراشي إلى حل الإخوان بتعليلات حقيقية خلاصتها :

  1. الضغوط الأجنبية على حكومة النقراشي بضرورة حل الإخوان، وذلك بعد اجتماع فايد في 10/11/1948م، واستجابة لهذا الأمر صدر قرار الحل في 8/12/1948م، وقد أقر وكيل وزارة الداخلية عبد الرحمن عمار بذلك.

ولم يكن هذا جديدًا على القوى الاستعمارية، ففي سنة ١٩٤٢ م- والحرب العالمية على أشدها- طلب السفير البريطاني من رئيس الوزراء مصطفي النحاس حل الإخوان ولكنه رفض، واكتفى بإغلاق الشعب مع بقاء المركز العام إلى حين.

  1. اقتراب موعد الانتخابات التي زعمت حكومة السعديين أنها ستكون في أكتوبر سنة ١٩٤٩م، وتصفية الإخوان، وتشويه سمعتهم تفسح المجال للسعديين للحصول على الأغلبية كما كانوا يعتقدون.

  2. رغبة الحكومات العربية في إنهاء قضية فلسطين بالصورة التي يريدها المستعمرون ومواليهم، وكان الإخوان هم القوة الوحيدة الضاربة التي تقف في وجه الحلول الاستسلامية والتفريط في الحق الفلسطيني.

وأكدت الأيام صدق ما استنتجه الإمام البناء فبعد أن اغتيل مساء 12/2/1949م، وقعت اتفاقية الهدنة بين مصر وإسرائيل في جزيرة رودس في 24/2/1949م، وسحب الجيش المصري من فلسطين، وعشنا بعد ذلك حياة من التنازلات المؤسفة المخزية على ما هو مشاهد على الساحة العربية حاليًّا[3]

واستكمالًا لحلقات المؤامرة دبرت جريمة

اغتيال المرشد في الخامسة من مساء السبت ١٢ من فبراير سنة ١٩٤٩م، وكان التدبير دقيقًا، فقبل الاغتيال اتخذت الحكومة من الخطوات والأعمال التمهيدية ما يأتي:

  1. سحبت من المرشد سلاحه المرخص، وهو وسيلته الوحيدة للدفاع عن نفسه.

  2. رفضت الحكومة طلبًا تقدم به لكي يُعتقل مع أصحابه ومريديه.

  3. رفضت الحكومة كذلك طلبه بأن ينزل ضيفًا مقيمًا بعزبة أحد الإخوان بالريف، وألقت القبض على صاحب العزبة.

  4. منعته الحكومة من السفر إلى الخارج أو التنقل من مكان إلى مكان داخل القطر بغير إذن من الحكومة.

وأمام جمعية الشبان المسلمين في شارع الملكة نازلي أطلق عليه الرصاص، واستقل الجناة سيارة سوداء ثبت بعد ذلك أنها سيارة "القائمقام" محمود عبد المجيد مدير إدارة المباحث الجنائية بوزارة الداخلية، وقد قُدم بعد قيام الثورة ، للمحاكمة هو وعدد من كبار الضباط ورجال المباحث.

وبعد إطلاق الرصاص تحامل الإمام البنا على نفسه، وذهب إلى الإسعاف، ويقال إن أو أمر مشددة صدرت إلى الأطباء بتركه ينزف إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة، ليلحق بركب النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا[4]

صورة نفسية

إننا لو أردنا أن نرسم صورة نفسية لحسن البنا ما اتسع لذلك أضعاف هذه الصفحات التي نقدمها للقارئ وما هذه الكلمات التي نكتبها عن مسيرة حياته وأبعاد شخصيته إلا مدخلًا وتوطئة للموضوع الأصلي لهذا البحث الذي نهدف به- كما ذكرنا من قبل- إلى تفنيد الافتراءات والعبثيات التي تولى كبر كتابتها ونشرها والترويج لها كثير من العلمانيين وأعداء الدعوة الإسلامية ولكننا لا نغلو إذا قلنا: إنه كان يمثل في حياة العالم الإسلامي «الرجل الأمة»، فقد عاش ثقيل الميزان، عالمًا خطيبًا قوي البيان، مؤمنًا بالله إلى أقصى حدود الإيمان، ذكيًا خارق الذكاء، بعيد النظر في أعماق النفوس، وأماد الأحداث يتمتع بأعظم الحظوظ من روح الأبوة والسماحة والقدرة على تطويع النفوس وتوجيهها وتربيتها، وساعده على كل أولئك قوة الذاكرة بصورة لم يسمع أحد، ولم يشاهد أحد لها مثيلًا في عصره وربما في عصور سابقات.

وأغرب الوقائع التي تدل على قوة ذاكرة الإمام البنا- رحمه الله- ما كان بينه وبين كتاب «مستقبل الثقافة في مصر»، الذي كتبه طه حسين، ودعا فيه إلى تغريب «التعليم والثقافة ووسائل العيش والحياة»، ويحكي الإمام البنا قصته مع هذا الكتاب للأستاذ محمود عبد الحليم، فيذكر أن المسؤولين في جمعية الشبان المسلمين أصروا على سماع رأي الإخوان في هذا الكتاب، وخصوصًا بعد أن أعلن طه حسين- بوصفه «مستشار وزارة المعارف»- إصراره على وضع آرائه موضع التنفيذ، وطبع المسؤولون في جمعية الشبان المسلمين الدعوات لحضور محاضرة يلقيها الأستاذ المرشد عن كتاب «مستقبل الثقافة في مصر» بعد خمسة أيام، ولم يكن الأستاذ البنا قد قرأ الكتاب، ولم يجد وقتًا يخصصه لقراءة الكتاب إلا فترة ركوبه الترام في الصباح إلى مدرسته، وفترة رجوعه منها، وكان يضع علامات بالقلم الرصاص على فقرات معينة، ولم تمض الأيام الخمسة حتى استوعب الكتاب كله.

يقول الأستاذ البنا وفي الموعد المحدد ذهبت إلى دار الشبان فوجدتها- على غير عادتها- غاصة، والحاضرون هم رجال العلم والأدب والتربية في مصر ..... ووقفت على المنصة، واستفتحت بحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله وبجانبي الدكتور يحيى الدرديري السكرتير العام للشبان المسلمين، ورأيت الكتاب كله منطبعًا في خاطري بعلاماتي التي كنت علمتها بالقلم الرصاص وبدأت أول ما بدأت فقلت إنني لن أنقد هذا الكتاب بكلام من عندي، وإنما سأنقد بعضه ببعضه، وأخذت- ملتزمًا بهذا الشرط- أذكر العبارة من الكتاب، وأعارضها بعبارة أخرى من نفس الكتاب، ولاحظ الدكتور الدرديري أنني في كل مرة أقول: «يقول الدكتور طه حسين» في الكتاب في صفحة كذا .... وأقرأ العبارة بنصها من خاطري، ثم أقول: ويناقض الدكتور طه نفسه فيقول في صفحة كذا .... وأقرأ العبارة بنصها أيضًا من خاطري، فاستوقفني الدكتور الدرديري، وطلب إلي أن أمهله حتى يحضر نسخة من الكتاب ليراجع معي النصوص والصفحات، لأنه قرأ الكتاب، ولم يلاحظ فيه هذا التناقض، وكأنه لم يقرأ العبارات التي يسمعها الآن.

وأحضر له الكتاب، وظل يتابعني، فيجد العبارات لا تنقص حرفًا، ولا تزيد حرفًا، ويجد الصفحات كما أحددها تمامًا، فكاد الدكتور الدرديري يجن، كما ساد الحاضرين جو من الدهشة والذهول، والكل يتجه- كلما قرأت من خاطري عبارتين متناقضتين- إلى الدكتور الدرديري كأنهم يسألونه: أحقًّا هذه العبارات في الكتاب فيقول الدكتور الدرديري في كل مرة:

«تمامًا بالنصوص والصفحات».

وظللت على هذه الوتيرة حتى أنهيت الكتاب كله، وأنهيت المحاضرة، فقام الجميع- وفي مقدمتهم الدكتور الدرديري- بين معانق ومقبل[5]

ويسقط أدعياء الزعامة من المتشيئين والمتعملقين، ويبقى حسن البنا في ذاكرة التاريخ إشراقة متوهجة لا تخبو ولا تذبل ولا تموت وتبقى مسيرة حياته وفكره مدادًا ومددًا لحملة الأقلام الشريفة الأصيلة من شرقيين أوفياء مؤمنين، وغربيين عدول منصفين، ومن هؤلاء الكاتب الأمريكي روبير جاكسون في كلمات تتدفق بشعور يمتزج فيه الإعجاب والعجب بالحزن واللوعة والأسى:

هذا الشرق لا يستطيع أن يحتفظ طويلًا بالكنز الذي يقع في يده.

إنه رجل لا ضريب له في هذا العصر..... لقد مر في تاريخ مصر مرور الطيف العابر الذي لا يتكرر.

كان لابد أن يموت هذا الرجل- الذي صنع التاريخ وحول مجرى الطريق- شهيدًا كما مات عمر وعلى والحسين.

كان لابد أن يموت باكرًا، فقد كان غريبًا عن طبيعة المجتمع... يبدو كأنه الكلمة التي سبقت وقتها، أو لم يأت وقتها بعد[6]

[1]- أستاذ الأدب العربي بجامعة الملك فهد بالظهران

[2]- نظر: محمد شوقي زكي الإخوان المسلمون والمجتمع المصري ١٣- ٢٤ وسيتشل الإخوان المسلمون ۱۷۱

وفريد عبد الخالق الإخوان المسلمون في ميزان الحق . وقد نشرت مجلة الدعوة في عددها الأول الصادر يوم الثلاثاء ٢٢ من ربيع الآخر ۱۳۷۰- ٢٠ من يناير ١٩٥١م، تحقيقًا مدعمًا بالوثائق والصور للتسلسل التاريخي لحل الإخوان ابتداء من 10 نوفمبر وانتهاء بقرار الحل الصادر في 8 ديسمبر ١٩٤٨م.

[3]- وراجع في تفاصيل هذا المخطط ۱۳۳- ۱۳۷ من كتاب: لماذا اغتيل الإمام الشهيد حسن البنا، لعبد المتعال الجبري «دار الاعتصام»- القاهرة- (ط۲) ١٣٩٨هـ- (۱۹۷۸م). 

انظر: فريد عبد الخالق السابق ٥٣- ٥٥

[4]- وللتوسع راجع موسوعة السياسة د. عبد الوهاب الكيالي وأخرون 4/581 (ط۲) ۱۹۹۰م، وكذلك 7/103- ١٠٦ ط(١) ١٩٩٤م- المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت.

ارجع إلى كتاب عباس السيسي في قافلة الإخوان المسلمون، 1/283 – 284- دار الطباعة والنشر والصوتيات الإسكندرية ط(۲)- (١٤٠٧ – ١٩٨٧م) .

[5]- الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ 1/240 ، 241، وبعد ذلك بمدة ألقى الإمام الشهيد- بطلب منه- محاضرة قوية عن الكتاب في جامعة القاهرة مبينًا خطورة الكتاب على العقيدة، واستمرت المحاضرة عدة ساعات (انظر عمر التلمساني ذكريات لا مذكرات ٤١- دار الاعتصام- القاهرة (١٩٨٥) .

[6]- الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ 1/240 ، 241، وبعد ذلك بمدة ألقى الإمام الشهيد- بطلب منه- محاضرة قوية عن الكتاب في جامعة القاهرة مبينًا خطورة الكتاب على العقيدة، واستمرت المحاضرة عدة ساعات (انظر عمر التلمساني ذكريات لا مذكرات ٤١- دار الاعتصام- القاهرة (١٩٨٥) .

 

لحظة عصيان

شعر: يحيى بن سعيد آل شلوان

ويخ قلبي ما سر ذا الخفقان؟!

 
 وأنا هنا مع لذتي بأمان

 
ما سر هذا الخوف يعصف داخلي

 
 وجيوشه هجمت بكل مكان؟ 

 
النور من حولي ينير وينتشي. 

 
 وأحس أن الليل ملء جناني 

 
وأحس أني غارق في حيرتي 

 
 - ويلي - أضعت لشقوتي شطآني 

 
كدرٌ يخالط لذتي وانا بها 

 
 ما رمت إلا راحة النشوان 

 
صوت ينادي في الضمير يهزني

 
 كي لا أجاري النفس في الطغيان 

 
یا نفس - ويحك - بالحياء تجليبي 

 
 إن الذي خلق الظلام يراني 

 
أف لها من لذة مشؤومة 

 
 قد نلتها في «لحظة العصيان»

 
ذهبت لذاذتها وأبقت حسرة

 
 في القلب أقسى من لظى النيران

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مرثية الحب الضائع

شعر : هلال البرج

يا نديم الروح عن

 
 كم أحب أن تغني
 
إن شوقي قد كواني 

 
 وحنيني جار عني 

 
وهمومي ملء قلبي

 
 ودموعي ملء عيني 

 
وسئمت العيش لولا

 
 فضل حلم وتمني 

 
وفؤادي مال ميلا 

 
 لزمان ضاع مني 

 
غاب عن وجه الوجود 

 
 كل بشر وابتسام 

 
وغدا الكل حزينًا 

 
 عابسًا مثل الظلام 

 
فإذا قلت: سلامًا 

 
 قال ناس ما السلام؟

 
فزمان الناس أضحى 

 
 يا نديمي في تدني 

 
وقلوب الكل جرحى 

 
 فاندب الماضي وغن 

 
كل شيء صار يشدو 

 
 بأناشيد الجفاء 

 
وأغاني الحب ماتت 

 
 منذ ان مات الإخاء 

 
وغدا الكون بحارًا 

 
 من دموع ودماء 

 
فنهار الناس ليلٌ

 
 لا حبور أو تمني 

 
قد أصاب الحب سيل 

 
 فاندب الحب وغن 

 
أين تلك اللحظات 

 
 يقطر منها الحبور؟

 
أين تلك الجلسات 

 
 نحتسي فيها السرور؟

 
ليس فينا من يخون 

 
 ليس فينا من يجور 

 
لتبنينا الذنوب 

 
 فرمانا ذا التبني 

 
وأصابتنا الخطوب

 
 فاندب الحظ وغن

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 36

140

الثلاثاء 17-نوفمبر-1970

الإسلام الطريق إلى السؤدد

نشر في العدد 596

101

الثلاثاء 23-نوفمبر-1982

مقدمات للدولة المارونية

نشر في العدد 873

107

الثلاثاء 05-يوليو-1988

باختصار: (العدد:873)