العنوان قراءة في الموقف السياسي لدولة الكويت
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يوليو-1987
مشاهدات 70
نشر في العدد 827
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 28-يوليو-1987
في المؤتمر الصحفي الدولي الذي عقده سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح يستطيع المراقب أن يستبطن المعالم السياسية لدولة الكويت. ويمكن أن نتناول.. ذلك على مستويين خارجي، وداخلي:
• أولًا على المستوى الخارجي:
من المعروف أن لدولة الكويت سمعة طيبة لدى شعوب العالم أجمع وذلك لما اتصفت بها سياساتها الخارجية، حيث عرف عن هذه الدولة توازن المواقف.. والرغبة في السلام.. والحيادية إزاء المشكلات الدولية... واستقلالية المواقف... والبعد عن المهاترات.
وجاء المؤتمر الصحفي الأخير ليؤكد أن دولة الكويت الفتية ما زالت متمسكة بهذه المبادئ السياسية في صياغة مواقفها من القضايا الإقليمية والعربية والدولية، رغم اشتداد الظروف من حولها خلال سنوات عقد الثمانينات، ولعل المراقب يستطيع أن يستقرئ ذلك في إجابات سمو ولي العهد وذلك كما يلي:
۱ – الحيادية: ومن أبرز صورها كما ورد في المؤتمر ما أعلنه الشيخ سعد بالنسبة لما يتعلق بالحرب العراقية- الإيرانية حيث قال:
«الكويت حرصت على عدم التورط في الحرب العراقية- الإيرانية التي تدخل عامها الثامن بعد شهرين، وقد تحلت- أي الكويت- منذ البداية بسياسة الحكمة وضبط النفس والصبر على التهديد والوعيد الذي أطلقته الجارة إيران يوميًا».
وإذا كان هذا المثال على حيادية الكويت من الواقع المعايش في منطقة الخليج الملتهبة، فإن الحكمة السياسية تقتضي الثبات على هذا المبدأ، على أن حيادية الكويت تتصف بالإيجابية الفعالة فطيلة سنوات الحرب العجاف لم تأل الكويت جهدًا في سبيل إيقاف هذه الحرب... والحق يقال .. لقد أجادت الكويت استغلال سائر الظروف من أجل حقن الدماء... وكان أبرز ما عملت من خلاله لإيقاف نزيف الدم مؤتمر القمة الإسلامي الذي عقد في يناير الماضي في الكويت.
٢- السلام: ولا تنفك الحيادية عن الرغبة بالسلام العالمي وهذه الرغبة تتناسق مع موقف الكويت من الكتل العظمي والمحاور الدولية، فالكويت تقف مع تطوير دعوات السلام العالمية وجعلها واقعًا معاشًا، وطبعًا، تستثني الكويت «إسرائيل» من هذا المبدأ لأنها عدو مباشر للعرب والكويت، أما على الصعيد الإقليمي، فإن موقف الكويت- كما ذكرنا- موقف مسالم داع للسلام، باذل كل جهد لإيقاف حرب العراق وإيران بخاصة وقد عبر الشيخ سعد في مؤتمره عن هذا الموقف بقوله:
«الكويت لا تزال تسعى لوقف تلك الحرب المدمرة التي أخذت أبعادًا خطيرة».
٣- التوازن: من المعروف أن لدولة الكويت علاقات دبلوماسية وسياسية مع كافة دول العالم باستثناء الغزاة اليهود وهذا من شأنه أن يحقق في مواقف الكويت الخارجية صفة التوازن، وهي صفة حكيمة في عصر تتشابك فيه الأطماع وتتصارع فيه القوى المختلفة، وانطلاقًا من هذا المبدأ لم تكتف الكويت بمخاطبة قوة واحدة بشأن إعادة تسجيل السفن، وإنما اتجهت إلى المجتمع الدولي بأسره بشأن هذه القضية، وبما يتعلق أيضًا بموضوع استئجار الناقلات، وقد ذكر الشيخ سعد أن الكويت «اضطرت بعد استمرار الاعتداء على ناقلاتها للاتصال بالدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن لاستئجار ناقلات نفط أو إعادة تسجيل ناقلات النفط الكويتية».
على أن رسوخ التوازن في السياسة الخارجية بات من المقتضيات الضرورية وذلك لئلا تكون دولتنا محسوبة في تقييم الاتجاهات السياسية المختلفة على هذه الدولة أو تلك، ونعتقد أن الكويت ترفض أن يكون لها ارتباط سياسي أيديولوجي بأية قوة من القوى الدولية.
على أن هذه المبادئ التي يصف المراقبون تمسك الكويت بها «حكمة ضرورية» لن تمنع الكويت من الدفاع عن نفسها في حال تعرضها لأي عدوان... وقد عبر الشيخ سعد عن هذه الحقيقة بقوله:
«إن التعليمات واضحة لدى القوات المسلحة الكويتية البرية والجوية والبحرية للرد الفوري على أي عدوان تتعرض له الكويت».
وقد جاء جميلًا إعلان الشيخ سعد إصرار الكويت عن الاستقلالية ورفضها وجود أية قواعد أجنبية على أراضيها، ومعروف أن أمر القواعد فيه خطر كبير على أية دولة تقبل بوجودها على أراضيها. ولهذا فإن شعب الكويت الذي يرفض وجود أية قواعد على أرضه وجد صدى هذا الرفض في واحدة من إجابات سمو ولي العهد الذي قال:
«إن الكويت ليست على استعداد لتقديم قواعد عسكرية على أراضيها، وأن أعضاء الحكومة الأمريكية يعرفون موقفنا جيدًا».
كانت هذه قراءة سريعة لأهم المبادئ التي تحكم الموقف السياسي الخارجي لدولة الكويت.. فماذا عن الداخل؟
• ثانيًا: على المستوى الداخلي:
على المستوى الداخلي يمكن للمراقب أيضًا استقراء بعض الأسس.. ولعل من أهمها:
۱ - رفض الإرهاب: فقد ورد في إجابات الشيخ سعد:
«نحن في هذا البلد الصغير في تعداده ولكن القوي بإيمانه بالله الكبير في طموحاته وتطلعاته، فإن هذا الشعب- وكما رفض في الماضي- يرفض في الحاضر، وسيرفض في المستقبل، ولن يخضع للإرهاب والابتزاز».
نعم.. الإيمان بالله وانعكاسه على المجالات العملية للفرد والجماعة يثمر التلاحم والقوة والقدرة على تحقيق الطموح المشروع، والإيمان بالمولى سبحانه يجب أن ينعكس على سائر مواقفنا العملية والسياسية والسلوكية والتربوية والاجتماعية والإعلامية أفرادًا وجماعات وهيئات ومؤسسات، فذلك- من ثم- يجعل منا جيلًا يعايش واقعه كما أمر الله سبحانه، جيلاً يرفض- كما رفض الأجداد بإيمانهم- كل أشكال التخويف والترهيب.. جيلًا لن يخضع للإرهاب والابتزاز كما ذكر الشيخ سعد، والأمل أن تتحقق كل معاني الإيمان في أعمالنا.. في البيت.. والمؤسسة، وفي الشارع والمكتب، وفي البرمجة والتقنين، وفي كل مجالات حياتنا الشخصية والعامة، وبذلك نكون- كالأجداد- أهلا لرفض كل أشكال الإرهاب والابتزاز.
٢ - تماسك الجبهة الداخلية: إن الجبهة الداخلية هي الأساس في صلابة الموقف، وقد أشار سمو الشيخ سعد إلى هذا وقال:
«التاريخ يعيد نفسه، فهذا الجيل أبناء أولئك الرجال الأبطال، وهم يحسون بجامة المسؤوليات ويحسون أن الوقت قد حان للدفاع عن بلدهم، وهذا يعتمد على مزيد من التلاحم وتماسك الجبهة الداخلية».
على أن تماسك الجبهة الداخلية الذي ينشده الجميع يحتاج إلى أمور عديدة منها:
١- اليقظة والحذر من الإشاعة والأنباء المغرضة التي يروجها بعض المندسين في صفوف هذا الشعب المسالم.
٢ - المزيد من تنقية الصفوف ممن لا يثبت ولاؤه وحبه لهذا الوطن.
٣- الالتفاف حول مبدأ شعب الكويت المسلم الأصيل.. ألا وهو الإسلام واعتماد تشريعاته في كل ما يخص حياتنا وعلى كافة مستوياتها.
٤- الضرب بيد من حديد على من يريد أن يمس هذا الوطن بأي أذى وذلك وفق ما يأمر به شرعنا الإسلامي الحنيف.
٥- المزيد من الانفتاح فيما بين أبناء هذا الشعب ومسؤوليه مما يزيد في تعاون الجميع بالشكل الذي يؤدي- إن شاء الله- بسفينة هذا البلد إلى شاطئ الأمان.
وأخيرًا: إن ما أنعم الله به على بلدنا هذا يستحق منا جميعًا أن نكون يدًا واحدة في الدفاع عن وحدة هذا البلد وأمنه وسيادته وحريته... وفي الختام... لا نملك إلا أن نكرر دعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام:
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ صدق الله العظيم (البقرة -١٢٦).