; الأحكام الشريعة ومنافاتها للقوانين الوضعية (355) | مجلة المجتمع

العنوان الأحكام الشريعة ومنافاتها للقوانين الوضعية (355)

الكاتب الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يونيو-1977

مشاهدات 92

نشر في العدد 355

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 21-يونيو-1977

ومتى استعرض العاقل للمقاصد العالية التي هدى إليها القرآن والسنة، والتي هي معرض اهتمام العلماء والعقلاء في هذه الأزمنة، يجدها تدور على إصلاح الأفراد وإصلاح المجتمع وإصلاح العقائد، وتطهيرها عن الشرك والبدع والخرافات، وإصلاح العبادات وإصلاح الأخلاق والمعاملات، وإصلاح الشئون الزوجية بما يسمونه «الأحوال الشخصية»، وإصلاح نظام القضاء والسياسة الحكيمة، وإصلاح الشئون المالية ومراعاة تثميرها بحسن تدبيرها وعدم تبذيرها، وتوسعة التجارات ورقيها من سبيل حلها مع أداء واجباتها.. وإصلاح الشئون الحربية واحترام العهود ووجوب الوفاء بها، وفضل الصدق والأمانة وتحرير العقول والأفكار في سبيل ما ينفعها، ودفع ما يضرها ومحاربة الجرائم على اختلاف أنواعها.

كما شرع القصاص والحد والتعزير لمصلحة استتباب الأمن، وحصول السعادة والراحة لجميع المواطنين الذين يعيشون في ظل الشريعة الإسلامية، وينتفعون ويتمتعون بالعمل بها. 

وقد دخلت هذه الأعمال كلها في فقه الإسلام المقتبس من كتاب الله العظيم وسنة رسوله عليه أفضل الصلاة والتسليم.

فهذا هو دستور المسلمين وقانون فرائضهم وفضائلهم ومنهاج سيرتهم وسيرهم، يستضيئون فيه بنور الله ويحكمون بما أنزل الله.. يقول الله سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ 

 أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ. (المائدة : ٤٩-٥٠). 

لقد مكث المسلمون ثلاثة عشر قرنًا والمحاكم الشرعية مفتوحة في مشارق الدنيا ومغاربها، يتحاكم جميع الناس إليها مسلمهم وكافرهم، ويقومون راضين بحكمها لاعتبار أنها محاكم شرعية عدلية دينية ومحاكم راحة ورحمة، فهم يعتزون بها حتى إن بعض ملوك المسلمين يسمون أنفسهم عبيدًا للشريعة.

كما شكا رجل إلى صلاح الدين الأيوبي خصمًا له. فقال صلاح الدين: لقد نصبنا المحاكم الشرعية لتحكم بينك وبين خصمك لك أو عليك، وما أنا إلا عبد للشريعة أنفذ ما تحكم به.

ومن المشاهد بالاعتبار أن للقضاء الشرعي سيطرة فعالة على قلوب الناس، وأن الناس يخضعون وينقادون لحكم الشرع؛ لعلمهم واعتقادهم أنه شريعة دينهم، فله القوة الفعالة والوازع القوي في نفوس الناس،بحيث يوقف كل أحد على حدّه، ويقنعه بحقه ويقوم الخصم اللدود سامعًا مطيعًا له.

فمتى قيل للخصم اللجوج هذا حكم الله ورسوله وقف على حده، وقنع بحقه وعلم بأنه لا مجال للجدل معه، فلا بد للناس من التشريع الإلهي الذي يفوق سائر ما وضعه الناس من الأنظمة والقوانين؛ لكون علم الشريعة وأحكامها محيطًا وكفيلًا بحل جميع مشاكل العالم في حاضرهم ومستقبلهم. 

أما النظم البشرية فمهما بلغت من إدراك وتفوق فإنها لن تكفل للبشر سعادتهم، ولا حصول الراحة والأمان والاطمئنان لهم، ولا حل مشاكلهم على الوجه الأكمل، بل هي على الضد من ذلك، فإنها بسير أعمالها وقانون أحكامها تنشئ المشاكل وتسهل ارتكاب الجرائم؛ من أجل أنه ليس فيها قصاص ولا حد ولا تعزير، ما عدا السجن الذي يعده أكثر المجرمين بمثابة الراحة عن الكد والتعب.. فالمحاكم الشرعية المبنية على أساس من العلم والعقل والعدل والسياسة الحكيمة، هي أكبر معين للحاكم والأمير على سياسة مملكته وسيادة رعيته؛ لكونه يتقي بها عذل العوام والإنحاء عليه بالملام فيما يتعلق بالقضاء والأحكام؛ فيسود بين الناس الأمان والاطمئنان.

إنه قد يوجد في القاضي الشرعي شيء من النقص أو التقصير، إمّا في العلم أو الحلم أو الجنف في الحكم؛ لكونه بشرًا يعتريه من النقص ما يعتري سائر الناس. إذ ليس من شرطه الكمال، وأي الناس المهذب. فمن الحزم وفعل أولي العزم استبداله بمن هو أصلح منه؛ لكون التبديل قد يقتضي التعديل.

أما إبدال شريعة الدين بشريعة القوانين فإنها تعد من الضلال المبين ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (المائدة : ٥٠). 

وإنما سميت محاكم شرعية لكون الناس يشرعونها، أي يشربون منها ثم ينصرفون راضين بها، وقد أعطي القاضي الشرعي سعة وفرجًا عن الوقوع في الحرج في الحكم، حتى بذل غاية جهده ووسعه في حكمه. فإن له مع إصابته أجرين ومع خطئه أجرًا، كما ثبت ذلك في القرآن في قضية حكم داود وسليمان، وكما ثبت ذلك في الصحيحين والحمد لله الذي جعل في الأمر سعة.

ومن عادة القاضي الشرعي أنه يحتسب راحة الناس بقطع النزاع عنهم، فمتى تبين له الحق وأسفر له صبحه حكم بدون تأخير وبدون أن يأخذه في الحكم به لومة لائم. وعليه مراعاة تقوى الله فيما تولاه. وألّا يطمع شريف في حیفه وجوره ولا ييأس ضعيف من عدله، ويخلّد كل قضية في السجل لحفظها والرجوع لها وقت الحاجة إليها. 

ومن عادة القاضي الشرعي أنه لا يأخذ على قضائه أجرًا إلّا ما جُعل له من بيت المال، ولا ينبغي أن يمنعه قضاؤه وحكمه بالأمس متى تبين له خطأه وأن الحق في خلافه أن يرجع عنه ويستأنف الحكم من جديد، فيعطي صاحب الحق حقه حتى ولو بعد حلف المحكوم له، فإن اليمين لا تزيل الحق عن مستحقه وإنما تقطع النزاع في وقته، بخلاف نظم محاكم القوانين الوضعية فإنها مؤسسة على تطويل الدعوى وتمديدها بين نقض وإبرام وحكم واستئناف، وقد دخل فيها المحامون الذين يصنعون الدعاوى ويحبون أن تتصل الخصومة ولا تنفصم. وعلى أثر هذا التعليل والتمليل وصرف المال في سبيل اتصال الدعوى سئم الناس منها، واشتد بغضهم لها وصار صاحب الحق يتخلى عن حقه الواضح استبقاء لراحته وتوفير ماليته.

إن القضاء الشرعي يتناول الحكم في أمر الدين وفي الأنفس وفي الأموال وفي الأعراض والعقول، مع ملاءمتها لكل بيئة وكل زمان ومكان؛ لأن شريعة الإسلام وما تشتمل عليه من الأحكام وأمور الحلال والحرام هي شريعة البشر كلهم، عربهم وعجمهم ومسلمهم وكافرهم، وما كان هذا الدين ليتحمل أمانة رسالة البشرية كلها إلا وهو يحمل في تعاليمه وأحكامه وقواعده وعقائده ما يجعله كفيلًا وحقيقًا بهذه التسمية؛ لينتهي بالناس إلى أن يكونوا آمنين على دينهم آمنين على أنفسهم آمنين على أهلهم وأعراضهم آمنين على أموالهم.

أما محاكم القوانين الوضعية فإنها من البلاء المبين على الناس أجمعين؛ لأنها محض آراء قوم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله من الزنا والربا والقمار وشرب الخمر ولا يدينون دين الحق، وهي مبنية على عزل الدين عن الدولة وعلى كون الرضا شريعة المتعاقدين.. فهي تبيح للناس ما حرم الله عليهم من أكل الربا أضعافًا مضاعفة، وكما تبيح الزنا الواقع بالتراضي إذا لم يطالب زوجها أو أحد أقاربها بمنعها. 

وكما تبيح شرب الخمر إذا لم يتعدّ بالسكر على أحد، ومعنى إباحتها لهذه الجرائم أنها لا تعاقبه عليها بطريق الحكم، بل تحميه وتحكم بصحة ربا النسيئة الذي اتفق الكتاب والسنة وأجمع علماء الأمة على تحريمه، فهي تلزمه بدفعه إلى المرابي من بنك وغيره. وتبيح لكل ملحد وكافر أن يجهر بعقيدته غير محجور عليه في رأيه، ويحمونه على ذلك كله؛ وبذلك تنتشر المذاهب الهدامة والعقائد الباطلة في كل بلد تسودها المحاكم القانونية.

كما ظهرت وانتشرت عقيدة البهائية والقاديانية في الهند تحت حماية الإنجليز بدعوى أنها من حرية الرأي التي يحترمونها. هذا هو الأصل في قانون فرنسا الذي يقتبس منه الناس قوانين الأحكام في البلدان العربية، وقد يحذف منه شيء ويزاد شيء من الموافقة لشريعة الإسلام ومقتبسة منه لكنها بمجملها لا تتقيد بحكم شريعة الدين ولا تبالي بمخالفته.

كما أنها لا تعاقب الجناة مهما كبرت الجناية أو صغرت إلا بالسجن؛ لهذا تكثر الحوادث في كل بلد تسوده المحاكم القانونية حتى تغص السجون بالجناة.. من أنواع القتل والنهب والسرقة وهتك الأعراض واختطاف النساء والأولاد، وتحريق الحوانيت المملوءة بالأموال، ويقع بهم ما حذرهم منه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: «إنه ما نقض قوم عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًّا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم شديدًا».

وهذا بمثابة الدليل القاطع والبرهان الساطع الذي يشهد به الحس والواقع. يقول الله سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ. (فصلت : ٥٣)

وليعتبر العاقل بالبلدان التي أغلقت فيها محاكم شريعة الإسلام واستبدل أهلها بمحاكم القوانين، ولينظر كيف حال أهلها وما دخل عليهم من النقص والجهل والكفر وفساد الأخلاق والعقائد والأعمال، حتى صاروا بمثابة البهائم يتهارجون في الطرقات لا يعرفون صيامًا ولا صلاة، ولا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، ولا يمتنعون من قبيح ولا يهتدون إلى حق.

ثم لينظر إلى البلدان التي يحكم فيها بشريعة الإسلام، يجدها آخذة بنصيب وافر من الأمن والإيمان والسعادة والاطمئنان، يتمتعون بعيشة راضية مرضية، وأخلاق كريمة زكية، قد فازوا وتحصلوا على ما وعدهم به ربهم في قوله سبحانه: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (طه: ١٢٣) 

ثم إن المحاكم القانونية إنما فتحت في البلدان العربية في القرن العشرين الميلادي، الذي ضعف فيه العلم وساد فيه الجهل، وامتد سلطان الإنجليز على البلدان العربية، ففتحوا هذه المحاكم على كره من أهلها وألزموا الناس بالتحاكم إليها، فأصاب الناس من أكدارها وعموم أضرارها ما لا يحتسبون، والضد يظهر حسنه الضد وإنما تتبين الأشياء بأضدادها.

إن أعداء الإسلام قد شوهوا سمعة شريعة الإسلام، وشنوا عليها بحكمها بالقصاص بقتل القاتل عند طلب ورثة الدم لذلك،وقطع يد السارق وجلد شارب الخمر والزاني والقاذف والتعزير بالجلد على الجرائم، تطهيرًا للفاعل وزجرًا له عن معاودة جريمته وعظة للناس.. فإن خير الناس من وعظ بغيره. وهذه الشكاة تعتبر من محاسن الإسلام و عموم مصالحه.

فهم ينسبون إقامة الحد إلى القساوة والوحشية، وقد جعلها الله تطهيرًا ورحمة لأن من لا يكرم نفسه ومن يهن الله فما له من مكرم، والمضار الفردية تغتفر في ضمن المصالح العمومية، أشبه بتجريح الطبيب في سبيل صحة المصاب بمرض.. كما قيل: 

لعل عتبك محمود عواقبه                    ولربما صحت الأبدان بالعلل

فهؤلاء الذين يعيبون القضاء بإقامة الحدود هم قوم يزنون الأشياء بموازين عائلة غير عادلة، ويحكمون عليها بعقول معتلة ومختلة، لا تميز بن المحاسن والمساوئ، ولا بين المصالح والمفاسد، وهم القوم الذين صنعوا القنبلة الذرية التي تقضي بفناء الملايين من الآدميين، من بين شيوخ ونساء وحوامل وبهائم في سبيل الخضوع لحكم جائر.. فهذه هي القساوة والوحشية.

وقد اقتضت سنة الله في خلقه التي تظهر جلية لكل دارس لتاريخ الأمم وأسباب رقيها وسقوطها وانهيارها، أن الدولة التي تصر على المنكرات والمعاصي وتظهر علانية بدون إنكار منهم لها، أن الله يهلكها في الدنيا بالضعف والشقاق وإثارة الفتن وخراب العمران، فتضعف قوتها وتزول منعتها ويتمزق شمل ملكها، ويستولي عليها من يطمع فيها ويذيقها عذاب الذل والهوان.

إن مما يقوي الرجاء وينشط الأمل حينما نسمع أن حكام المسلمين والزعماء المفكرين، في حالة المناسبات للجمعيات التي يعقدونها للتذاكر في شئون أممهم، وعلاج عللهم وإصلاح مجتمعهم ومحاربة الجرائم فيما بينهم، فيتفق رأيهم على كلمة واحدة لا يختلف فيها اثنان منهم.. وهي أن الأمر الذي فل حدَّهم وشتت شملهم وألقى العداوة بينهم هو تقصيرهم بالقيام بواجبات دينهم، وخروجهم عن نظام شريعة ربهم وسنة نبيهم، وأن الرأي السديد والأمر المفيد هو اعتصامهم بدین الله.. دين الإسلام، وتمسكهم بأخلاقه وآدابه والمحافظة على فرائضه وفضائله والتحاكم إلى شريعته.. فإن هذا هو الكفيل بإصلاح دينهم ودنياهم، فهم يتواصون ويتناصحون بهذا ولم يبقَ سوى التنفيذ.

إذ لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، وسيكون لهذا التداعي تجاوب ولو بعد حين.. ولا أدري من الذي يحوز قصب السبق ويحظى بالفخر والفضل في التقدم إلى العمل به كي يقتدي به نظراؤه.. والفضل للمتقدم.

فإن وقاية الحكومة ورقيها واعتزازها بالحكم الشرعي الذي يحفظ رعاياها عن التعدي على الحقوق وانتهاك الحدود، إنه أعظم من تسلحها بالعدد الكثير من الحرس والجنود، ولأن القضاء الشرعي هو من أكبر ما تستعين به الحكومة، والهدوء في مجتمعها وتقليل الجرائم في حدود ممالكها؛ لكون الناس يقتدى بعضهم ببعض في الخير والشر وفي الصلاح والفساد، فيسود الأمن والاطمئنان بين جميع الناس فيما بينهم.

ولا ينبغي أن يفوتنا التنبيه بمقتضى ما يتعلق بشأن القضاء والقضاة.

وأن القضاء الشرعي أمانة الله في عنق المتولي له، وهو منصب شريف.. منصب الأنبياء والخلفاء الراشدين، فقد كان رسول الله قاضيًا وأبو بكر قاضيًا وعمر قاضيًا وعثمان قاضيًا وعلى قاضيًا، لكون القضاء في مواطن الحق هو مما يوجب الله به الأجر ويحسن به الذكر. 

فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، والأصل فيه قوله سبحانه:﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (ص : ٢٦). 

شرع القضاء الشرعي رحمة للناس وراحة لهم في قطع النزاع عنهم وإزالة الشقاق فيما بينهم وإقامة الحدود واستيفاء الحقوق وردع الظالم ونصر المظلوم.

لو أنصف الناس استراح القاضي         وبات كلٌّ عن أخيه راضي

فمن واجب القاضي أن يحتسب راحة الناس ورحمتهم بقطع النزاع عنهم، وأن يحتسب التبكير في الجلوس للناس ليتمكن من إنجاز القضايا، وأن يفتح باب المحكمة على مصراعيه ليتصل به كل محتاج إليه، ثم يبدأ النظر في قضية الأول فالأول كما نص على ذلك الفقهاء في أحكام القضاء له، كالمستأجر لهذا الشأن عدد الساعات التي يجرى بها نظام الحكومة الرسمي.

فهؤلاء القضاة الذين يغلقون أبواب المحاكم عليهم، ويتركون الناس خلف الأبواب يغشاهم الذل والصغار، وربما لا يفتح باب المحكمة إلا بعد مضي ثلاث ساعات أو أربع ساعات من أول النهار، لعدم احتفاله بأمر الناس وضعف الرقابة عليه.. وربما يمضي أكثر وقته في مصالح نفسه الخاصة، فشهر للحج وشهر للعمرة وشهر للمصيف في الطائف، ويترك الناس يموج بعضهم في بعض بالنزاع والخصام، وهو بالحقيقة مستأجر شرعًا وعرفًا لحل مشاكلهم. 

فهؤلاء بالحقيقة يعتبرون مخالفين لنصوص مذهبهم ونظام دينهم.. فإن جلوس القاضي في محل عمله لفصل القضاء بين الناس هو أمر واجب عليه ومستأجر له، وهو أفضل من تطوعه بحجه وعمرته وصيامه بمكة؛ لكون هذه ليست بواجبة عليه وقد لا تصح منه، والله أعلم وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى أله وصحبه وسلم. 

                                                       تحريرًا في ٨ جمادى الآخرة ۱۳۹۷ه‍ 

                   رئيس المحاكم الشرعية والشئون الدينية 

عبد الله بن زيد آل محمود

الرابط المختصر :