; قبل أن تسقط سراييفو | مجلة المجتمع

العنوان قبل أن تسقط سراييفو

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1993

مشاهدات 78

نشر في العدد 1061

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 10-أغسطس-1993

منذ أكثر من خمسة عشر شهرًا، وما من يوم يمر إلا ويحمل إلينا أخبارًا متغيرة ومفجعة لما يحدث للمسلمين في البوسنة والهرسك على أيدي الصرب والكروات وأعوانهم، لكن الشيء الذي لم يتغير منذ بداية هذه المأساة هو الإجماع شبه الدولي على إبادة المسلمين في البوسنة، ومحو الوجود الإسلامي من على خريطة أوروبا.

ورغم إظهار التباين البسيط في الآراء بين الأوروبيين والأمريكيين، إلا أنه تباين مسرحي لا يرقى إلى درجة الخلاف، طالما أن الجميع قد تركوا الصرب طوال الخمسة عشر شهرًا الماضية يفعلون بالمسلمين الأفاعيل في طول البوسنة وعرضها، حتى إن الجرائم التي ارتكبوها ضد المسلمين أصبحت من هولها كل واحدة أفظع من الأخرى، فمن اغتصاب خمسين ألف امرأة مسلمة، إلى تشريد وتهجير مئات الآلاف من المسلمين من قراهم وبيوتهم فيما عرف باسم التطهير العرقي، إلى معسكرات الاعتقال الجماعية الرهيبة التي فاقت عمليات التعذيب فيها ما حدث في محاكم التفتيش في الأندلس قديمًا، أو على أيدي الفاشيين والنازيين والشيوعيين حديثًا، إلى إبادة القرى، ومحو المساجد، وحرق المكتبات الإسلامية، وتدمير قبور المسلمين، ومحو كل ما يدل على الوجود الإسلامي أو الهوية الإسلامية من على وجه الأرض.

كل هذا تناساه دعاة حقوق الإنسان والمساواة من الأوروبيين والأمريكيين، واجتمعوا الآن ليس على عقاب الصرب المجرمين، ولا على تأديب الكروات المتواطئين، ولا على نصرة المسلمين المقهورين، وإنما اجتمعوا جميعًا على ضرورة تقسيم البوسنة وتمزيقها أشلاء، مكافأة للصرب على جرائمهم، وهدية للكروات على تواطؤهم، أما المسلمون فلا بواكي لهم ولا أنصار.

لقد أصبح حديث الزعماء الغربيين كله الآن عن لعبة النهاية في البوسنة والهرسك، ويقولون إن كل ما تبقى لحكومة البوسنة والهرسك المحاصرة في سراييفو هو أن تسلم بالهزيمة للحفاظ على من تبقى حيًّا من شعبها، وأن تضمن ولو وجودًا اسميًّا لها.

أما تصريحات حلف الأطلسي الأخيرة بإمكانية استخدام القوة ضد الصرب، أو تهديدات كلينتون بأن الحلفاء لن يسمحوا بسقوط سراييفو أو موتها جوعًا، فما هي إلا إشارة أخيرة للصرب حتى يجهزوا على من تبقى من المسلمين، لفرض الواقع الذي يرفضونه عليهم.

إن التهديد الأمريكي الغربي للصرب ليس بإيقاف المجازر، أو التطهير العرقي، أو القتل الجماعي للمسلمين، ولكن ليستمر كل ذلك، دون إسقاط لسراييفو، أو منع وصول الفتات لمن ينتظرون الموت بها.

لقد استولى الصرب المجرمون بعد تهديدات كلينتون الأخيرة على جبل «إيمان»، الذي يعد أهم المرتفعات الإستراتيجية التي تطل على سراييفو، وكأنما تهديدات كلينتون ليست سوى إشارة لهم لتصعيد هجومهم على المسلمين، وبذلك يكون المجرمون قد أطبقوا الخناق وأحكموا الحصار على سراييفو، فيما يضغط الزعماء الغربيون كل يوم على رئيس البوسنة بأن يقبل بالتقسيم والأمر الواقع، وإلا سوف يمحى مع جمهوريته وشعبه في أية لحظة، وما خطة التقسيم التي أقرها الغرب الخائن -حسب وصف صحيفة الإندبندنت البريطانية- إلا خطوة للصرب والكروات حتى يقضوا على البوسنة والهرسك ويقتسمانها فيما بينهم، ثم يستدير الصرب بعد ذلك على إقليم كوسوفو المحتل الذي تبلغ نسبة المسلمين فيه تسعين بالمائة، ثم تدور الدائرة بعد ذلك على مسلمي مقدونيا وألبانيا واليونان.

إن الحرب المشتعلة في البلقان لن تتوقف عند حد سقوط البوسنة، أو الاستيلاء على سراييفو، لكن الزعماء الغربيين الخونة يخدرون العالم الإسلامي كل يوم بتصريحاتهم الهزيلة حتى يمنحوا الصرب المجرمين مزيدًا من الوقت لإتمام جريمتهم، فليس هناك أرخص من التصريحات الكاذبة والوعود الخادعة التي يطلقها زعماء الغرب كل يوم من هنا وهناك.

إن الأسلوب الذي يدير به الغرب مفاوضات جنيف هو أسلوب شائن، وطريقة فجة لقهر المسلمين وإجبارهم على القبول بما يفرض عليهم؛ إذ كيف يستطيع الإنسان أن يفاوض على حقه وهو مسلوب منه، وعلى حياته والسلاح مصوب إلى صدره، وعلى أرضه وهي في يد أعدائه.. كل هذا يحدث لمسلمي البوسنة، ثم يتهم ديفيد أوين -وسيط المجموعة الأوروبية- المسلمين بأنهم السبب في عرقلة المفاوضات.

لقد شنت كبريات الصحف البريطانية في الأسبوع الماضي حملة قاسية ضد حكومتها، واتهمتها بالخيانة لشعب البوسنة وحكومته، وبدأت الصحف البريطانية الكبرى، وعلى رأسها الإندبندنت، حملة لجمع التبرعات لمسلمي البوسنة حتى لا تسقط سراييفو، كرفض معلن منها لموقف الحكومة البريطانية المتخاذل، والمتزعم للموقف الأوروبي ضد مسلمي البوسنة.

وإذا كان بعض البريطانيين قد حرقتهم قلوبهم على مسلمي البوسنة، وبدأوا حملة تبرعات لإنقاذ سراييفو قبل السقوط، فإن المسلمين أولى بهم بمثل هذه الحملات.

إننا ندعو المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يبدأوا حملة شاملة لإنقاذ سراييفو قبل السقوط في أيدي الصرب المجرمين، كل حسب مقدرته واستطاعته؛ لأن وعود كلينتون وتهديدات حلف الأطلسي ليست سوى فصول من توزيع الأدوار قبل الفصل الأخير الذي يهدف إلى إسدال الستار على سراييفو.

وإذا كان الغرب لديه أدنى ذرة من المصداقية، فإنه كان يستطيع أن يمنع الصرب من البداية من الهجوم على البوسنة، أو يوقفهم عند حدهم عندما بدأت جرائمهم الأولى، لكنها سياسة القهر، وسياسة الإبادة، ولن يفل الحديد إلا الحديد، ومسلمو البوسنة لا ينقصهم سوى السلاح، الذي عجزت حتى الدول الإسلامية عن توفيره، ولتقم الحكومات والشعوب الإسلامية الآن بصدق التعاون على إنقاذ إخوانهم في العقيدة الذين يتعرضون للحقد الأسود والإبادة الجماعية.

إن إنقاذ سراييفو من السقوط ليس بحاجة إلى قرارات دولية أو مؤتمرات عالمية، لكنه بحاجة فقط إلى قرار إسلامي جريء، وإلى تحدٍّ لهؤلاء الغربيين الخونة، وإلا ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح: 10)، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (يوسف: 21).


اقرأ أيضًا:

مسلمو البوسنة آلام وآمال

الرابط المختصر :