العنوان هل يصلح العطار ما أفسد الحزب؟
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 25-أكتوبر-2003
مشاهدات 64
نشر في العدد 1574
نشر في الصفحة 34
السبت 25-أكتوبر-2003
- ما الهدف من إحياء فكرة الحوار إذا كانت جهود الحكم قد أسفرت عن إخماد جذوة الحيوية في المجتمع المدني كله؟
- استخدم الحاكم العسكري ونائبه صلاحيات الطوارئ للتدخل في حياة الشعب المصري في كل المجالات.
انعقد المؤتمر السنوي للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في مصر وناقش عدة أوراق عکست محاولة لتفعيل دور الحزب في مواجهة الحكومة من جانب، كما عكست محاولات الاتجاه الإصلاحي داخل الحزب والذي يقوده جمال مبارك «ابن الرئيس مبارك» لفرض سيطرته على مفاصل الحزب.
كان انطباع المراقبين المحايدين والمعارضين عن المؤتمر سلبيًا، فلم يظهر لهم إلا كمحاولات للتجميل وإدخال ديكور على الحياة السياسية والحزبية، أو على الأكثر استجابة للضغوط الخارجية الأمريكية التي جعلت أولى أولوياتها في المنطقة العربية فرض نموذج للإصلاح على النمط الأمريكي لتحقيق المصالح الأمريكية والصهيونية.
كان شعار المؤتمر «فكر جديد وحقوق المواطن».
وقضية «الفكر الجديد» هي ما تبناه فريق الإصلاح الذي يريد إزاحة الوجوه القديمة التي ارتبطت بقضايا الفساد الأخيرة في محاولات واضحة لكشف انتهازيتها وفسادها أمام الرأي العام الذي لم يغب عنه إطلاقًا فساد هذه النخبة وإفسادها. كان لا بد من طرح شعار يتم تحته «الإحلال والتجديد»، فكان «فكر جديد»، أما محتوى الشعار فلم يعرضه أحد حتى الآن، فمازالت السياسات نفس السياسات، بل كان من نتائج «التسيب الحكومي» وتضارب القرارات وحدّة الصراعات أن تدهورت الأحوال الاقتصادية في مصر إلى حد لم يسبق له مثيل طوال العشر سنوات الماضية.
وكان من نتيجة السياسة الاقتصادية القائمة على «تحرير سعر الصرف» وترك الجنيه المصري لمصيره الذي يحدده سعر السوق الحر، فضلًا عن المضاربات العشوائية واستنزاف الاحتياطي النقدي الأجنبي أن تعدى سعر الدولار في مصر السبعة جنيهات، وكان من نتائج ذلك تدهور أحوال المصريين. ولأول مرة منذ سنوات شهدت مصر اختفاء السلع الرئيسة من الأسواق، وعادت طوابير الخبز مرة أخرى لتملأ شوارع القاهرة، والمدن الكبرى، وأجتمع الرئيس بمجلس الوزراء للتأكيد على دعم وتوفير السلع الرئيسة، وكان لا بد من توفير نقد أجنبي لتمويل استيراد السلع الغذائية خاصة مع اقتراب دخول شهر رمضان المبارك، الذي يشهد على عكس المقصود منه تضاعف الاستهلاك، وأيضًا بدء العام الدراسي الجديد لذلك جاءت زيارة الرئيس مبارك المفاجئة إلى عدد من دول الخليج.
يريد الحزب أن يوجّه سياسات الحكومة وأن تتحول الحكومة إلى حكومة الحزب، كي يغيّر وجهة النظر العامة إليه على أنه «حزب الحكومة» لذلك كان هناك صراع داخل أروقة المؤتمر بين الوزراء من جهة والكوادر الحزبية الجديدة التي صعد نجمها مع وصول جمال مبارك إلى أمانة السياسات، وتشكيله «مجلس السياسات»، الذي ضم فيه نخبة من التكنوقراط وأساتذة الجامعات، وأصبح له فريق لتطبيق الأساليب الحزبية المعروفة في «التثقيف السياسي» أو «التدريب السياسي» و«الحوار مع المجتمع المدني» والهدف كان واضحًا وهو مواجهة النمو المتزايد والانتشار الواضح للتيار الإسلامي الذي يمثله الإخوان المسلمون في النقابات المهنية.
لذلك تم إصدار قرار بتشكيل «أمانة للمهنيين» في كل محافظة، وفي حوار سابق للدكتور «مفيد شهاب»، وزير التعليم العالي مع ممثلين لنوادي هيئات التدريس بالجامعات المصرية وغيرهم من جمعيات حقوق الإنسان وبعض أعضاء مجالس النقابات، كان واضحًا أنه يريد الجمع بين متناقضين:
الأول: عزل النقابات والنوادي عن العمل والتأثير السياسي لأنها أصبحت منابر للاتجاه الإسلامي والإخوان المسلمين.
الثاني: تفعيل دور الحزب الوطني، ودفعه للمشاركة في الانتخابات النقابية المهنية وتحجيم وجود الإخوان إلى نسبة ضئيلة لا تتجاوز في تقديره «هو» 25%․
ولقد فشلت الحكومة فشلًا ذريعًا في كل الانتخابات الحرة، برلمانية أو نقابية، ذلك أنها لا تستند إلى حزب حقيقي، بل هي مجموعة من المنتفعين، وشلل من الانتهازيين، ورجال لكل العصور ليس لهم فكر ولا يحركهم طموح إلا مصالحهم الشخصية. ويحاول هذا الفريق الإصلاحي أن يفتح حوارًا مع «المجتمع المدني»، لذلك تمت دعوة النقباء المهنيين ورؤساء جمعيات حقوق الإنسان ورؤساء نوادي هيئات تدريس الجامعات «وهذه المرة الثانية» لحوار على هامش المؤتمر السنوي للحزب.
وكانت المفاجأة كما حكى لي أحد أساتذة الجامعات من الصف الثاني في الحزب والذي يشارك بفاعلية في عملية الإصلاح الداخلي أن كل هؤلاء تقريبًا كانوا من أعضاء الحزب أو الموالين لسياساته باستثناء عدد محدود جدًا، فالحزب كان يحاور نفسه. لأن منصب النقيب كان الإخوان يتركونه لأحد رموز المهنة كي يكون جسرًا بين المجلس النقابي والحكومة، ولم يحضر نقيبًا المحامين والصحفيين اللذان يمثلان استثناء، وحضر فقط أ.د عادل عبد الجواد رئيس نادي هيئة تدريس جامعة القاهرة من غير أعضاء الحزب الوطني.
تجربة الحوار نودي بها من قبل على المستوى الوطني مرتين، في عهد الرئيس مبارك:
الأولى: كانت جلسات استماع حضر فيها المرشد الراحل الأستاذ عمر التلمساني في مجلس الشعب.
والثانية: كانت حوارًا وطنيًا دعا إليه الرئيس مبارك، وتم في أروقة مجلس الشعب أيضًا وتم استبعاد الإخوان منه تمامًا، ودُعيت إليه الأحزاب الرسمية فقط.
وكان من نتائج الأول: قبول ضمني بوجود الإخوان في الساحة السياسية، حيث شكلوا تحالفًا واسعًا مع حزبي العمل والأحرار عام ١٩٨٧م كان هو المعارضة الرئيسة في برلمان ۸۷ - ۱۹۹۰م.
وكان من نتائج الثاني تكريس إقصاء الإخوان عن التنسيق مع الأحزاب السياسية والعودة إلى النظام الفردي في الانتخابات الذي نتج عنه إبعاد الإخوان عشر سنوات عن البرلمان (۱۹۹۰ م - ٢٠٠٠م) حتى عادوا إليه عام ٢٠٠٠م وشكلوا المعارضة الرئيسة مرة أخرى.
فما الهدف من إحياء فكرة الحوار من جديد، خاصة وأن جهود الحكم على مدار عقد كامل من الزمان أسفرت عن إخماد جذوة الحيوية في المجتمع المدني كله؟ فالأحزاب السياسية تم إضعافها تمامًا. فباتت على الهامش، تمزقها الخلافات الداخلية، وتنهكها المشكلات المالية، ومحاصرة داخل مقراتها، ولا يعلم الشعب عنها شيئًا إلا من صحف محدودة الانتشار تراجع توزيعها، وتم تجميد نصف الأحزاب المرخص بها تمامًا.
أما النقابات العمالية، فهي مؤممة لصالح الحزب الحاكم، والنقابات المهنية مجمّدة بسبب القانون ١٠٠ لسنة ١٩٩٣م، الذي منع الانتخابات داخلها، وكلما جربت الحكومة إجراء انتخابات في إحداها فوجئت بنتائج غير متوقعة تسبب لها مزيدًا من الإحباط والاتحادات الطلابية تم إيقاف نشاطها ولم تعد تجرى بالجامعات أي انتخابات طلابية ولا لهيئات التدريس، والجمعيات الأهلية محاصرة بفعل قانون الجمعيات الجديد، فما الذي تريده الحكومة، وما الذي يهدف إليه فريق الإصلاح في الحزب الحاكم؟!!.
حقوق المواطن.. نكتة!
شكّل شعار «حقوق المواطن» نكتة سياسية، فالمواطن المصري لا يشعر بأن له أي حقوق في وطنه، لا هو يختار نوابه بحرية، ولا يشكل أحزابًا سياسية بحرية، ولا هو يصدر صحفًا أو مجلات تعبّر عن رأيه واتجاهه الفكري، ولا يستطيع أن ينشئ جمعية أهلية لنشاط اجتماعي أو ثقافي، فما حقوق المواطن التي يدعو إليها الحزب في مؤتمره السنوي؟!!.
ما الذي يريده فريق الإصلاح حقًا في الحزب الحاكم ومن وراء رفع شعارات برّاقة؟
هل يريد إنجاز إصلاح حقيقي ولكنه يواجه عقبات وتحديات داخل الحزب من الحرس القديم المتشبث بمواقعه؟
إننا نلاحظ أن الوجوه القديمة كانت حاضرة باستثناء الدكتور يوسف والي نائب رئيس الوزراء وزير الزراعة والأمين العام للحزب لسنوات طويلة، الذي كان الحاضر الغائب، موجودًا بجسده ولكنه لم يتحدث ولم تظهر له صورة منفردة، وحتى في الجلسة المخصصة لمناقشة «التنمية الزراعية» وهي إحدى ثلاث ورقات تمت مناقشتها باستفاضة. أم أن هذا الفريق يريد الترويج للقادم الجديد عند المراقب الأجنبي بإثارة قضايا تعبّر عن مطالبات مُلحّة من الجانب الأمريكي؟.
لا يشعر المواطن المصري بأن الحديث موجّه إليه بقدر ما يشعر الأجانب بأن الكلام لهم هم «إياك أعني واسمعي يا جارة»!!.
كان أهم القرارات التي أعلن عنها السيد الرئيس في كلمته الختامية في المؤتمر «لاحظ أن كلمة الافتتاح ألقاها الأمين العام صفوت الشريف ولم يلقها أيّ من نائبي رئيس الحزب، مصطفى خليل ولا يوسف والي».
كان أهم القرارات: التوجيه بإلغاء الأوامر العسكرية باستثناء ما يمس بالأمن والنظام العام..
والتوجيه الآخر هو مراجعة قانون الجنسية لإعطاء أبناء المصريات المتزوجات من أجانب حقوق المواطنة والجنسية. أما عن قانون الجنسية وتغييره فقد تم نتيجة ضغوط اللوبي النسائي وبعد إثارة القضية مرات عدة خلال السنوات العشر الأخيرة.
المسألة تتعلق بالضغوط الاقتصادية التي تعاني منها بضعة آلاف من المصريات المتزوجات من أجانب، غالبيتهم عرب، وقليل منهم من عرب فلسطين ١٩٤٨م «يصل البعض بالعدد إلى ١٤ ألفًا وهي مبالغة كبيرة».
الضغوط الاقتصادية خاصة في مجال التعليم ثم بعد ذلك في مجال العمل بعد التخرج، والتي ظهرت إلى الوجود بعد حرمان العرب من المزايا المتساوية التي كانوا يتمتعون بها كالمصريين هي التي خلقت المشكلة، خاصة أن غالبية المصريات مطلقات أو منفصلات عن أزواجهن ومعاناتهن ضخمة في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية.
كان يمكن حل هذه المشكلة دون إثارة مراجعة قانون الجنسية خاصة في بلد كمصر يشكو من الكثافة السكانية الحالية، وذلك بإعفاء هؤلاء من المصروفات ومعاملة أبناء المصريات في التعليم والعمل كأبناء المصريين، خاصة أن هناك اعتراضات كثيرة تمس الأمن القومي.
الظاهر أن الضغوط من جانب والمصالح من جانب آخر والرغبة في تحقيق إنجازات نسائية على طريق قانون الخُلع وتعيين امرأة قاضية، كل ذلك أدى إلى صدور التوجيه الرئاسي.
المسألة الثانية: هي الأوامر العسكرية وإلغاء بعضها، وهي تقتضي بعض الشرح.
الأصل أن يعيش المصريون في ظل القانون الطبيعي والاستثناء أن يتم إعلان حالة الطوارئ التي تبيح للحاكم العسكري «وهذا اسم الرئيس في ظل حالة الطوارئ» إصدار أوامر عسكرية لها حكم القانون. الحكومات المصرية تعهدت طوال حكم الرئيس مبارك ألا تستخدم صلاحيات قانون الطوارئ إلا في مواجهة حالات العنف والإرهاب.
وبالطبع نعرف جميعًا أن الحكومة أخلّت بهذا التعهد خاصة في منافسة خصومها السياسيين، حزبيين وغير حزبيين معارضة رسمية أو إخوان مسلمين.
فقد حاصرت الأحزاب والنقابات والطلاب ومنعت أي نشاط جماهيري بحجة قانون الطوارئ.
ومنعت التظاهر السلمي والإضراب العمالي أو للموظفين بنفس القانون، وصدرت بموجبه أحكام بالسجن على عشرات أو مئات من الإخوان المسلمين وأعضاء الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد.
وظهرت المفاجأة عندما بدأت لجنة في إلغاء بعض الأوامر العسكرية التي لا تتعلق بالأمن أو النظام العام.
فقد اتضح أن الحاكم العسكري ونائبه «الرئيس ورئيس الوزراء» استخدما طوال النصف قرن الماضي صلاحيات الطوارئ للتدخل في حياة الشعب المصري في كل المجالات مثل: حفظ النظام في معاهد التعليم، التموين، التسعير الجبري، تبوير وتجريف الأراضي الزراعية، أعمال البناء والهدم، وتلويث البيئة، التحريض على بعض الطوائف وإهانة رئيس الجمهورية، وتعطيل المواصلات، والأحزاب السياسية، والتجمهر.. إلخ.
ويلفت الانتباه أن الرئيس لم يأمر بإلغاء حالة الطوارئ التي طالت المناداة بإنهائها من كل القوى السياسية، مما يعني أن الحزب والقيادة السياسية والإدارة الحكومية لا تستطيع الحياة بدون قانون الطوارئ وكأنها أدمنتها، وهذا ليس عجيبًا، فكيف يستطيع ضابط صغير أن يسلك الطريق الطبيعي في التحري والتحقيق الذي يتطلب منه جدًا وعلمًا وكفاءة وأمامه طريق انتزاع الاعترافات عن طريق التعذيب الذي وإن كانت لا تتيحه حالة الطوارئ بحال من الأحوال، وهو مجرّم مدان دستوريًا وقانونيًا، إلا أن ظل قانون الطوارئ يضفي على الضباط حماية كبرى ويشعرهم نفسيًا وإداريًا أن هناك مظلة سياسية تتيح لهم فعل أي شيء وكل شيء.
وعندما ينتهي عمل اللجنة المكلفة بالمراجعة سوف يكتشف الشعب المصري أن الأوامر العسكرية التي ألغاها النظام هي المتعلقة بالجرائم العادية وهي التي كانت تشدد العقوبات أو تسرّع الإجراءات ضد محترفي الإجرام أو الإتجار بأقوات الشعب أو المعتدين على الرقعة الزراعية وهم في غالبيتهم ممن يدور في فلك الحزب الوطني.
وستبقى كل الأحكام العسكرية المتعلقة بالمجتمع ونشاطه الطلابي والمهني والسياسي والنقابي معلقة فوق رؤوس المصريين، حتى يظل الحزب الوطني بلا منافس في الساحة، فالطوارئ فُرضت لحفظ النظام وحماية النخبة الحاكمة، والحزب لا يستطيع المنافسة الحرة لأنه ليس حزبًا حقيقيًا، لذلك فإن منع المنافسين هو المطلوب لإتاحة الفرصة للحزب وشكل المنتفعين فيه كي ينفردوا بالساحة في الجامعات والنقابات وصولًا إلى الانتخابات البرلمانية كي تبقى نسبة الثلثين حكرًا على أنصار وأزلام النظام.
وختامًا: هل يستطيع أحد مهما كان حجم التأييد الرئاسي له أن يصلح الحزب الحاكم في مصر، ومثاله الأحزاب الحاكمة في الوطن العربي؟ وهل يمكن أن يتدرب الحزب على المنافسة وأن يحلق بجناحين مثل بقية الأحزاب الطبيعية؟ وهل يصلح العطار ما أفسده الحزب، حتى ولو كان العطار هو نجل السيد رئيس الجمهورية، وحتى لو كان الأمل اتخاذ الحزب ذريعة لتبوؤ مواقع سياسية كبرى؟..
الله أعلم.