العنوان مشكلات حركية معاصرة: الحركة الإسلامية.. والتعايش بين الأجيال
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر الجمعة 21-مايو-2004
مشاهدات 74
نشر في العدد 1601
نشر في الصفحة 46
الجمعة 21-مايو-2004
من المشكلات الخطيرة التي يمكن أن تواجهها الحركة الإسلامية مشكلة ما يسمى صراع الأجيال... وهذه المشكلة يمكن أن تتفاقم إذا بقيت بدون حل جذري حاسم يلحظ أسبابها.. وسأحاول هنا تسليط الضوء على المشكلة وصولًا إلى تقديم حلول جذرية، من شأنها أن حملت بصدق وطبقت بصدق. أن تساعد بعون الله على الخروج من دوامة التآكل التي يخشى أن تسببها..
أسباب المشكلة وخلفياتها:
إن معظم المشكلات الحركية الداخلية.. يعود سببها إلى جانبين أساسيين جانب تربوي.. وآخر فكري تصوري..
1- ففيما يتعلق بالجانب الفكري يكمن الخطر في إهمال تناول المشكلة وتشريحها, كما في تبيان خلفيات نشوئها ومدى خطورتها على الصف، إضافة إلى تناقضها وتصادمها مع مسلمات التلاحم البنيوي في المجتمع الإسلامي، إنها تتناقض مع رمزية وحدة الأمة وقدسية الإخوة الإسلامية، كما تتناقض مع المصلحة الإسلامية جملة وتفصيلًا.
- إن صراع الأجيال يتناقض مع وجوب تعاون الجميع على الخير الذي أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2)
- وهو يتناقض كذلك مع قول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر».
- وصراع الأجيال يتناقض والمصلحة الإسلامية التي تقتضي المحافظة على كامل القوى والإمكانات وعدم التفريط فيها.
- ثم هو يتناقض مع الحاجة إلى تنوع القوى والإمكانات في المسيرة الإسلامية التي لا يضمنها إلا تنوع الأجيال والاختصاصات وتناغمها فيما بينها.
- وهو يتناقض كذلك مع فاعلية وجهوزية الإسلاميين في مواجهتهم للقوى المضادة التي تمكر وتتحرك وتتآمر بتكامل بجميع أجيالها وتنوع اختصاصاتها.
- ثم هو يتناقض مع أبجديات النظام الهرمي ومؤسساته التخصصية التي تلحظ تعدد الأجيال والتخصصات لدى توزيع الأدوار والمهمات.
مثال من الواقع المعاصر:
ماذا يمكن أن يحدث لو اقتصر الواقع الحركي على جيل من الأجيال لو اقتصر على الشيوخ تعطلت القدرة التنفيذية والإجرائية، وإن اقتصر على الشباب تعطلت القدرة التشريعية والفكرية؟
إن قوة الواقع الحركي وأصالته تتمثل في أخذ كل جيل موقعه الطبيعي في تنافس من غیر تزاحم، فالساحة تتسع للجميع والمهمات أكبر من الجميع، وكل ميسر لما خلق له.
لقد ظهرت هذه المشكلة في بلد، حيث احتل الشباب مواقع الشورى وبقيت مواقع التنفيذ شاغرة ليس بمقدور الشيوخ ملؤها فأنت على القواعد ولم توفر أحدًا.
مثال من الأمس الغابر:
وفي مقابل الصورة السابقة أمامنا صورة مختلفة عنها اختلافًا كليًا وجذريا.. من صورة المجتمع الإسلامي الأول صورة أبو بكر الصديق علي بن أبي طالب -رضي الله عنهم- لا يتقدم فيه الشباب على الذين سبقوهم بإيمان وإحسان، والذي يحرص فيه الشيوخ على الشباب من غير أثرة في الرأي أو احتكار للعمل، والذي يكون كل جيل فيه على ثغرة من ثغور العمل.
وهكذا تمضي المسيرة.. الشيوخ يرحلون.. يأخذ الشباب مكانهم, ويحل جيل مكان جيل.. خلف يحل محل سلف في تحاب وتواد وتراحم، يحدوهم دعاء رباني آسر لا ينقطع ولا يغيب ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحشر: 10).
تلك هي الصورة الحضارية الراقية للعلاقة الحقيقية التي يجب أن تكون بين أجيال الحركة الاسلامية وأطراف الساحة الإسلامية، وليس صورة النزاع والشقاق ومعارك الإقصاء والإلغاء التي توشك أن تحل بنا اليوم.
2- أما ما يتعلق بالجانب التربوي: فهو على جانب كبير كذلك من الأهمية، حيث تستوجب الوقاية قبل وقوع المشكلة، وإن درهم وقاية خير من قنطار علاج.
إن تربية الصف والقواعد على منهجية التكامل بين الأجيال من شأنه أن يحفظ الحركة ويجنبها الإصابة بهذا الداء الخبيث.. والقيادة يجب أن تكون حريصة على توزيع المسؤوليات على أفراد الصف جميعًا، بحيث لا يبقى أحد عاطلًا عن العمل، لأن الفراغ هو الحلقة الأضعف أمام الخرق الشيطاني...
إن حسن التعامل مع الخطاب النبوي اللافت: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا», من شأنه أن يرسي دعائم المعادلة الصحيحة في جسم التنظيم وحركته، وبالتالي يحفظه من الانزلاق إلى هذه المشكلات.
وتبقى قضية التعايش بين الأجيال... التعايش في كل أشكاله.. في الرحلة والسفر والمخيم.. التعايش في أداء عمل معين، أو تنفيذ مهمة بذاتها..
إنه لا يجوز بحال أن تنقطع الأجيال عن بعضها، وتتحول إلى ما يشبه الطبقية، لأنها مدخل كذلك إلى صراع الأجيال.
إن دور القيادة في كل ما تقدم دور أساسي ولا يمكن أن يحل محلها فيه أحد. وتعايش القيادة الدائم مع القواعد وقربها من الأفراد واهتمامها المباشر بشجون الصف وشؤونه، من شأنه أن يقضي على مشكلة صراع الأجيال إلى غير رجعة بعون الله تعالى.