; طوق النجاة | مجلة المجتمع

العنوان طوق النجاة

الكاتب سمية رمضان

تاريخ النشر السبت 20-أبريل-2013

مشاهدات 70

نشر في العدد 2049

نشر في الصفحة 50

السبت 20-أبريل-2013

عندما يسير الإنسان عكس الهدف، فماذا سيجني سوى التعب؟

فلا هو واصل للهدف، ولا هدفه سيلاقيه، وكذلك نحن في بيوتنا مصاحف، في المكتبات وداخل السيارات، بل يكاد المصحف يتواجد في كل مكان، نسمعه مسجلا بجميع الطرق الحديثة والقديمة، وأصبح في متناول أيدينا تقريبًا في أغلب مجتمعاتنا الإسلامية، نتلوه.

* فلاحُنا في جعل القرآن الكريم دستورنا وطوق نجاتنا 

* الناس يقبلون على حفظ القرآن ودروسه لكن حين تحدثهم عن آية تبطل عادات وتقاليد نشؤوا عليها يرفضون تطبيقها

والكثير منا يأخذ الدروس تلو الدروس ليتعلم التجويد ويحفظه ويبذل الوقت والجهد في ذلك، وأحيانًا المال، نتلوه في الصلاة، وقد نطيل ليلنا في قراءة آياته، وكل هذا مطلوب ومرغوب فيه, ولكن لماذا نفعل كل ذلك؟ أليس لأننا نعتبر القرآن دستورنا الذي أنزله علينا خالقنا وأمرنا بتنفيذه إن رغبنا حقًا في الابتعاد عن شراك الدنيا وكمائنها والوصول للهدف الحقيقي من مرضاة الله وسعادة الدارين؟ وحينئٍذ تصبح الحياة الدنيا لنا أروع من المدينة الفاضلة التي نادى بها «أفلاطون».

هذا هو ما كان ينبغي أن يكون، ولكننا نرى أن الدروس تعقد في كل مكان، والمستمعون يقبلون ويسعدون حين يكون الدرس عن آيات تتحدث عن محبة الله مثلًا أو عن روحانيات تأخذهم خارج حدود هذه الأرض، وهذه أمور مطلوبة بالقطع، يتفاعل معها الناس ويبكون وينفعلون، أما أن تحدثهم عن آية تبطل عادات وتقاليد قد نشؤوا عليها هنا تبرق العيون وترفض العقول، فتطبيق الآية قد تعتبره طوائف من الناس عيبًا في مجتمعاتهم، التي من المفروض أنها مجتمعات إسلامية، بمعنى أن شرائعها وأعرافها لا تصطدم على الإطلاق بآيات القرآن، وليتكم تصحبوني في رحلة لعالمنا الحاضر، لندرك خطورة عادة من هذه العادات - التي ما أنزل الله بها من سلطان - على قيمنا وحياتنا وتحقيق أهدافنا.

قصة زوجة تعايشت مع آية قرآنية تصطدم مع تقاليد بالية فأنقذت الأسرة من الانهيار

تفاصيل القصة

هى مدرسة تشغل وظيفة مرموقة تزوجت بعد طول انتظار، وأكرمها الله بعدد من الأطفال، فكانوا كجناحين لها تطير بهما حيث عالم السعادة ثم حدث ما يحدث في أغلب البيوت الطبيعية، شجار عادي مع الزوج فهو من وجهة نظرها قد تقاعس عن بعض المتطلبات المنزلية المهمة، ووعدها كثيرا ولا يوفي بوعده، ففعلت ما درجت عليه كثير من الزوجات في أيامنا هذه، إذ تركت منزل الزوجية وذهبت حيث يقيم أهلها، بل وقالت لزوجها وهي تغلق الباب راحلة بعد الوفاء بوعدك يمكنك إحضاري، ودارت الساعات ومرت الأيام، والزوج كأنما لا يرافقه سوى الشيطان، يضخم له الحدث، ويتهمه بعدم الرجولة، لأنه فشل في كبح جماح زوجته، وفي لحظة تكاتف فيه إنسه مع جانه، اتصل بزوجته قائلا: تعالي للمنزل لأخذ جميع أغراضك الخاصة بك، وحدد لها الوقت فهو سيترك المنزل لحين انتهائها من جمع حاجياتها، وأضاف: فهذا المنزل لن تدخليه بعد اليوم.

منزل مشترك

لم يكن لها ولزوجها منزل مستقل يعيشان فيه، بل جناح يقطنان فيه داخل منزل والده، وهذا أمر شائع في كثير من البلاد خاصة في بدايات الحياة الزوجية بالطبع دارت الدنيا في أعينها، إذ كيف ستقطن هى وأولادها مع أهلها ولا يوجد لها مكان على الإطلاق، وبدون ترتيب اتصلت على والدته لتشكو لها، وكانت المفاجأة أن الوالدة أخذت تكيل لها الاتهام بعد الآخر قائلة : إن ولدها ما فعل ذلك إلا بعد أن تعب ويئس منها ، لم تصدق أذنيها، وعلا صوتها بالبكاء والنحيب أهكذا بسهولة يبيعونني بعد تلك السنوات.

وجاءها أهلها وعلموا بما حدث، وهنا ثار الأب، ألم يأت هو لخطبتها من منزل أهلها، فكيف لا يرجع لوالدها في أمر خطير كهذا الأمر، وتكهرب الجو وكالعادة أصبح كل فرد من أفراد منزل أهلها له رأي، واعتبر الجميع أن ما حدث مهانة لا يغفرها إلا طلاقها منه وبدا كأن الطلاق لا مناص منه فهو واقع.

دستور الحل

كانت السيدة على علاقة وطيدة بإحدى الداعيات، فلم تضيع وقتًا واتصلت بها، وبعد ذلك أن توقفت عن البكاء وهدأت بدأت روايتها وأنهتها وهي تصور مدى الظلم الذي وقع عليها والمصيبة التي وقعت على أولادها، فقالت لها الداعية نحمد الله أنه برحمته قد وضع لنا دستورًا لحل مثل هذه المشكلات، فلنعرض كل خطوة لكما على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، لنرى بحق مَنْ الظالم ومَنْ المظلوم، توقفت أنفاس السائلة تريد سماع كل حرف بشكل واضح، وأضافت الداعية: لماذا غادرت بيتك وأنت في حالة غضب مع زوجك إلى بيت أهلك؟ ألا تعلمين أنه في المرحلة الأصعب من وهي الطلاق الفعلي الرجعي لا ينبغي للزوجة أن تخرج من بيتها وهذا هو أمر الله سبحانه؟ وفي هذا الصدد قال الشيخ ابن عثيمين يرحمه الله تعالى: «يجب على المرأة المطلقة طلاقًا رجعيًا أن تبقى في بيت زوجها، ويحرم على زوجها أن يخرجها منه لقوله تعالى: ﴿ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ ﴾ (الطلاق: ١)، وما كان الناس عليه الآن من كون المرأة إذا طلقت طلاقًا رجعيًا تنصرف إلى بيت أهلها فورًا، هذا خطأ ومحرم، لأن الله قال: «لا تخرجوهن - ولا يخرجن، ولم يستثن من ذلك، إلا إذا أتين بفاحشة مبينة، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ  (الطلاق: ١)، ثم بيّن الحكمة من وجوب بقائها في ببيت زوجها بقوله:﴿لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا ﴾ (الطلاق: 1).

مخالفات شرعية

فالواجب على المسلمين مراعاة حدود الله والتمسك بما أمرهم الله به، وألا يتخذوا من العادات سبيلا لمخالفة الأمور المشروعة.

فالآية قد أوضحت أن البيت الذي تسكنه مع زوجها هو بيتها وليس لها الخروج منه، ولنا في رسول الله الله القدوة، فقد اعتزل بيوت نسائه شهرا ولم تخرج واحدة منهن من بيتها، وعندما حدث بين علي بن أبي طالب وزوجته فاطمة رضي الله عنهما ما يحدث بين الأزواج خرج هو ونام بالمسجد، ولم تخرج رضى الله عنها وأرضاها، وهذا في أحوال ما قبل الشقاق، وهذه هي حالتك، فانظري كيف تدخل الإسلام في إيجاد مخرج لك: ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرٗا  ﴾ (النساء: 35), فهنا «إن خفتم»، فالشقاق لم يقع بعد ولكن يخشى وقوعه عندها يتدخل حكمان من أهله وأهلها يجتمعان وهدفهما الإصلاح أما الزوجان فهما مازالا زوجين يجمعهما بيت الزوجية، ويذهب الحكمان بإرادة الإصلاح إليهما حيث هما مقيمان مع استشعار وعد الله سبحانه «إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما»، هذا هو التوجيه القرآني لمعالجة هذا الأمر، فلا يكون برغبة الزوج في لحظة شيطانية أو عن طريق الهاتف «التليفون» كما يحدث أحيانا في هذه الأيام.

حكاية فاطمة بنت عُتْبَة

في هذا الصدد أيضا ما جاء في تفسير القرطبي عن النسائي، وكذلك في تفسير الطبري الذي روى أن ابن أبي مليكة قد حدث أَنَّ عَقِيل بن أَبِي طَالِب تَزَوَّجَ فَاطِمَة ابْنَةِ عُتْبَة، فَكَانَ بَيْنِهِمَا كَلامَ، فَجَاءَتْ عُثْمَانٍ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَأَرْسَلَ اِبْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة فَقَالَ إِبْن عَبَّاس: لَأَفَرِّقَنَّ بَيْنِهِمَا! وَقَالَ مُعَاوِيَة : مَا كُنْت لِأُفَرِّقَ بَيْن شَيْخَيْنِ مِنْ بَنِي عَبْد مَنَافَ فَأَتَيَاهُمَا وَقَدْ أَصْطَلَحًا، وفي رواية النسائي فأتياهما فوجداهما قد سدا عليهما أبوابهما وأصلحا أمرهما، ومحل الاستدلال هنا أن الحكمين ذهبا إلى بيتهما بيت الزوجية.

فلماذا خرجت أنت وغضبت إلى بيت أهلك وتركت ما سماه الله بيتك، فالمرأة لا تخرج لبيت أهلها إن خافت شقاق بينها وبين زوجها، بل تتريث في بيتها، وتحاول الإصلاح ما استطاعت، ثم التدرج إلى المرحلة التالية لرأب الصدع قبل حدوثه، وهي مرحلة الحكمين وأنتما ما فعلتما هذا ولا ذاك، قالت بنبرة منكسرة : وما الحل في وقتنا هذا قالت لها الداعية بلا تردد : ترجعين إلى بيتك، قالت مستحيل فهذا بيت أهله، وكيف سيكون موقفي بينهم؟ كيف سيبررون رجوعي بعد ما قال ما قال؟ وكيف أتسبب في إهدار کرامتي بهذه الكيفية؟

كيفية التنفيذ

قالت الداعية: سبحان الله، ألم تقدري من البداية أن شيئًا مثل هذا يمكن أن يحدث، ثم ما كانت هي مشكلة إبليس؟ لقد كان يعلم مثلنا أن الله ،واحد وأن ملك السماوات والأرض بيديه يعلم ذلك تماما، ولكن عندما قرر الملك في ملكه أن يجعل في الأرض خليفة هنا كان الاعتراض، وهذا ما نلاحظه في أيامنا تلك، نؤمن أن الله واحد ومهيمن وندرس أسماء الله الحسني، ونهيم فيها ونصلي لخالقنا ونصوم وأحيانا نتصدق، ونعلن كم هو حبنا للإله ثم عندما يشرع لنا ما يتعارض مع ما اعتدنا عليه، أو ما يخالف هوانا، هنا يبدأ الاندهاش من كيفية التنفيذ، كيف نعترف للإله بالربوبية والإلوهية، ولا نجعل كلمته هي المسموعة والواجبة التطبيق والتنفيذ؟! عمومًا لتخبري والدك وأحسبه صالحًا، فليطلب زوجك ويسمع منه، وإن لم يصل معه إلى حل فليطلب حكمًا آخر من أهله، وليجلسا سويًا لإنقاذ هذه الأسرة وهذا البيت مما يراد به.

غبار العادات

بالفعل جاء الزوج، وقال لوالدها : ابنتك وابنتك وابنتك، وأريد طلاقها، فأردف والدها وهو ينفض عنه غبار العادات والتقاليد والعيب ويتدثر بثياب القرآن، ويضع زينة الإيمان على جبينه في هذه الحالة لابد من اصطحابك لزوجتك، حيث قال تعالى: ﴿ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ (الطلاق: 1), وفتح دستور الله الذي على أساسه كان زواجه من ابنته على أول آية في سورة الطلاق، وهنا بهت الشاب وهو يردد: ولكننا لا نفعل ذلك، فالفتاة المطلقة يأويها بيت أهلها وليس بيت زوجها، فكيف تكون عندي بعد طلاقها ؟ قال والدها بكرامة المسلم وعزة المؤمن: كنت مثلك من ساعة واحدة حتى أنار الله وجداني وأردت أن أختم عمري بتطبيق هذه الآية بعد ترديد وحفظ ودراسة ولا تتصور أن الأمر عليَّ بالهين، ولكنها أوامر من أطعناه في زواجكما.

يُذكرني حاميم والرمح شاجر ***  فهلا تلا حاميم قبل التقدم؟

مهلة للتفكير

هنا أسقط الأمر في يد الزوج، فقد كان ينوي طلاقها، وتأخذ حاجياتها من مسكنه في بيت أهله ليتزوج سريعًا، وكأن شيئا لم يحدث، ولكنه الآن ماذا سيقول لأهله، ثم ماذا سيكون رد فعل والدته وهي تراها بعد طلاقها تدخل بيتها وتسكن فيه، طلب من والدها مهلة بضعة أيام ليفكر ويرد عليه فانكب الوالد على كتب العلماء ليثبت ولا يتراجع عن التطبيق الصعب على نفسه هذا التطبيق الثائر على ما اعتاده طوال عمره.

روت الأخت للداعية ما حدث فطلبت منها الرجوع لبيتها، وبالفعل طلبت من زوجها الرجوع لحين رده على أبيها، فهو في كل الأحوال بيتها، وكانت متضررة جدا في أعماقها، كيف ستدخل عليهم مرة أخرى؟ وماذا سيكون رد فعلهم؟ وتقصد بذلك أهله، فطلبت منها الداعية الإكثار من ذكر الله وترديد قوله سبحانه عند دخولها: «إياك نستعين»، وبالفعل أخذت الأخت أولادها وذهبت لبيتها، وسبحان من قال: ﴿لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا ﴾ (الطلاق: 1).

تعايش مع آية

فقد خرجت هي وزوجها وتناقشا فيما آلت إليه أحوالهما، واعتذرت عن مخالفتها الشرعية في خروجها من بيتها هذه الفترة، وأنها قد تعلمت درسًا، وقامت بتطبيق حقيقي تعايشت فيه مع آية من القرآن الكريم، لو حضرت من أجله ألف درس دعوي ما كانت فهمت الآيات كما تفهمها الآن.

أراد زوجها أن تمهله بعض الوقت للتفكير، ولكن الواقع فرض نفسه في المشهد كله، فقد رأى أولاده حوله، ورأى زوجة تريد أن تتغير وفي الوقت نفسه هو لا يستطيع في الوقت الحالي الزواج بأخرى طالما زوجته موجودة، وحدث الوئام ونشرت المودة والرحمة جناحيهما عليهما.

في آخر مكالمة لها مع الداعية، تكلمت على عجالة وهي تقول: عذرًا فزوجي ينتظرني فقد دعاني لتناول العشاء بالخارج، فقالت لها الداعية والأولاد ؟ قالت سنتركهم مع جدتهم وسنخرج بمفردنا، وكان صوتها يزدان بالبهجة والفرحة، أغلقت الداعية الهاتف وهي تردد أفلح من نفذ آياتك يا رحمن يا رحيم، وأفلح من أطاعك.

(*) أكاديمية متخصصة في القضايا الدعوية والتربوية

الرابط المختصر :