العنوان الإخوان والانتخابات البرلمانية المقبلة
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يونيو-2000
مشاهدات 67
نشر في العدد 1403
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 06-يونيو-2000
كان قرار الإخوان المسلمين في مصر بعدم مقاطعة الانتخابات المقبلة في شهر نوفمبر من العام الجاري، والمشاركة فيها كأفراد مفاجئًا للبعض، بينما استقبلته غالبية المراقبين بدون استغراب، فقد قررت القوى السياسية الرئيسة تقريبًا خوض الانتخابات «أحزاب: الوفد، التجمع، الناصري، الأحرار» فهل ستكون الانتخابات نظيفة ونزيهة تليق بمصر ومكانتها وريادتها في العالم العربي والإسلامي؟ أم ستلحق بسابقاتها من حيث الطعن في حيادها ونزاهتها، فتتأخر مصر عن اللحاق بدول مثل السنغال وإيران؟!
ولماذا قرر الإخوان عدم التخلف عن بقية القوى السياسية وما الضوابط التي ستجرى في ظلها الانتخابات؟
الأسئلة والاستفسارات لا تتوقف، وهذا التحليل يحاول أن يستعرض ملابسات الانتخابات وخلفيات موقف الإخوان وأن يستشرف تشكيلة المجلس المقبل في مصر.
الإخوان والانتخابات: مبدأ عام ووسيلة مقررة:
موقف الإخوان المسلمين من مسألة الانتخابات يتفرع عن موقفهم من السياسة، فالإخوان يؤمنون بالإسلام الشامل كما يقول الإمام الشهيد «الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا فهو دولة ووطن، وحكومة وأمة» «رسالة التعاليم».
وأبرز خصائص دعوة الإخوان أنها تضم كل المعاني الإصلاحية فهي كما قال مؤسسها «دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية».
وقد جرت عليهم نظرتهم هذه الانتقادات ثم المتاعب، ويرد الإمام الشهيد على المنتقدين بقوله: «وأما أننا سياسيون بمعنى أننا نهتم بشئون أمتنا، ونعتقد أن القوة التنفيذية جزء من تعاليم الإسلام تدخل في نطاقه وتندرج تحت أحكامه، وأن الحرية السياسية والعزة القومية ركن من أركانه وفريضة من فرائضه، وأننا نعمل جاهدين لاستكمال الحرية ولإصلاح الأداة التنفيذية فنحن كذلك، ونعتقد أننا لم نأت فيه بشيء جديد، فهذا المعروف عن كل مسلم درس الإسلام دراسة صحيحة» «رسالة المؤتمر السادس».
ومن عجيب أن البعض من العاملين للإسلام يشارك في هذا الفهم الشامل للإسلام ثم يتوقف عند آلية الانتخابات ووظيفة البرلمانات في الرقابة وصياغة القوانين المنظمة لحياة الأفراد استقاء من شرع الله تعالى وترجيحًا لاجتهادات على اجتهادات أخرى وتنظيمًا للمباح الذي يشكل أكثر من ٩٠٪ من حياة الأفراد، أما الإخوان فقد كان موقفهم واضحًا من قديم، حيث يقول الإمام الشهيد متحدثًا عن وسيلة الإخوان المسلمين «أما وسائلنا العامة:
- فالإقناع ونشر الدعوة بكل وسائل النشر حتى يفقهها الرأي العام ويناصرها عن عقيدة وإيمان.
- ثم استخلاص العناصر الطيبة لتكون هي الدعائم الثابتة لفكرة الإصلاح.
- ثم النضال الدستوري حتى يرتفع صوت هذه الدعوة في الأندية الرسمية وتناصرها وتنحاز إليها القوة التنفيذية، وعلى هذا الأساس سيتقدم مرشحو الإخوان المسلمين حين يجيء الوقت المناسب «الخطاب كان عام ١٩٤٠م» إلى الأمة ليمثلوها في الهيئات النيابية، ونحن واثقون بعون الله من النجاح ما دمنا نبتغي بذلك وجه الله»، «رسالة المؤتمر السادس».
- ونتوقف هنا أمام عدة حقائق:
- فالصورة واضحة أمام البنا «رحمه الله» منذ بداية الطريق وفجر الدعوة، والوسائل محددة والطريق- رغم طوله- واضح.
- المبدأ وهو دخول الانتخابات مقرر، أما التوقيت فيخضع لحسابات الظروف.
- الأمة هي صاحبة الحق في الاختيار والتقرير ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: ١٥٩).
- العمل للإسلام وفق أسلوب متكامل متوازن دون أن يطفى جانب على جانب.
هذه هي الخلفية الفقهية والفكرية والدعوية التي يمارس الإخوان في نقلها الشورى لاتخاذ قرار بشأن خوض انتخابات ما.
فما معطيات الواقع الحالي؟ وما البدائل المتاحة أمام الإخوان في مصر؟
معطیات انتخابات ۲۰۰۰م وظلالها:
تجرى الانتخابات المقبلة في ظل أجواء عصيبة تعصف بمصر وتؤثر على الشعب وعلى الإخوان، وفي ظل تضييق أمني كبير ومحاصرة للمعارضة والإخوان:
أولًا: الوضع السياسي قائم، والمعارضة محاصرة في مقارها، وها هو حزب العمل «الحليف الرئيس للإخوان» يتم تجميد أنشطته بقرار إداري من لجنة الأحزاب، وها هي صحيفته «الشعب» المتنفس الوحيد لأخبار الإخوان والتي تحمل أسبوعيًا رأيهم في الأحداث في مقال المرشد العام يتم إغلاقها، وهذا يحمل نذرًا شديدة الوضوح بمسار الانتخابات المقبلة التي تتم- فضلًا عن ذلك- في ظل حالة الطوارئ.
ثانيًا: تقرر إجراء انتخابات نقابة المحامين المصرية في أول يوليو المقبل، وهي تشكل في وجدان النخبة السياسية المصرية رمزًا مهمًا للدفاع عن الحريات ومؤشرًا حول اتجاهات الرأي العام، ودليلًا لا يخيب حول موازين القوى السياسية.
وهذه الانتخابات النقابية والتي تتم دون رغبة حكومية بل تنفيذًا لحكم محكمة النقض أعلى هيئة قضائية، يخوضها الإخوان وفق معايير جديدة ترغب من خلالها الجماعة في مد يدها إلى القوى السياسية كافة لتشكيل مجلس قومي للنقابة لا تسيطر عليه قوة سياسية وحيدة، وإن كان للإخوان فيه تأثير كبير أو قليل.
وسيكون للإجراءات التي ستتم في انتخابات المحامين وكذلك لنتائجها بالغ الأثر في أمرين:
- الانتخابات البرلمانية المقبلة.
- إمکان استكمال انتخابات بقية النقابات المهنية المجمدة.
وثالثًا: وضع اقتصادي صعب جدًا، فالحكومة تعاني من نقص الإيرادات وتتوقف عن سداد مديونياتها مما ينعكس على قراراتها كلها فتتسم بالعصبية والتردد وأحيانًا البطش، وتمارس المؤسسات الدولية «الصندوق والبنك الدوليان» ضغوطًا شديدة على الحكومة، والأسواق تعاني من الركود وتراكم المخزون السلعي الذي وصل إلى العقارات، والأفراد يعانون أشد المعاناة -ومنهم الإخوان- في ظل تنامي نزعات مادية وترف استهلاكي وتفاوت رهيب فى الدخول مما يزيد من صعوبات الحياة.
رابعًا: محاكمة عسكرية لأبرز رموز الإخوان في العمل النقابي، ومنهم نائب سابق ومرشحون سابقون خاضوا انتخابات ١٩٩٥م وقد أشرفت الحاكمة التي طالت كثيرًا «بدأت في أكتوبر ۱۹۹۹م» على نهايتها، وقد تأتي الأحكام العسكرية محملة برسائل ذات دلالات واضحة للإخوان، أضف إلى ذلك اعتقالات لا تتوقف في صفوف الإخوان وكان آخرها حملة في معظم المحافظات طالت ٤٠ فردًا من الإخوان، ولا يدري أحد: هل هي متعلقة بأحداث رواية «وليمة لأعشاب البحر» أم باقتراب انتخابات المحامين أم بقرب صدور الأحكام في القضية العسكرية أم مقدمة لحملات متعلقة بالانتخابات البرلمانية؟!
خامسًا: سيف مصلت على إمكان ترشح بعض أبرز رموز الإخوان «ثمانية نواب سابقون في مجلس ۸۷ - ۱۹۹۰» والذين صدرت ضدهم أحكام عسكرية في القضايا في عامي ٩٥، ٩٦ حيث هناك جدل قانوني هل تمنعهم هذه الأحكام من الترشح أم سيتم اعتبارها كأن لم تكن حيث صدرت من قضاء غير مختص من محاكم استثنائية في قضايا سياسية مما يعني لونًا من العزل السياسي غير الدستوري؟!
سادسًا: حالة من الإحباط تسود الشارع السياسي، وشعور بعدم جدوى الممارسة السياسية عند نسبة لا يستهان بها وسط الإخوان، خاصة بعد الأداء المتميز والمتسم بإرادة قوية متحدية في عام ١٩٩٥م، والذي تم بعد القبض على أكثر من ٦٠ رمزًا إخوانيًا، وأثناء محاكمتهم عسكريًا وعقيب صدور الأحكام القاسية ضدهم «صدرت الأحكام في ٢٣/ ١١/ ١٩٩٥م وتمت الانتخابات في ٢٩/ ١١/ ۱۹۹٩٥م» ورغم ذلك لم يفلت من الحصار الحكومي سوى نائب واحد هو الأستاذ على فتح الباب بسبب حسابات انتخابية ضيقة لوزير الأوقاف السابق د. محمد علي محجوب والذي أطيح به في أول تغيير وزاري بعد الانتخابات.
سابعًا: أجواء اجتماعية وفكرية وثقافية متوترة جدًا عقيب أزمة الرواية المسيئة للإسلام وللأديان والتي مازالت مصر تعيش في أجوائها والتي تميزت بتوتر شديد بين المعسكر الإسلامي كله: أزهر ومساجد وإخوان وطلاب وحزب العمل وغيرهم وبين المعسكر العلماني الذي قاده وزير الثقافة ويتمتع بدعم حكومي واضح مما وضع الحكومة في مواجهة الرأي العام المصري كله وينبئ عن الأساليب التي ستتخذها الحكومة لإجراء الانتخابات المقبلة.
في ظل تلك المعطيات ما البدائل المتاحة أمام الإخوان؟
في ظل طرق التفكير السائدة كان هناك بديل أمام الإخوان: مشاركة أو مقاطعة، بينما السياسة في جوهرها تهتم بالمتاح أكثر من الآمال أو المثاليات، مما يعني المزج بين الأمرين للخروج بأكثر من خيار.
البديل الأول: مقاطعة الانتخابات:
وهي مقاطعة إن تمت فسيكون الإخوان منفردين بها عن بقية قوى المعارضة وتختلف هنا عن المقاطعة العامة التي شاركت فيها كل القوى السياسية «باستثناء حزب التجمع اليساري» عام ۱۹۹۰م، ومازالت المعارضة كلها تعاني من آثارها فبعد أن كانت تمثل قرابة الـ ٢٠% من أعضاء مجلس ۸۷- ۱۹۹۰م (۱۰۰) نائب إذا بها تكاد تختفي فلا يمثلها إلا نواب في مجلس ۹۰- ١٩٩٥م ثم ۱۲ نائبًا في المجلس الحالي، ويقدم أنصار هذا البديل مبررات تؤيد وجهة نظرهم، بعضها قديم، وبعضها حديث، حيث يقررون إيمانهم بالمبدأ، ولكنهم يختلفون في التوقيت.
وأهم هذه المبررات:
- عدم جدوى المشاركة حيث النتيجة معروفة سلفًا، وهناك قرار سيادي بالرغبة في عدم رؤية أحد الإخوان تحت قبة البرلمان.
- التفرغ للعمل التربوي والدعوي، حيث تستنزف العملية الانتخابية طاقات بشرية ومالية كبيرة، وتجر على الإخوان حزازات وصراعات.
- تجنب الصدام مع الحكومة، وإعفاء الإخوان من إجراءات بوليسية قمعية لا شك فيها ستصيب المئات من الإخوان وأنصارهم، اعتقالات وتحقيقات ومحاكمة عسكرية تتلوها أحكام بالسجن.
- وقد رد الإمام الشهيد على بعض هذه المبررات من قديم فأجاب عن تساؤل أحد المشفقين المحبين في اجتماع رؤساء المناطق ومراكز الجهاد عام ١٣٦٤هـ ١٩٤٥م، حيث قال: «قال لي أحد أصدقاء الإخوان الذين لا يهتمون في رأي أو نصيحة:
أليس الأروح للإخوان والأجدى على الوطن أن تشتغل هيئة الإخوان بالأغراض الأدبية والاجتماعية والاقتصادية من برنامجها -وهي من الإسلام أيضًا- وتدع الناحية القومية أو الوطنية أو السياسية بعبارة أخرى لسواها من الهيئات حتى لا يتعرض للعواصف القاسية هذا البناء العالي الذي أصبح للغيورين أملًا وفي تاريخ هذه النهضة عملًا؟».
فماذا كان رد الإمام الشهيد على هذا التساؤل المشفق الحذر؟
يقول الإمام الشهيد: «والله يا أخي إني لأشاركك هذا الرأي، وأجد في أعماق نفسي هذا الشعور قويًا عميقًا، وأكره أشد الكراهية ما يصحب هذا النضال من مظاهر وآثار في النفوس وفي الصلات، وما يجرى إليه من نواحي الشهرة والجاه الكاتب الذي يلهي الناس عن الحقائق والواجبات، وكم كنت أتمنى أن تكون الظروف معي ومعك وأن تدع لنا الحوادث من الوقت ما يتسع لهذا الذي تحب وأحب، وليس هذا عن حب للراحة أو إيثارًا للدعة، ولكن الأمور هي كما ترى الآن».
ثم عدد الإمام معطيات الظروف الحاضرة وقت الخطاب عام ١٩٤٥ وملخصها:
- موقف الدول الكبرى بعد انتصارها على المحور في الحرب العالمية الثانية وتجاهلها لحقوق مصر وتذكرها للعهود.
- ضعف الهيئات السياسية، وفقد الشعب الثقة بقادته فخسر القادة الجنود.
- فورة وثورة وقوة الشعور الوطني وقتذاك.
- تهيؤ الدول العربية للوحدة والاجتماع «مما أسفر بعد ذلك عن قيام جامعة الدول العربية».
ثم قال: «كل ذلك يا أخي وقد قضينا سبعة عشر عامًا في الإعداد والاستعداد وأفهمنا الناس فيها الأمر على حقيقته، من أن السياسة والحرية والعزة من أوامر القرآن، وأن حب الأوطان من الإيمان، ولم يتبق بعد هيئة من الهيئات على وحدتها، وثقة الناس بها وأملهم فيها إلا الإخوان.
كل ذلك يا أخي جعلني أشعر شعورًا قد ارتقى إلى مرتبة الاعتقاد أننا لم يعد لنا الخيار، وأن من واجبنا الآن أن نقود هذه النفوس الحائرة ونرشد هذه المشاعر الثائرة ونخطو هذه الخطوة».
فهل تغيرت الأوضاع عن ذي قبل؟
وما هي إذن حجج أنصار البديل الثاني الذي رجحه قرار الإخوان بالمشاركة؟ وهل سيخوض الإخوان الانتخابات بنفس الروح والعزة والتصميم الذي خاضوا به انتخابات ١٩٩٥م؟ ام سيكون للإخوان- رغم المشاركة الإيجابية- أساليب أخرى أقل استفزازًا للحكومة رغبة في عدم التصعيد معها؟
وهل سيكون لتصريح الرئيس مبارك عن أهمية نزاهة الانتخابات تأثير في الضغوط الحكومية على الإخوان أو مؤشر على تغير في مبدأ منع وصول الإخوان إلى البرلمان؟
وهل ستمثل تصريحات اللواء حبيب العادلي وزير الداخلية حول حق الإخوان المسلمين في الترشيح مع حزب من الأحزاب أو كمستقلين عدولًا عن السياسة القديمة؟ وإذن ما سبب الاعتقالات الأخيرة، هل هي متعلقة بأحداث الأزهر والتوتر الناجم عن نشر رواية وليمة لأعشاب البحر الحيدر حيدر؟
كل هذه أسئلة نحاول الإجابة عنها في حديث آخر إن شاء الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل