; أزمة فتح: الحقائق المخفية والطريق الواضح | مجلة المجتمع

العنوان أزمة فتح: الحقائق المخفية والطريق الواضح

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أغسطس-1983

مشاهدات 66

نشر في العدد 633

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 16-أغسطس-1983

دراسات سياسية

أزمة فتح:

الحقائق المخفية والطريق الواضح

بقلم: جمال الراشد.

  • هل تراجع الموقف السوري فعلًا؟
  • ماذا قال مندوب «الصاعقة» في اللجنة المركزية؟
  • لماذا ذهب «أبو صالح» إلى عدن؟
  • عرفات: دوام الحال من المحال.
  • أندرو بوف: القدم المهزوزة.
  • شولتز: لا لمنظمة التحرير.

     هناك مؤشرات على أن الموقف السوري إزاء الأزمة مع «فتح» بدأ يتراجع، ومن هذه المؤشرات ما يلي:

  • ذهاب وفد عن «الصاعقة» لحضور اجتماع اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية في تونس في آخر لحظة، وقد ضم هذا الوفد كلًا من سامي قنديل، ومحمد خليفة، والأول عضو قيادة قومية في حزب البعث السوري، وموقف الوفد أثناء المناقشات الرسمية وغير الرسمية حيث فاجأ سامي قنديل المجتمعين بكلمات المديح التي كالها لعرفات، ومنها قوله: «يا أبا عمار أنت كبير، وقلبك كبير، ونحن نرفض الاقتتال، وسنضع كل إمكانياتنا لإنهاء المشكلة» وقد اعتبر هذا الكلام رسالة موجهة من القيادة السورية إلى القيادة الفلسطينية، وهو موقف مختلف تمامًا عن الموقف السوري الرسمي المعلن، والذي يجري تنفيذه على أرض الواقع.

أبو صالح لا ينام:

  • ذهاب وقد من التمردين إلى عدن لأول مرة، بينما كان عرفات في صنعاء، وقد ضم هذا الوفد أحد قادة التمرد وهو نمر صالح (أبو صالح)، بالإضافة إلى محمود اللبدي الذي قيل إنه أنضم إلى المتمردين مؤخرًا، والذي يقول البعض إنه لم ينضم إليهم، وإنما هو يحاول بمبادرة شخصية منه المساهمة في حل الإشكال، ومن المعروف أن دعوة اليمن الجنوبي للمتمردين إلى الحضور إلى عدن دعوة قديمة، ولكنها رفضت في حينها بكل صلف، وبعبارة قاسية «نحن نؤتى ولا نأتي» وهناك من يقول إن نمر صالح لا ينام الليل وهو يفكر في أفعاله، وفيما جرته أفعاله على الثورة الفلسطينية من دمار، وفيما قد تجره عليه هو شخصيًا بعد ذلك من هلاك، وقد وجه إليه أحد ضباط حركة «فتح» سؤالًا يقول: «أنت تطالب ببقاء الفلسطينيين في لبنان، فهل تضمن بقاء السوريين؟» فكان جوابه: هذا هو السؤال الذي لم أجد له جوابًا حتى الآن، ولعل موقف مندوب الصاعقة لدى المجلس المركزي جعل أبا صالح يعيد حساباته، وهو الطموح الحذر الذي يخشى أن يسحب البساط من تحت أقدامه، فيتخلى عنه الذين نصروه بعد أن يكون قد أدى دوره المرسوم لحسابهم الخاص، وهو الذي كان يتصور أنه الرابح الوحيد.

هل أبو موسى نادم؟

  • الأنباء المتواترة من دمشق، والتي تقول إن أبا موسى قد وضع تحت الإقامة الجبرية، وما سبق ذلك من أنباء عن مرافقة عقيد سوري له لا يفارقه، بحيث يكون تحت رقابته باستمرار، وبحيث يكون القرار الحقيقي للعقيد السوري، مما يجعل أبا موسى مجرد أداة تنفيذية لا غير، وهو الذي يطمح لأن يكون أكثر من ذلك بكثير، وربما يقول البعض إن أبا موسى لم يكون يطمح في البداية إلى أكثر من الحفاظ على مركزه بعد أن عزله أبو عمار، فكانت حركته التمردية التي وجدت فيها أطراف كثيرة عربية وغير عربية الفرصة الذهبية للقضاء على الثورة الفلسطينية برمتها، أو تحجيمها، وترويضها وامتلاك قرارها المستقل على أقل تقدير، وينقلون عن أبي موسى ندمه على ما فعل، وتجاوز الأزمة الحدود التي أرادها لنفسه أو لثورته، بحيث أفلت منه الزمام وأصبح واجهة لقتل الفلسطيني على يد الفلسطيني، والرابحون هم قطعًا اليهود، ومن يساندهم، ومن يمد لهم يد الصلح سرًا وعلنًا، ويبارك لهم فلسطين يحكمها اليهود، ولبنان يحكمها الصليبيون، وطوائف أخرى غير إسلامية تتحكم في ديار العرب والمسلمين هنا وهناك، فهو يردد- كما يروي الرواة: «لقد طعنت في ظهري، لم أكن أريد للأزمة أن تصل إلى ما وصلت إليه». ويقول آخرون إن سبب تحديد إقامته أنه لم يستطع حتى الآن أن ينجز الدور المنوط به كقائد عسكري، وهو السيطرة على كافة القوات التابعة لفتح في البقاع، بل هزيمته في المعركة الأخيرة وأسر «40» من رجاله.

     وهناك مؤشرات أخرى على أن الموقف الليبي أيضًا بدأ يتراجع، ومن هذه المؤشرات تصريحات الرئيس الليبي التي أشادت بعرفات رغم أن القوات الليبية تشارك مشاركة كاملة إلى جانب قوات أحمد جبريل أكثر المتحمسين لتدمير «فتح». 

     ولكننا لا يمكن أن نحكم على هذه المؤشرات بكونها تكتيكية، أو إستراتيجية إلا من خلال النظرة الشمولية للأزمة، والمواقف الثابتة لمن هم وراء هذه الأزمة.

الموقف الأمريكي والسوري:

فالولايات المتحدة لها موقف ثابت، يتحدد في النقاط التالية:

- لا لمنظمة التحرير الفلسطينية.

- لا للدولة الفلسطينية.

- لا لحق تقرير المصير للفلسطينيين.

     وعندما حضر شولتز إلى سوريا، وأعاد عليهم طرح هذه المبادئ الثلاثة، قال له السوريون: «لا لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولكن نعم لمنظمة تحرير فلسطينية تابعة لنا Our P. L. O». ‏ 

     وهذه العبارة تلخص الموقفين السوري والأمريكي معًا؛ فسوريا وأمريكا متفقتان على إنهاء منظمة التحرير الفلسطينية بشكلها الحالي، أي بقرارها المستقل، ولكن سوريا تريد بدلًا منها منظمة تحرير فلسطينية بالاسم وسورية في الواقع، وهذا في حقيقته إلغاء، ولكنه مغلف بغلاف فلسطيني.

     أما لماذا تريد سوريا أن تلغي المنظمة من حيث المضمون، وتبقي عليها من حيث الشكل؟ فذلك حتى تظل الورقة الفلسطينية في اليد السورية تلوح بها بين الحين والآخر، كلما وجدت في ذلك وسيلة ضغط على أمريكا وعلى كل من له مصلحة في بقاء المنظمة أو فنائها.

     وأمريكا التي تخشى من بقاء المنظمة ربما كانت أيضًا تخشى من زوالها أو إزالتها من الوجود، وتجربتها وتجربة حليفتها بريطانيا مع الشعب الفلسطيني، إن هذه الثورة هي الثورة رقم (7) في مسلسل الثورات الفلسطينية منذ صدور وعد بلفور المشئوم بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين عام 1917م، ومعنى ذلك أن ثورة جديدة ستولد بالتأكيد من رحم هذا الشعب المتمرس على القتال، وهذه الثورة الجديدة ستكون بالطبع مسترشدة بكل التجارب الثورية الفلسطينية السابقة، وإذن فإنها ستكون أصلب عودًا، وأعمق أثرًا، وأكثر فاعلية.

احتمالات المستقبل:

      ولما كانت الثورة الفلسطينية المعاصرة تعمل على أرض عربية تشعر فيها بالغربة وبين أنظمة عربية -في مجملها- قاهرة لشعوبها، مهزومة أمام أعدائها- فإنه من المنطقي أن تنطلق من منطلق جديد، وبمنهج جديد، تكون فيه أكثر التصاقًا بالجماهير العربية التي ضللت طويلًا، فتعمل معها أولًا لإسقاط كثير من الأنظمة المتسلطة التي قفزت إلى سدة الحكم باسم فلسطين، ثم تبين لها فيما بعد أنها لا تملك من أمر تحرير فلسطين شيئًا، لا الإرادة، ولا العمل، ولا حتى المساعدة.

     ولما كانت "إسرائيل" خطرًا على كل العرب من المحيط إلى الخليج، فإنه كان لزامًا على الجماهير العربية أن تصحو، وأن تتحرك معًا دون اعتبار للحواجز الحدودية والقانونية الوضعية التي طرأت على هذه الأمة بعد غياب الخلافة الإسلامية.

     ولما كانت هذه الجماهير العربية في غالبيتها الساحقة جماهير إسلامية، فإن المسلمين -حيثما وجدوا- شركاء في التحرير سواء بالنفس، أو بالمال، أو بأي وسيلة كانت. 

    ولما كانت الحركة الإسلامية تنمو وتتصاعد في كل مكان فإنه من البديهي أن تصطبغ الثورة الفلسطينية بالصبغة الإسلامية، وأن تتخذ من الإسلام عقيدة ومنهجًا وأسلوب تغيير إلى الأفضل.

     وهذا ما يرعب أمريكا أشد الرعب، وهي الدولة الصليبية العظمى التي أخذت على عاتقها التصدي للإسلام والمسلمين، وإحباط أعمالهم مهما كلفها ذلك من ثمن.

     عندئذ تجد أمريكا نفسها مضطرة إلى الموافقة على وجود منظمة تحرير فلسطينية هزيلة، وتابعة، ومسيطر عليها تمامًا، يتلهى بها الفلسطينيون والعرب إلى إشعار آخر.

موقف الروس:

     وإذا كان الاتحاد السوفيتي يختلف مع أمريكا في بعض التفاصيل التي لا بد أن تنشأ بين الشركاء والمتنافسين، فإن هناك اتفاقًا في الجوهر بين الدولتين العظميين، وخاصة أن هناك أكثر من (50) مليون مسلم في الاتحاد السوفيتي لم تستطع كل نظريات ماركس، ولا بطش لينين وستالين- أن تقتل فيهم روح الإيمان، ولا أن تقتلع منهم جذور الإسلام، وهم بالفطرة مع إخوانهم المسلمين في كل مكان، اليوم بقلوبهم، وغدًا بأفعالهم.

      ولذلك نجد الاتحاد السوفييتي متبلدًا إزاء ما يجري في «فتح»، فهو غالبًا ما يلتزم الصمت، وإذا ما تحدث فهو يعلن عن تأييده لمنظمة التحرير الفلسطينية، وفي نفس الوقت ينصحها بألا تخرج عن طوع سوريا، وهذا يعني التبعية لدولة وجدت فيها روسيا موطئ قدم، وتخشى أن يرتفع هذا القدم ويعود من حيث أتى، وهي -أي روسيا- تعلم تمامًا أنه لا يستطيع «خالد بكداش» على سبيل المثال وهو رئيس الحزب الشيوعي السوري أن يقوم في سوريا بنفس الدور الذي يقوم به بإبراك كأرمل في أفغانستان، ولذلك فهي حريصة على المحافظة على الوضع الحالي، ولسان حالها يقول: «ليس في الإمكان أبدع مما كان» على الأقل في الوقت الحاضر.

المرحلة القادمة:

     وإذا كانت «فتح» حتى الآن صامدة أمام الضغوط والعواصف الهوجاء، فإنه يتحتم عليها -وقبل فوات الأوان- أن تعد للمرحلة القادمة مرحلة التغيير في بنيتها التحتية والفوقية بعد أن تبين لها الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وأن تعيد النظر في تحالفاتها العلنية والسرية، وأن تضع بالفعل البديل المحتمل والمؤهل لاستمرار المسيرة نحو تحرير فلسطين، كل فلسطين مهما طال الزمن، وكثرت التضحيات، يقول أحد الشعراء:

جزى الله الشدائد كل خير

عرفت بها عدوى من صديقي

     وليس من المعقول ولا المقبول بعد كل هذا الزلزال أن يبقى كل شيء على حاله، وكأن شيئًا لم يكن، أعيدوا إلى صفوفكم المؤمنين الأتقياء الأنقياء الورعين، وأصلحوا الفاسد، فإن لم تستطيعوا؛ فاقذفوا به بعيدًا غير مأسوف عليه، تحولوا إلى شبح مخيف لأعدائكم، ونور وضاء لحلفائكم، واتقوا الله واعتمدوا عليه، وما النصر إلا من عند الله القوي العزيز.

الرابط المختصر :