العنوان نصيحة لوجه الله إلى إخواننا في السودان
الكاتب عبد السلام الهراس
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-2000
مشاهدات 89
نشر في العدد 1421
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 10-أكتوبر-2000
الرجل العظيم هو الذي يتحكم في غضبه ويقيس الأمور بقياس المقاصد وسد الذرائع وحساب المآلات مؤثرًا المصلحة العليا للإسلام والمسلمين
ما وقع في السودان من خلاف وانفصال بين الرجلين اللذين صنعا – بفضل الله، ثم بمساندة الأمة الإسلامية كل بحسب استطاعته – السودان الجديد شغل القيادات الإسلامية وقواعدها وعلماءها وجماهيرها وكبارها وصغارها، ولاتزال الأسئلة ترد وتتوارد بدافع الإشفاق على السودان، والتقدير لقياداته المختلفة، التي صابرت وجاهدت واستطاعت أن تعطي درسًا في الحفاظ على الكرامة والسيادة والاستقلالية، وقد كان الشعب السوداني في هذا المجال المثال الرائع النادر للشعوب التي لا تتساهل في كرامتها ولا تساوم في سيادتها ولو سفت التراب، وأكلت ما يأكله المضطر.
والحقيقة أن الشعب السوداني من الشعوب الإسلامية القليلة التي تضع كرامتها وشرفها ودينها ووطنها فوق كل اعتبار وتضحي في سبيل ذلك برفاهيتها وازدهارها، لأنه مستعد أن يضحي بنفسه وماله وأبنائه.. وهذه الخصيصة غابت عن الحكام العسكريين المصريين أوائل الانقلاب حيث كانت مصر والسودان قاب قوسين أو أدنى لإعلان الاتحاد في دولة واحدة أيام حكم إسماعيل الأزهري.
وبين عشية وضحاها حل النفور محل الوئام، والانسجام، وأزيح الأزهري، وانتهت سياسة التبشير بالوحدة بين الجارتين، وقد كنا نظن أن هناك مؤامرة إنجليزية وصهيونية وأمريكية، وعندما اتصلنا بإخواننا السودانيين الموثوقين أفضوا لنا بالحقيقة، وهي أن الحكومة المصرية العسكرية لم تحسن سياستها مع الشعب السوداني، فصارت تمتن عليه وتتصل بالجنوبيين وترسل إليهم صلاح سالم وغيره، وتتدخل في شؤونه الداخلية بطريقة مكشوفة وغير لبقة، ثم إن السودانيين مجبولون على الحرية، والحكم العسكري سيطبق على السودان الدكتاتورية القائمة بمصر وكان بعض الأصدقاء السودانيين لايزالون إلى الآن يرون استحالة توحيد الجارتين الإسلاميتين العربيتين ما لم تتم بمحض إرادة شعبية عن طريق حكومتين ديمقراطيتين حرتين.
قلت هذا لأبين أن الشعب السوداني بلغ من الوعي والنضح السياسي مبلغًا لا يكاد يوجد عند شعوب عربية أخرى. وقد رأينا هذا الشعب العظيم كيف أحاط خلاف القيادتين السياسية والعسكرية أو قل الترابية والبشيرية بجو خاص، لم يتح لهذا الخلاف أن يتفجر إلى حد الفتنة والفوضى، بل حوصر الخلاف حصارًا قويًا ومحكمًا، ولكن التوتر لا يزال قائمًا.
والحقيقة المستفادة من هذه الواقعة أن هناك شعبًا مسلمًا عربيًا استطاع أن يجتاز محنًا صعبة بنجاح وتوفيق، أفلا يستحق هذا الشعب التقدير والاحترام، والاستجابة لتطلعاته (الخيرة) والانسجام مع سلوكه الحضاري الراقي؟.
إن أولى من يجب عليه أن يرضي هذا الشعب بعد إرضاء الله سبحانه ويتجاوب مع مستواه الحضاري، ويعمل على تجنيبه ويلات الفتن والمزالق لهم القادة السياسيون والعسكريون أنفسهم، فعلى الفريقين أي الدكتور حسن الترابي، والرئيس البشير أن يكونا في مستوى المسؤولية الدينية والتاريخية وهما يتواجهان في هذه المحنة الجديدة.
إن الحفاظ على السودان مسلمًا وموحدًا وقويًا أهم وأسمى من أن يكون قائده فلانًا أو علانًا، ولا سيما أن السودان على أهبة انطلاقة جديدة وقوية بعدما تحسنت علاقاته الخارجية تحسنًا كبيرًا، ويبدو أن د. حسن الترابي الذي يحوز إعجاب كثير من الشباب الإسلامي وقياداته، سيكون أكثر توفيقًا وصوابًا ومثار إعجاب هؤلاء المعجبين به، وتقديرهم لو يفهم عن الله، وينصرف عن السياسة إلى التربية والتعليم والتأليف.
سوار الذهب
إن السودان الذي أعطى مثالًا فريدًا من خلال زهد المشير عبد الرحمن سوار الذهب، ورئيس وزرائه في الحكم طواعية والتزامًا لا يبخل علينا هذه المرة بأن ينأى د. حسن الترابي بنفسه عن كل ما يعود على الشعب السوداني المؤمن الناضج المثابر بما لا تحمد عقباه.
وقد يقول قائل: ولماذا لم تنصح البشير باعتزال السياسة والفهم عن الله، أليس الدكتور الترابي هو القائد والمؤسس وشيخ الجماعة؟
والجواب واضح: وهو أن الحكم الفعلي هو في يد البشير، وأن الجيش بجانبه، وأن معظم القيادات السياسية والإسلامية في الداخل والخارج مع البشير، وقد شاهدت ذلك في مناسبات عدة، وهناك تحامل بحق أو بغير حق على الدكتور الترابي من أطراف متعددة، كما أن هناك ثناء شاملًا على البشير وأنصاره، ولذلك وازنت بين الرجلين فوجدت الخير في انسحاب الدكتور حسن فهو الشرط الأساسي في نزع فتيل الأزمة، ويبقى للدكتور الترابي فضل التضحية والسبق، كما كان له فضل التأسيس والتسيير والمصابرة.
ولقد وقع في عهد المرابطين حالة مشابهة لما وقع في السودان، كانت عواقبها حسنة بالنسبة للطرفين وبالنسبة للإسلام، أسوقها مختصرة لما لها من دلالة واضحة.
قائد مرابط
اشتهر أبو بكر بن عمر اللمتوني بأنه أكبر قائد مرابط اعتمد عليه عبد الله بن ياسين بعد وفاة أخيه يحيى بن عمر اللمتوني في انطلاقة المرابطين الجهادية في المغرب والصحراء والسودان المغربي فقد أبلى بلاء حسنًا خلال حياة إمامه وبعد موته، وقد أصبح بعد استشهاد عبد الله بن ياسين هو الأمير المبايع بلا منازع، واستطاع أن يستمر في جهاد البرغواطيين (۱) فاستأصل شأفتهم بعد أكثر من ثلاثة قرون من غيهم وفسادهم، وانحراف عقيدتهم، ثم أخضع قبائل ومدنًا وإمارات لحكم المرابطين، ثم عاد إلى الصحراء لإخماد بعض الفتن الناشبة بين أهلها، وعقد لابن عمه يوسف بن تاشفين الخلافة عنه بالمغرب، ونصح مطلقته زينب بنت إسحاق النفزاوية أن تتزوج ابن عمه هذا بعد انقضاء عدتها منه، وقد طلقها إشفاقًا عليها من حياة الصحراء التي قد لا يعود منها في رحلته هذه.
وفعلًا تزوجت يوسف بن تاشفين الذي استمر في تذليل الصعاب بالمغرب من أجل توحيده، وجعله دولة، وقد تحقق له ذلك حتى أصبح أميرًا كبيرًا مطاعًا، لكن أبا بكر بن عمر عاد لزيارة المغرب باعتباره الأمير ليزور خليفته يوسف بن تاشفين لكن يوسف رأى ورأى من معه ولاسيما زوجته الجميلة الداهية أنه جدير بإمارة المغرب فنصحته أن يقابل ابن عمه أبا بكر بن عمر لقاء الند للند فلا يتواضع له، ولا ينزل عن فرسه كي يشعره أنه لم بعد خليفته، بل أصبح هو الأمير السيد المطاع في هذه البقاع المغربية، كما نصحته أن يلاطفه بالهدايا من الأموال والخلع وسائر طرف المغرب، وليستكثر من ذلك، ففعل ما نصحته به.
وجاء في كتاب «الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى» ج٢/٢١ – ٢٣ « فلما قرب أبوبكر بن عمر من أعمال المغرب خرج إليه يوسف بن تاشفين. فلقيه على بعد وسلم عليه وهو راكب سلامًا مختصرًا، ولم ينزل له، ولا تأدب معه الأدب المعتاد، فقال له: «ما تصنع بهذه الجيوش؟ قال أستعين بها على من خالفني»، فارتاب أبو بكر به ثم نظر إلى ألف بعير قد أقبلت موقرة فقال ما هذه الإبل الموقرة قال أيها الأمير إني قد جئتك بكل ما معي من مال وأثاث وطعام وإدام لتستعين به على بلاد الصحراء، فازداد أبو بكر تعرفًا من حاله، وعلم أنه لا يتخلى له عن الأمر، فقال له يا ابن عم انزل أوصك، فنزل وجلسا فقال أبو بكر إني قد وليتك هذا الأمر، وإني مسؤول عنه، فاتق الله تعالى في المسلمين واعتقني وأعتق نفسك من النار، ولا تضيع من أمور رعيتك شيئًا، فإنك مسؤول عنه، والله تعالى يصلحك ويعدك ويوفقك للعمل الصالح والعدل في رعيتك وهو خليفتي عليك، وعليهم، ثم ودعه، وانصرف إلى الصحراء، فأقام بها مواظبًا على الجهاد في كفار السودان السنغال وغيرها من جنوب المغرب إلى أن استشهد من سهم مسموم أصابه في شعبان سنة ٤٨٠ بعد أن استقام له أمر الصحراء كافة إلى جبال الذهب من بلاد السودان والله غالب على أمره».
وهكذا لما تواجه الرجلان الصالحان تنازل أحدهما للآخر وانصرف كل منهما إلى مواصلة الجهاد والفتوحات أبو بكر بن عمر في الجنوب من الصحراء بلاد السودان، ويوسف بن تاشفين في الشمال بالمغرب الأقصى، والأوسط، والأدنى والأندلس، وبفضل هذه الدولة بتوفيق من الله تأسست أعظم دولة في المغرب الإسلامي، وأوسعها رقعة وبفضلها كانت الدولة الموحدية بعدها، ثم في ظل دولة المرابطين وجهادهم أنقذ الله الأندلس وأمد في عمرها أربعة قرون جديدة بعدما كانت قد أوشكت على الضياع والاضمحلال في ظل حكم ملوك الطوائف.
الصلح والتضحية في سبيل الإنقاذ
فهل يقر الله أعين المسلمين بانصراف كل من القائدين الأخوين المخلصين إلى البناء، كل لما يسر له ومجال البناء - والحمد لله - واسع ما خلصت النيات وصفت النفوس، وسمت الأرواح، وارتبطت بما عند الله، وزهدت في الجاه والذكر والألقاب الكبيرة.
إن عظمة الرجال تظهر فيما تظهر فيه عندما تحل أزمة مثل أزمة القيادات في السودان، وليس الرجل العظيم هو الذي يكون قصده تقويض أخيه والفتك به، ولو أدى ذلك إلى خسارة الجميع وتضييع الوطن كله، ولكن الرجل العظيم هو الذي يتحكم في غضبه ويقيس الأمور بقياس المقاصد وسد الذرائع، وحساب المالات مؤثرًا المصلحة العليا للإسلام والمسلمين، والشعب الذي عانى كثيرًا وهو يناصر هؤلاء القادة، فليس من الدين ولا المروحة ولا العقل أن تكون هذه القيادات سببًا في إلقاء هذا الشعب في خضم الفتن المدلهمة العمياء، والعاقل من يعتبر، والله سبحانه وتعالى يهدي الجميع إلى الحق والصواب، ويجزي الصابرين المحتسبين على صبرهم، وتعقلهم وبعد نظرهم، وإخلاصهم لله وللرسول وللمؤمنين، وتحية للشعب السوداني العظيم، والدعاء الدائم والخالص لإخواننا في السودان أن يوفقهم ليكونوا عظماء خارج المسؤولية وداخلها في ظروف التناكر والخلاف والتنافر، كما كانوا عظماء أيام الائتلاف والتقارب والتعارف.
وليتق الله كل من له إسهام في قيادة السودان وليبادر إلى إصلاح ذات البين قبل حلول الحالقة والكارثة، وليبادر إلى نزع الفتيل قبل الانفجار، وهنيئًا للطرف المضحي في سبيل الإنقاذ.
===============
هامش
البراغواطيون: إمارة انتشرت في المغرب من أواخر القرن الثاني إلى منتصف القرن الخامس الهجري، وكانت عقيدتها فاسدة، ادعى بعض زعمائها النبوة وكانت كثيرة البدع والأساطير.