; محاسن الشريعة في كتاب «التشريع الجنائي» (٤).. الطابع الديني لا يفصل بين التشريع والتربية والأخلاق | مجلة المجتمع

العنوان محاسن الشريعة في كتاب «التشريع الجنائي» (٤).. الطابع الديني لا يفصل بين التشريع والتربية والأخلاق

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1999

مشاهدات 66

نشر في العدد 1380

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 14-ديسمبر-1999

تتميز شريعتنا الإلهية بأنها تعني بتقرير الأحكام التكليفية- أي تفرض على المكلف القيام بشيء أو الامتناع عنه، وبعد ذلك تفرض عليه العقوبة في حالة مخالفته لهذه الأوامر أو النواهي بنصوص صريحة.

مثال الأحكام التكليفية قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ﴾ (الإسراء: 32)، ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ (آل عمران: 130)، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ (البقرة: 188)، ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحجرات: 12).

أما القوانين الوضعية فهي لا تأمر ولا تنهى وإنما تكتفي بتقرير عقوبة على فعل معين، فيفهم من ذلك ضمنًا أنها تحرمه أو تأمر بالابتعاد عنه.

والمشرع الوضعي لا يكلف نفسه بالنص على أي حكم تكليفي بالأمر والنهي أو التحليل والتحريم لأنه يفترض أن ذلك يدخل في نطاق الدين والأخلاق- ولا شأن لقانون العقوبات به، ومعنى ذلك أن الأصل في قوانين العقوبات الوضعية أنها تفترض أن نظام المجتمع وسلوك أفراده تحكمه قيم ومبادئ دينية وأخلاقية معروفة وثابتة، وأن القوانين الجنائية إنما تكمل هذه القيم والمبادئ، وتفرض العقاب على بعض الأفعال التي تتعارض معها كلما وجدت ضرورة لذلك، ولكنها تترك المخالفات الباقية للجزاءات الأخلاقية والدينية والاجتماعية.

هذا هو الأصل، لكن جمهور شراح القوانين الوضعية والمعاصرين الذين أصابتهم لوثة العلمانية أو اللادينية، يتجاهلون هذه الصلة الوثيقة بين القانون والأخلاق والدين، حتى إن أول درس في مقدمة القانون لطلاب الحقوق ينبه الطلاب إلى أن القانون شيء منفصل عن الأخلاق وعن الدين من باب أولى.

أما شريعتنا، فإنها لا تقر هذا الانفصال المزعوم بين التشريع الجنائي وبين الأخلاق والدين، لذلك فإن النصوص الشرعية في مصدرها السماوي تعنى بتقرير ما يسميه فقهاؤنا الأحكام التكليفية بل تزيد على ذلك، فتشير في كثير من الأحيان إلى الحكمة أو العلة في تقريرها بأسلوب تربوي واضح مقنع، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 32)، وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (البقرة: 219)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (المائدة: ۹۱). وقد يضاف لذلك قصة توضح علة الحكم قبل تقريره مثل قصة ابني آدم التي أردفها الله بقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ ﴾ (المائدة: ۳۲).

وهذا كله أسلوب تربوي لا تعهده نصوص القوانين الجنائية الوضعية، الأمر الذي أعطى البعض فرصة للادعاء بأن القوانين الوضعية لا علاقة لها بالأخلاق.

إن شريعتنا تحكم حياة الأفراد والجماعات من جميع النواحي الاعتقادية والأخلاقية والسلوكية والجنائية والمعاملات، وهي كل لا يتجزأ فلا تقبل فصل القانون عن الأخلاق والقيم الدينية.

وقد عبر عن ذلك فقيهنا الشهيد عبد القادر عودة، أن الشريعة تلزم معتنقيها أن يتخلقوا بالأخلاق الفاضلة، ومن تخلق بالأخلاق الفاضلة ندر عليه أن يرتكب جريمة، وهم بذلك يعلمون أن الله رقيب عليهم، ومطلع على أعمالهم، وأنهم مهما استخفوا من الناس فلن يستخفوا من الله وهو معهم أينما كانوا، وكل ذلك مما يدعو إلى قلة الجرائم، وحفظ الأمن وصيانة نظام الجماعة ومصالحها العامة، بعكس الحال في القوانين الوضعية، فإنها ليس لها في نفوس من تطبق عليهم ما يحملهم على طاعتها، وهم لا يطيعونها إلا بقدر ما يخشون الوقوع تحت طائلتها، ومن استطاع أن يرتكب جريمة ما ، وهو أمن من سطوة القانون فليس ثمة ما يمنعه من خلق أو دين، ولذلك تزداد الجرائم زيادة مطردة في البلاد التي تطبق القوانين الوضعية، وتضعف الأخلاق ويكثر المجرمون من الطبقات المستنيرة، تبعاً لزيادة الفساد الخلقي في هذه الطبقة، ولقدرة أفرادها على التهرب من سلطان القانون.

إن مزج الشريعة بين أحكام الدنيا والدين وإيمان المسلمين بها ضمن للشريعة الاستمرار والثبات، وبث في المحكومين روح الطاعة والرضاء ودعاهم إلى التخلق بالأخلاق الكريمة، وجعل للشريعة قوة في الردع ليست لأي قانون وضعي مهما أحكم وضعه وأحسن تطبيقه وتنفيذه.

الرابط المختصر :