; ألبانيا: هل أوشك الإسلام على الرحيل؟! | مجلة المجتمع

العنوان ألبانيا: هل أوشك الإسلام على الرحيل؟!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأحد 05-يناير-1992

مشاهدات 64

نشر في العدد 983

نشر في الصفحة 22

الأحد 05-يناير-1992

    • الشوارع في تيرانا ممتلئة عن آخرها فالشعب عاطل لا يعمل والخوف يسيطر على تصرفات الناس
    • حملات التنصير بين المسلمين نشطة للغاية مستغلين حاجة المسلمين وفقرهم.
    • إن الجماهير الغاضبة التي أسقطت تمثال أنور خوجة وفتحت المساجد لم تتمكن من الصلاة بعد.
    • أقسمت الأم تريزا أن يكون في استقبال البابا حينما يذهب إلى ألبانيا مائة ألف مسلم تخلوا عن دينهم.

ظل الدكتاتور الراحل أنور خوجه يردد طيلة حياته أنه يفضل أن يقتات شعبه العشب ولا أن يستدين، وبعد أن مات خوجه بخمس سنوات وفتحت أبواب تيرانا على مصراعيها اكتشف العالم أن تيرانا أكلت العشب واستدانت.

ورغم أن قطاع أوروبا الشرقية (الشيوعي سابقًا) يموج بغضب الجماهير التي وجدت نفسها فجأة لا هي تحت نظم شيوعية توفر لها الحد الأدنى من الحياة (غير الكريمة) ولا هي تحت نظم رأسمالية تمتعها بالخبز والحرية.. إلا أن الحالة في ألبانيا أكثر حدة والسؤال الأول الذي يتبادر إلى ذهن أي زائر لتيرانا: ماذا كانت تفعل ألبانيا طيلة الخمسين عامًا السابقة؟! فلا دخل قومي ولا قطاع صناعي ولا إنتاج زراعي، وليست هناك ثمة إنجاز على أي مستوى سوى الفقر والأغلال.

الشوارع في تيرانا ممتلئة عن آخرها نهارًا؛ فالشعب عاطل لا يعمل، ومساءً يبدو أحدهم هنا أو هناك، فالخوف من الاعتداءات دفع الناس إلى الحذر في مجتمع محافظ شديد التماسك قوي البنية عصف به الزلزال الأخير فأطاح بثوابته، وخرج الناس يبحثون عن الخبز والحرية.. أما الخبز فيحتاج الوقوف ساعات طويلة في صفوف لا تنتهي في انتظار شاحنات الجيش أن تأتي به إلى المخابز في حراسة دوريات الجيش المسلحة خوفًا من هجوم الجياع كما حدث مرارًا، أما أبسط المواد الغذائية مثل البطاطس والأرز والبيض فليس من السهل الحصول عليها، وإن وجدت فأسعارها ستة أضعاف سعرها الحقيقي. وبالسؤال، كانت الإجابة قاسية؛ فألبانيا في حالة مجاعة غير معلنة، وبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة أعلن أن ألبانيا في حاجة يوميًّا إلى ألف طن من المواد الغذائية، والحكومة تعلن صراحة أن كل ما يأكله الشعب الآن يأتي من المعونات الخارجية بعد أن توقف الفلاحون عن العمل في المزارع الجماعية التي أرغمتهم (الثورة) الشيوعية على العمل فيها وحرمتهم حتى من تربية أو امتلاك الطيور أو الماشية.

ونظرًا لأن قانونًا صدر أخيرًا بإعادة توزيع الأراضي على أصحابها فالجميع في حالة انتظار، والحكومة تدعي أن سبعين بالمائة من الأراضي تم بالفعل إعادة توزيعها في حين أن المعارضة تنكر ذلك، وحتى المناطق التي تم فيها تقسيم الأراضي على فلاحيها فقد شهدت نزاعات مسلحة بين الفلاحين أنفسهم، حيث تدعي الأطراف المختلفة أحقيتها في هذه الأرض أو تلك، وكما هو الحال في القطاع الزراعي يقف القطاع الصناعي مشلولًا عاجزًا عن العمل؛ والسبب أن المواد الخام اللازمة للتشغيل والإنتاج غير موجودة، ومن ثم فإن حالة من البطالة الإجبارية تعم كافة الوحدات الإنتاجية في هذا البلد الفقير. وبين الجوع والبطالة ينفس الناس غضبهم عبر الهجوم الجماعي على ما يمكن أن تصل إليه الأيادي من المخابز والأفران ومحلات المواد الغذائية، بل إلى مخازن الهيئات والمنظمات الإنسانية التي جات لتوزيع معوناتها على أفراد الشعب، وعادة ما يسقط الجرحى والمصابون وربما القتلى من جراء هذه الثورات التي أصبحت ظاهرة منتشرة في كل ألبانيا..

وبحلول فصل الشتاء وافتقاد مواد التدفئة من أخشاب وغيرها يلجأ الناس إلى تقطيع الأشجار لاستخدامها في التدفئة في المنازل أو شراء أجهزة تدفئة كهربائية بسيطة -إن وجدت- وهو الأمر الذي لا تتحمله شبكات الكهرباء الضعيفة المتهالكة؛ فتنقطع الكهرباء عن أحياء بكاملها لأيام عديدة، أما المياه فأمر انقطاعها أصبح معتادًا حتى إن وحدات تابعة للجيش تقوم بحراسة خزانات المياه.

 وقد امتدت هذه الأحوال التعيسة إلى القطاع الصحي حيث تفتقد المستشفيات الرئيسية أبسط المواد الطبية من معقمات وضمادات ومواد التخدير. وجولة سريعة في المستشفى الوحيد للأطفال في كل ألبانيا والموجود في تيرانا كفيل بإثارة مشاعر الأسى والحزن العميق على هؤلاء الأطفال الذين يفتقدون أدنى درجات الرعاية الصحية رغم أن أكبر نسبة منهم تعاني من أمراض سوء التغذية، نفس الحال يتكرر في المستشفى العام الذي يفتقد حتى للإبر والأدوات الجراحية، أما ملجأ الأطفال حتى عمر ثلاث سنوات فإن حالته أسوأ؛ حيث ببساطة.. التدفئة مقطوعة والكهرباء كذلك، أما المياه فإنها تأتي على فترات متقطعة، وتشكو إدارة الملجأ من نقص الألبان والمواد الغذائية اللازمة للأطفال في هذه السن، ورفضت مديرة الملجأ أن تقبل إعانة مادية من هيئة إغاثية قائلة: «أنا في حاجة لتوفير الغذاء، أما المال فلن أستطيع أن أشتري به شيئًا لأنه ليس لدينا شيء على الإطلاق».

وغني عن الحديث مجالات الخدمات من مواصلات وهاتف وإدارات حكومية تقف مبانيها في حالة يرثى لها بعد أن فقدت بعضًا من نوافذها، واكتست بمسحة عميقة من الحزن وهي التي تقف في عاصمة دولة أوروبية.

أما عمليات التفنن في الهروب إلى خارج البلاد وتزوير جوازات السفر والتأشيرات فقد أصبحت مهنة في حد ذاتها، كما بدأ البعض في الترويج للمخدرات والدعارة وهي أمور كانت حتى وقت قريب ومازالت يستنكفها المجتمع الألباني بشدة.

كذلك امتدت الأعمال الإجرامية التي تضاعفت عما كانت عليه من قبل إلى الطريق الرئيسي الذي يربط بين المدن؛ حيث يجبر السائق على ترك سيارته وما بها للسارق في هذه الطرق الجبلية الوعرة، بل طالت هذه العمليات الإجرامية قبور الموتى على أمل الحصول على شيء يستحق البيع.

الجوع والحرمان أداة التبشير

وكعادة المبشرين والمنصرين الذين يستغلون حرمان الشعوب وفقرها لطمس هويتها وانتزاع دينها منها هرع عشرات المبشرين والهيئات الكنسية إلى ألبانيا إثر الانفراج الذي شهدته وفتحت بعده حدودها التي ظلت مغلقة في وجه العالم ما يزيد عن أربعة عقود، وكانت في مقدمة المبشرين الراهبة المعروفة تريزا التي أقسمت أن يكون في استقبال بابا الفاتيكان حال زيارته لألبانيا مائة ألف مسلم تخلوا عن دينهم وتنصروا، وقد أوفدت العشرات من راهباتها إلى هذا البلد المسلم لتضليل المسلمين البسطاء الذين راحوا يعلقون الصليب على صدورهم كهدية من الأم تريزا رغم أنهم مسلمون.

ومن ناحية أخرى كثفت اليونان التي لها مطامع في منطقة الجنوب الألباني من نشاطها التبشيري في هذه المنطقة؛ حيث أوفدت عشرات القسس إليها وقامت ببناء العديد من الكنائس أكبر من الحاجة الفعلية للأقلية الأرثوذكسية الموجودة في هذه المنطقة، وقامت كذلك بتشجيع التجار اليونانيين للذهاب إليها وشراء الأراضي والمتاجر.

أما إيطاليا التي تجوب قواتها المسلحة طول البلاد وعرضها بحجة توزيع المواد الغذائية المهداة من إيطاليا إلى ألبانيا فقد قامت بمنح العديد من الشباب الألبان المسلمين منح دراسية ليدرسوا في مدارسها الدينية في روما، كما تشجع الإيطاليين على تبني أطفال المسلمين الألبان وتربيتهم في إيطاليا كنسيًّا على أمل العودة بهم لاحقًا لتضليل أهاليهم وشعبهم.

والملاحظ أنه رغم أن إيطاليا واليونان تتصدران قائمة المؤسسات التبشيرية التي طفحت بها تيرانا إلا أن كافة دول أوروبا، بل وأمريكا وكندا أرسلت بعثاتها التبشيرية أيضًا إلى هناك، وقد أخذ هذا النشاط التنصيري صورًا متعددة من إقامة حفلات غنائية لمشاهير المغنيين العالميين يتخللها «دعاء المسيح»، أو فرق رياضية أو رجال أعمال ومستثمرين يقيمون مشاريعهم ويشترطون تشغيل الأقلية المسيحية الألبانية بها.

وفي هذا السياق فإن الملاحظة الجديرة بالاهتمام أنه رغم هذا التنوع في وسائل التبشير ورغم تعدد الجهات المنصرة وتداخل الغايات الدينية مع السياسة إلا أن الجميع عمل من خلال روح الفريق الواحد، على عكس الهيئات الإغاثية الإسلامية التي تذهب إلى هناك وتتخذ أشكال مساعدتها الطابع العفوي، وذلك من خلال بناء مسجد هنا أو هناك أو تبني بعض الأئمة أو توزيع بعض المساعدات الغذائية دون أي خطة بعيدة المدى ودون التنسيق مع بقية المؤسسات الإسلامية العالمية في هذا المجال.

كما تجدر الملاحظة أن هذا النشاط التنصيري سار في محورين أولهما العمل على سلخ المواطن الألباني المسلم البسيط عن دينه وإسلامه عبر إغرائه بالعمل والمال وسد جوعه... إلخ.

وثانيهما عبر دعم الأقلية المسيحية، سواء على مستوى العمل السياسي من خلال دفعها إلى الصفوف والمراكز الحاكمة والمؤثرة مستغلة ضعف الحكومة وحاجتها إلى الدعم والمعونات، أو من خلال تقوية هذه الأقلية ماديًّا على أمل أن تتركز في أيديها في المستقبل القريب مقدرات وثروات هذه الأمة وأن تصبح هي الطبقة المالكة والحاكمة في دولة أوروبية رأسمالية كما يخطط لها.

ورغم أن المخاطر التي تهدد العاصمة البلقانية المسلمة لا تكمن فقط في التبشير فهناك الفرق الضالة من البهائيين وغيرهم الذين زحفوا إلى ألبانيا وأقاموا مراكزهم ومؤتمراتهم، إلا أن التبشير يبقى هو الأخطر في ظل طموح أوروبا وسعيها لاستئصال الإسلام من الدولة المسلمة الوحيدة التي تضمها أوروبا؛ خوفًا من رياح إسلامية قوية تهدد مصالحهم وأطماعهم في هذا البلد الطيب.

وتزداد إشكالية الأزمة من خلال ما ذكرناه وهو افتقاد الهيئات الإسلامية التي تذهب إلى هناك من حين لآخر لأي عمل تنسيقي مع بعضها أو لرؤية طويلة الأمد، حتى علي المستوى السياسي كما تتحرك الأطراف التبشيرية التضليلية الأخرى، ويبدو عنصر الوقت عاملًا مهمًّا، بل وحاسمًا في الصراع بين الجهات التبشيرية بإمكانياتها الضخمة التي تقف وراءها دول بأكملها، وبين المؤسسات الإسلامية الساعية لتثبيت عرى الإيمان في نفوس الألبان الشرفاء بألبانيا.. تفتقد الآن لدولة بالمعنى الحقيقي للكلمة، والفوضى عارمة تدب في كل أرجاء البلد، وتحصيل مواقع أقدام في هذا البلد واكتساب حقوق بعينها سوف يكون اليوم سهلًا لكن لن يكون غدًا كذلك.

كما أن العواطف الإسلامية الجياشة لن تبقى هكذا أمدًا طويلًا إذا لم تجد من يدعمها ويثبتها، ويجب ألا يغيب عن الأذهان أن الجماهير الغاضبة التي أسقطت تمثال أنور خوجه من الميدان الرئيسي في تيرانا والتي توجهت لفتح مساجد العاصمة لم تتمكن بعد من الصلاة إلا من رحم ربي! وذلك بسبب بسيط، هو جهلهم بكيفية الصلاة! كما أن الأمة لم تعد تحتمل نكبة رحيل الإسلام عن بقعة أخرى من أراضيها، خاصة إذا تزامن ذلك مع الذكرى الخمسمائة لسقوط الأندلس.

الرابط المختصر :