العنوان حملات التنصير أغرقت العالم بالدماء.. والكنيسة أحرقت العلماء والزنوج في أوروبا
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 23-سبتمبر-2006
مشاهدات 70
نشر في العدد 1720
نشر في الصفحة 26
السبت 23-سبتمبر-2006
- الهنود الحمر.. ومحاكم التفتيش وسلخ «كونتا كينتي» شهود
- هل نسي بنديكت كيف انتشرت النصرانية في أمريكا اللاتينية حينما رفعت شعار «النصرانية أو الموت»؟
أكدت مزاعم بابا الفاتيكان المعروف بنزوعه للتعصب ضد الإسلام، على أن الإسلام والمسلمين يواجهون حربا صليبية جديدة بمستويات مختلفة، فيما جاءت ردود المسلمين ارتجالية، وكان الأجدى الرد المباشر على ما أراد بنديكت أن يضلل به مستمعيه في ألمانيا والعالم، والرد بشكل واضح ومباشر على السؤال المطروح في محاضرته: «ما الجديد الذي جاء به الرسول ﷺ » حسبما أورده عن إمبراطور بيزنطي مخاطبًا من وصفه بمثقف فارسي حيث قال الإمبراطور: «أرني ما الجديد الذي جاء به محمد ﷺ لن تجد فيه إلا أشياء شريرة وغير إنسانية، مثل أمره بنشر الدين الذي يبشر به بحد السيف»، وأن «الإسلام لا يدين العنف بالشدة المطلوبة، وأن المشيئة الإلهية فيه منقطعة عن العقل..».
وما قاله بنديكت لا يستوجب سوى الرد الفكري؛ ومن الردود المطلوبة ما دعا إليه الشيخ عياش الكبيسي وهو المناظرة بين بنديكت وأحد علماء المسلمين حول مكانة العقل في الإسلام والنصرانية التي يدين بها، والشرور التي ارتكبت عبر التاريخ باسم المسيح -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام-.
صناعة الأعداء
وللأسف الشديد، فإن الحملة التي يقودها الغرب ضد الإسلام والمسلمين ومزاعم بنديكت السادس عشر، تأتي ضمن المشروع الغربي لخلق عدو بديل عن الشيوعية منذ نهاية الثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي.. كما أدرك الكثيرون لحرب بوش «الصليبية» التي أعلنها إبان غزو أفغانستان، ومن ثم العراق، ثم قانون منع الحجاب في فرنسا، والرسوم الدانماركية المسيئة، التي أعيد نشرها في عدد من الصحف النرويجية والفرنسية والإيطالية وغيرها، وحملات طرد المسلمين في إيطاليا ودول أخرى.
الجديد الذي جاء به الرسول ﷺ
- كان السؤال استنكاريًا وبمنزلة حكم إمبراطوري لا معقب له، ولم يكن صاحبه في حاجة لانتظار الجواب، بدليل أننا لم نسمع جواب من وجه له السؤال في محاضرة البابا بنديكت السادس عشر..
- الجديد الذي جاء به الرسول ﷺ هو التوحيد الخالص توحيد الربوبية الألوهية وتوحيد الذات والصفات، بما لم يسبق له مثيل في تاريخ الرسل والرسالات.
وفي الحديث: «أفضل ما قلت أنا والنبيين من قبلي لا إله إلا الله» التوحيد الذي أرسل الله به الرسل جميعًا، ولم تحافظ على نقائه سوى أمة الإسلام.
فاليهود ورغم أنهم موحدون إلا أنهم يدعون أنهم شعب الله المختار، بينما ربط الإسلام الخيرية بالعمل الصالح، وليس الانتماء للعروبة أو غيرها من الشعوبيات.
- الجديد الذي جاء به الرسول ﷺ هو القول الفصل في عيسى ابن مريم -عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام-، بعد أن اختلف حوله اليهود والنصارى، حيث يعتقد اليهود أنه «ابن الشيطان» وأمه «زانية»، وكانت العقيدة النصرانية قد شهدت صراعًا مريرًا بين أتباعها في عصورها الأولى، بين الموحدين والمثلثين إلى أن تم انتصار الفريق الثاني على الأول بعد تنصر الملك قسطنطين وعقده «مجمع ۱۲۰ ميلادية» الذي اضطهد فيه الموحدون وقتلوا تقتيلًا على الطريقة النصرانية التثليثية.
فالجديد الذي جاء به الرسول ﷺ هو التأكيد على بشرية عيسى -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- وفي القرآن ينفي عيسى -عليه وعلى نبينا السلام- طلبه من أتباعه ذلك: ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (المائدة: ١١٦).
- الجديد الذي جاء به الرسول ﷺ هو العدالة والتسامح وعدم الإكراه في الدين ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: ٢٥٦) وقد عاش النصارى بين ظهراني المسلمين منذ فجر الرسالة وحتى اليوم، ولو كان الإسلام انتشر بالسيف لما بقي نصراني واحد في العالم الإسلامي اليوم.
لقد قام الرسول ﷺ لجنازة يهودي، وطلب القرآن الكريم من المسلمين مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، وأن لهم ما لنا وعليهم ما علينا. كما كانت وثيقة المدينة بين المسلمين واليهود أول وثيقة لحقوق الإنسان في التاريخ. وعلى ذلك سار عمر بن الخطاب عندما فتح القدس، ومحمد الفاتح في البلقان، والعهدة العمرية وفرمان الباب العالي لا يزالان محفوظان حتى يومنا هذا.
رحمة الإسلام بالأعداء
- الجديد الذي جاء به الرسول ﷺ هو أخلاق الحرب التي لم يعرف التاريخ لها مثيلًا، «لا تقتلوا طفلًا، ولا شيخًا ولا امرأة، ولا تقطعوا شجرة...» بينما الجميع، وفي مقدمتهم بنديكت يعرفون أسباب إنشاء الصليب الأحمر في أوروبا.
- الجديد الذي جاء به الرسول ﷺ هو المساواة بين الناس على مختلف ألوانهم وأعراقهم، «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى»، فيصلي الجميع في صف واحد، وهم سواسية أمام القضاء الإسلامي، بينما ما زالت حتى الآن كنائس خاصة بالسود وأخرى للبيض.
حروب أوروبا الدينية
- لا يمكن الحديث عن الجديد الذي جاء به الإسلام وهو ما لا يمكن حصره عبر مقال، دون التطرق إلى شرور الحروب الدينية التي شهدتها أوروبا على مدى ألف سنة، والحروب بين فرنسا وبريطانيا التي استمرت ٥٠ سنة، حيث تعتبر الحروب التي شهدها التاريخ الإسلامي بما فيها المصائب المعاصرة هامشية مقارنة بالدماء التي سالت بين المسيحيين أنفسهم، ومنها الحربين العالميتين الأولى والثانية.
مجازر نشر النصرانية
- لا يمكن الحديث عن الجديد الذي جاء به الإسلام، والرد على تخرصات انتشار الإسلام بالسيف دون الإشارة إلى الطريقة التي انتشرت بها النصرانية في آسيا وإفريقيا، وكيف كان يؤخذ العبيد إلى أمريكا التي أبيد سكانها الأصليون من الهنود الحمر، الذين قتل منهم ۱۱۲ مليون نسمة فهناك أقيمت مقابر جماعية للهنود، وعلى تلك المقابر بنيت دولة جديدة ترفع «لواء الديمقراطية وحقوق الإنسان»!!
وكيف انتشرت النصرانية في أمريكا اللاتينية «النصرانية أو الموت»؟ كيف قضى مئات الآلاف من العبيد في عرض البحر؟ حيث كان يلقى بهم في اليم عندما تكون هناك حاجة لذلك... ولم يشهد تاريخ الإسلام حالات تعذيب وحشية كالتي ابتكرتها الوحشية الكنسية في محاكم التفتيش، أو التي تفتقت عنها الذهنية الكنسية كسلخ المثقف «كونتا كينتي» وهو متمرد زنجي مثقف وصناعة حافظة نقود من جلده.
مصادرة العقل
ومن المفارقات أن تكون محاكم التفتيش الكنسية التي كانت تجبر الناس على النصرانية، كذلك النازية والفاشية والمافيا.. وغيرها، بضائع أوروبية خالصة ومن ثقافة نصرانية، وهي رموز الشرور في العصر الحديث، تماما كما كانت جرائم الحروب الصليبية الرهيبة وما قبلها، وهي حروب إبادة.
وكانت المحاكم الكنسية تحرق العلماء وهم أحياء، ومع ذلك لا يخجل البعض من وصف الإسلام بالفاشية، كما لم يخجل البعض مثل رئيس وزراء إيطاليا السابق سلفيو برلسكوني من القول بأن الحضارة النصرانية أرقى من الحضارة الإسلامية، أو بنديكت من الحديث عن الشرور!!
وكان الطبيب «نستر داموس» يحتفظ بكتاب الطب لابن سينا، وقد اضطر لإحراقه خشية أن يحرق مكانه من قبل الكنيسة، بعد أن فقد زوجته الأولى بسبب كتاب العربي مسلم. ولا ننسى جاليليو الذي أحرقته الكنيسة لأنه قال بدوران الأرض، وكان المثقفون النصارى يطلبون موافقة الكنيسة على قراءة كتب ابن رشد الذي يعد أحد أهم أركان النهضة العلمية في الغرب، وغيره من علماء العروبة والإسلام.
لقد أحيا الإسلام الإنسانية وبنى أمة وأرسى أسس العلاقات البشرية بين بني البشر بما لم يسبق له مثيل، بل لم يصل العالم إلى مستواه حتى اليوم، ولا يزال نداءه الخالد يصدع في العالمين، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 64).. ولم يعرف الإسلام الإبادة التي شهدتها الشعوب المستضعفة في أوروبا على يد البابوات في منطقة البلقان مذابح البوغميل ثم المسلمين والقوقاز وآسيا وإفريقيا وأمريكا وأستراليا على يد النصارى، بل أكد أن ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: ۳۲)، وكان المسلمون بشهادة المنصفين من الغربيين ومنهم صاحبة «شمس الله تشرق على الغرب»، و«أرحم الفاتحين»، ولم يجبروا أحدًا على اعتناق الإسلام... فالإجبار نوع من القتل غير المبرر، بينما مارس النصارى الإبادة وليس القتل فقط لمن رفض النصرانية، ولا سيما في الأندلس، والبعض خيروهم بين الدخول في النصرانية أو الهجرة من البلد الذي ولدوا فيه ولا يعرفون غيره!!
أقوال البابا: تساؤلات.. أم اتهامات؟
المستشار الشيخ فيصل مولوي [1]
لم يكن البابا محتاجًا أن يطرح أسئلته عن الإسلام في سياق محاضرة فلسفية يلقيها أمام الناس. بإمكانه أن يطرح هذه الأسئلة على المرجعيات الإسلامية الرسمية والشعبية في جميع أنحاء العالم، وسيجد الجواب الذي يعرفه جيدًا، لأن جميع هذه المرجعيات سبق لها وأن أدانت العنف الممارس باسم الإسلام وأكدت التمييز بين المقاومة المشروعة التي ترد العدوان، وبين الإرهاب الذي يطال المدنيين والأبرياء.
لكن الظاهر -خلافًا لما قاله الناطق باسم الفاتيكان في محاولة لتخفيف وقع كلام البابا على المسلمين- أن البابا «أخذ على الإسلام أنه لا يدين بالشدة المطلوبة العنف الذي يمارس باسم الإيمان» (النهار ١٥/٩/ ٢٠٠٦م).
هذا ليس سؤالًا يبحث عن جواب، بل هو اعتراف واضح أن الإسلام يدين العنف، لكنه لا يدينه بالشدة المطلوبة. وهو أمر يدل على اطلاع غير كاف على الإسلام. ثم هل يكون التنديد بالجهاد سؤالًا ينتظر الجواب؟ وهل يكون ادعاء أن الإسلام انتشر بالسيف، مجرد سؤال لا يعرف البابا جوابه، مع أنه قضية مطروحة منذ زمن بعيد، وقد تحدث فيها كثير من المستشرقين ومن رجال الدين المسيحيين، ورد عليهم كثير من العلماء والمفكرين المسلمين، بل كتب فيها كثير من الباحثين الغربيين المنصفين ممن يعرفهم البابا جيدًا؟
ثم ما هو الرابط بين الصور الدانماركية المسيئة للرسول ﷺ بالعنف والإرهاب، وبين الكلام الذي اقتبسه البابا عن إمبراطور بيزنطي يقول المثقف فارسي: «أرني ما الجديد الذي جاء به محمد لن تجد إلا أشياء شريرة وغير إنسانية، مثل أمره بنشر الدين الذي كان يبشر به بحد السيف». وهل اقتباس الكلام عن آخرين يعفي المتكلم من مسؤولية هذا الكلام؟ في العادة يقتبس المحاضر كلامًا عن لسان غيره، إما ليؤيده أو لينقده. إن البابا هنا لم ينقد كلام الإمبراطور، بل قاله في معرض الاستدلال على ما يؤيد نظرته للإسلام، فهو يعبر عن رأيه بكل وضوح.
من المؤسف أن تظل فكرة انتشار الإسلام بالسيف، والإكراه على اعتناق الدين منتشرة في الأوساط الدينية المسيحية، رغم انتشار الكتابات التي تفند هذه المسألة، ومنها كتابات عائدة لمفكرين غربيين منصفين.
تحالف الكنيسة مع الاستعمار الغربي
أعتقد أن الحوار بين الأديان، والذي كان الفاتيكان يدعو له ويشارك فيه بفعالية مباشرة أو بالواسطة، والذي أعلن البابا بنديكت أنه في أول اهتماماته، هذا الحوار أصبح اليوم بسبب هذا الكلام في أجواء عاصفة تجعله عديم الفائدة، لأنه جعل الكنيسة أمام المسلمين متحالفة مع الظلم والاستعمار والإرهاب العالمي، ولو لم تنطق بذلك، طالما أنها تتوجه باللوم إلى البريء المظلوم إذا ظهرت منه بعض الأعمال السيئة في مجال رد العدوان وتعتبر هذه الأعمال جزءًا من دينه، بينما تغض الطرف عن الإرهاب الدولي المنظم الذي يسحق شعوبًا بأكملها، ويقتل الملايين من البشر الأبرياء طالما أنه يدعي السلام وينبذ العنف.
لا أزال أعتقد ضرورة التواصل والتحالف بين الأديان، المواجهة الموجة المادية العاتية، التي تنقض القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية من أساسها، وللعودة بالإنسان إلى رحاب الفطرة، وإلى سلامة البيئة، وإلى أخلاقية المجتمع، ولا أزال ألى أن الحوار هو الطريق إلى ذلك.
ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داود.
[1] الأمين العام للجماعة الإسلامية في لبنان
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل