; شعاع من القلب: التعالي على الآلام | مجلة المجتمع

العنوان شعاع من القلب: التعالي على الآلام

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-2000

مشاهدات 58

نشر في العدد 1419

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 26-سبتمبر-2000

إن صلح القلب صلحت الجوارح والأعمال، وسلمت الحياة من العطب، فالقلب موضع نظر الرحمن، وهو العضو الذي ينبغي أن يوجه إليه كل اهتمام، وإذا التقت القلوب على أمر واتفقت عليه قامت بينها موجات أثيرية تكشف الطاعة أمام جموع المؤمنين وجماهير الموحدين.

ورثت الحركة الإسلامية كثيرًا من التراكمات التي جلبها التخلف الحضاري على بلاد المسلمين عبر قرون عديدة، لقد فقد المسلمون مكانتهم على الساحة الدولية من قديم، لأنهم تهاونوا في أمرين لا تصلح الأمم إلا بهما ولا تقوم إلا عليهما هما الجهاد والاجتهاد، ففي ميدان الجهاد تراخت قبضة الأمة في الأندلس حتى سقطت في يد الأعداء وتراخت في المشرق- بعد الحروب الصليبية- حتى سقط كثير من الدول الإسلامية في قبضة الاستعمار الذي ما زالت مظاهره باقية في عديد من البلاد، وإن اختفت قواته عن الأعين.

وفي ميدان الاجتهاد توقفت الحركة العقلية التي كان لها مردود عظيم من قبل، حتى سقط كثير من المسلمين صرعي الجهل بعلوم الدين وبعلوم الدنيا، فلا قام المسلمون بواجبات الدين كلها على نحو صحيح، ولا هم أخذوا من علوم الدنيا بطرف نافع مفيد، فتأخروا في الميدانين واجتمع على أغلبهم الجهل والضعف، وجاءت الحركة الإسلامية تحاول أن تبعث الحياة في أجساد وهنت وترهلت حتى أصابها الإعياء، وفي عقول تجمدت حتى أصابها التبلد غير أن الحركة الإسلامية، وهي تحاول ذلك كان يحدوها الأمل في تغيير كل شيء. وكانت تطلعاتها- أحيانًا- أكبر من طاقتها، فجاءت خطواتها في بعض الاتجاهات سريعة متلاحقة، مما أوجد فجوات في بعض المراحل، حاول المتربصون بالحركة وأهلها في الخارج والداخل أن ينفذوا منها ليخنقوا الحركة، أو يشوهوا وجهها وصورتها أمام الناس حتى ينفروا منها، وقد نجح أعداء الحركة في ذلك بعض النجاح، مما أثر فيها وقطع خط السير أمامها حينًا من الدهر، كان قادة الحركة وكثيرون من رجالها خلف القضبان أو في الأقبية والسراديب أو في غربة عن الأهل والدار والوطن، مما أتاح الفرصة لتشويه صورة الحركة أمام عامة الناس الذين لا يعنيهم التدقيق في الأمور، ولا من شأنهم تحليل الحوادث لمعرفة الخطأ من الصواب فيها، وزاد هذا التعويق- الذي تكرر مرات- الحركة سرعة نحو محاولة تحقيق أهدافها، ولكن قوتها المعنوية كانت قد فترت بعض الشيء. وزاد عدد المتربصين بها، والذين يحاولون إحصاء أخطائها. فإن لم توجد أخطاء، اخترعوا من عند أنفسهم أخطاء لها، وحاكموا بعض الناس عليها وقلل هذا من سرعة الحركة عن الحد الأدنى، فكانت الحركة في وقت السلامة نشيطة مسرعة ففاتتها بعض الاحتياطات، وكانت في وقت المحن بطيئة زاحفة أو متوقفة ففاتها كثير من المشاركة في الأحداث المهمة.. وهي في كلتا الحالتين ما كانت تبغي غير الخير، وغير تحقيق الهدف الأسمى، وهو إقامة شرع الله في الأرض بالوسائل الصحيحة، التي لا يضار فيها مسلم أو ذمي معاهد.

وقد تكون الحركة الإسلامية - أو بعض فصائلها على الأقل - معذورة فيمَا حدث لها ومنها في بعض البلاد، غير أن بعض الفصائل الأخرى في بعض البلاد لا عذر لها حين وقعت فيمَا وقع فيه غيرها من أصحاب الأعذار.

ولا خلاف على الإطلاق بين الحركات الإسلامية على الهدف الأكبر وهو إقامة شرع الله في الأرض ولكن الخلاف حول الوسائل التي يتحقق بها هذا الهدف وقد يصل الخلاف إلى حد يصعب قبوله، لكن هذا الخلاف لا ينبغي أن يصد بعض فصائل الحركة. في حال البلاء. وكل فصائلها. في حال العافية. عن العمل الدائب نحو تحقيق هذا الهدف بتأنٍ وثقة.

ولا بأس من مراجعة الخطوات التي تمت نحو تحقيق هذا الهدف الكبير، ومعرفة أوجه القصور فيها، وأوجه الابتعاد- أحيانًا- عنها ولا بأس كذلك من إعادة جدولة ما يمكن تحقيقه بحسب أهميته لمدد معينة، نبدأ بعدها مرحلة ثانية حين تنتهي المرحلة الأولى ومن المهم في هذا الصدد ألا نغفل أي شريحة من شرائح المجتمع عن دعوتها إلى المشاركة في إقامة دين الله في الأرض. سواء أكانت هذه الشريحة حاكمة أم محكومة غنية أم فقيرة فإن من الواجب دعوة الجميع للمشاركة فيمَا يشتركون جميعًا فيه وهو دين الإسلام، وفيما يجب عليهم جميعًا وهو إقامة شرع الله في الأرض، كما جاء به محمد بن عبد الله.

ولسنا نشتط في القول حين نذكر أن الحركات الصهيونية- برغم فظاعة جرائمها وتأييد كثير من قادة الغرب لها. كانت أنشط من الحركات الإسلامية في عملها، ولم تكن هناك خلافات ظاهرية بينها. وكانت توجه كل همها إلى اغتصاب فلسطين والتخلص من أهلها بكل سلاح مستطاع والمسلمون مطالبون من دينهم قبل غيره بأن تكون وسائلهم نظيفة شريفة كما أن غايتهم شريفة نظيفة، غير أن ذلك لا يمنع من أن نتوجه بالدعوة إلى كل الشرائح وخاصة الشرائح المؤثرة، وأن نحسب خطوات العمل ومنهجيته، وأن نترك الخلاف جانبًا، وأن نترك الأمور للاستطاعة فمن قدر على أمر حسن فعله، ومن لم يستطع فلا لوم عليه ولا تثريب وقد. يبارك الله في جهود قليلين مخلصين فيحقق على أيديهم ما لم تحققه الكثرة المختلفة، ولنذكر جميعًا قوله سبحانه وتعالي: ﴿... كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٤٩)، والقول الشائع في التأني السلامة وفي العجلة الندامة، والمثل المشهور قدر لرجلك قبل الخطو موضعها. 

الرابط المختصر :