العنوان رسائل الإخاء- مذاهب السلف السابقين
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1986
مشاهدات 66
نشر في العدد 771
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 17-يونيو-1986
من رام اقتصادًا وتوفيقًا، فليتأمل مذاهب السلف السابقين قبل أن نبغت الأهواء، وزاغت الآراء، كما يذكرها لنا أبو المعالي الجويني إمام الحرمين في كتابه الجليل «غیاث الأمم في التياث الظلم» ص۱۹:
«كان السلف السابقون رضي الله عنهم ينهون عن التعرض للغوامض، والتعمق في المشكلات، والإمعان في ملابسة المعضلات، والاعتناء بجمع الشبهات، وتكلف الأجوبة عما لم يقع من السؤالات، ويرون صرف العناية على الاستحثاث على البر والتقوى، وكف الأذى، والقيام بالطاعة حسب الاستطاعة، وكانوا يكفون رضي الله عنهم عما تعرض له المتأخرون عن عي وحصر، وتبلد في القرائح. هيهات، قد كانوا أذكى الخلائق أذهانًا، وأرجحهم بيانًا، ولكنهم استيقنوا أن اقتحام الشبهات داعية الغوايات، وسبب الضلالات، فكانوا يحاذرون في حق عامة المسلمين ما هم الآن به مبتلون، وإليه مدفوعون..
ونعلم أنهم ما كانوا يرون الخوض في الدقائق، ومضايق الحقائق ولا يدعون إلى التسبب إليها، بل كانوا يشتدون على من يفتتح الخوض فيها». انتهى مختصرًا.
هكذا كان السلف السابقون أبر الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، اختلفوا في مسائل من أحكام الدين، ولم يفترقوا، ولم يصيروا شيعًا وأحزابًا؛ لأنهم لم يفارقوا الدين، بل كانوا أهل مودة وتناصح.. أخوة الإسلام بينهم قائمة، والآن نختلف في قضايا شكلية فتظهر العداوات، وقد يكون الخلاف من فاضل ومفضول.
وقد أجمع العلماء على أن اجتماع القلوب على خلاف الأولى، خير من تفرقها على الأفضل، يقول ابن تيمية 24/ 195:
«فالعمل الواحد يكون فعله مستحبًّا تارة، وتركه تارة، باعتبار ما يترجح من مصلحة فعله وتركه، بحسب الأدلة الشرعية، والمسلم قد يترك المستحب إذا كان في فعله فساد راجح على مصلحة، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم بناء البيت على قواعد إبراهيم خوفًا من تنفيرهم عن الإسلام لحدثان عهدهم به، ولذلك استحب الأئمة أحمد وغيره أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل، إذا كان فيه تأليف المأمومين... ففعل المفضول لمصلحة الموافقة والتأليف راجحة على مصلحة تلك الفضيلة، وكان ذلك جائزًا». انتهى.