العنوان كلمات لها صدى: المقالة الحادية عشرة- متى يبلغ البنيان(*)[1]
الكاتب محمد البشير الإبراهيمي
تاريخ النشر السبت 19-أبريل-2008
مشاهدات 49
نشر في العدد 1798
نشر في الصفحة 40
السبت 19-أبريل-2008
- لا معنى لفلسطين عند اليهود بدون القدس ولا معنى للقدس بدون الهيكل المطمور تحت الأقصى، فلنعكس لهم القضية، فلا فائدة لنا في الأقصى بدون القدس ولا فائدة لنا من القدس بدون فلسطين.
كان العقلاء منّا يظنون أن المؤتمر الإسلامي الأخير الذي انعقد بالقدس في 3 ديسمبر ١٩٥٣م لبحث قضية فلسطين نجاد الساعين بالرأي والنفوذ والمال لتحريرها ولإيقاظ الشعور الإسلامي والعربي فيها من جديد، كانوا يظنون أنه سيكون أقوى المؤتمرات الإسلامية التي سبقته في هذه القضية وغيرها لا لأنه ملتقى قضية لها في قلب كل مسلم جرح، ولها في قلب كل مسلم غمة، ولها في ضمير كل عربي وخزة، ولها في وجهه وسمة عار، ولها في عرضه وصمة نبز، لا لذلك، فإننا معشر العرب بمواقفنا في قضية فلسطين وسكوتنا على حكوماتنا المتخاذلة في قضيتها وممالأة بعضنا لليهود إلى الآن بالتهريب والتجسس، بذلك كله أقمنا الدليل الذي لا يكذب على أننا لم نرث من قبيلة امرئ القيس التي هي إحدى أصولنا إلا الخلق الذي مدحها به الشاعر إذ قال:
فأمثلُ أخلاق امرئ القيس أنها *** صلاب على طول الهوان جلودها
كلا، ما كان هذا هو الذي يطمع العقلاء في أن يكون لهذا المؤتمر شأن وقيمة غير شأن وقيمة المؤتمرات القديمة، ولكن الذي يطمعهم في ذلك خصال أخرى منها أنه جاء بعد تجلي جميع الحقائق، وبعد تصفية الحساب الذي ظهرت فيه خسارة العرب والمسلمين، وبعد أن صدق المفتري وافتضح المجتري، وبعد أن أيقن كل شاك أن «دويلة» كانت لا تعد في الأرض غلبت «ست دول» وأن زهاء مليون عربي نبتوا في فلسطين كتينها وزيتونها اقتلعتهم شراذم اليهود بأيسر محاولة، فأخرجتهم من ديارهم وذادتهم كالأغنام الضالة عن المدن والأرياف إلى حواشي الصحراء، وأستغفر الله ألف مرة في قولي: «أخرجهم اليهود»، فإن حكوماتنا هي التي أخرجتهم وظاهرت اليهود على إخراجهم: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ (الدخان: ٢٥- ٢٧).
كنّا نظن هذا مع العقلاء أيام الدعوات إلى المؤتمر وأيام التحضيرات ويوم تراءت الوجوه في المسجد الأقصى، فإذا هي أحق بقول المتنبي ممن قال فيهم:
فما تُفهم الحداث إلا التراجم:
ولكنهم كانوا على قلب رجل واحد إيمانًا ويقينًا، وصدق قصد، وقوة عزيمة.
وهنا بدأت المخايل تكذب ذلك الظن ووا أسفاه! فما كاد المؤتمر ينظم اجتماعاته ويقسم الأعمال على شعبه حتى بدأت الدسائس تدس لإحباطه، وكان الدساسون منا بالطبع لا من اليهود ولا من النصارى وكانوا من أهل فلسطين ومن مرعيهم لا من الهمل، ومن وجوههم -شاهت الوجوه- التي جفت من الحياء، وأقبح القبح أن يرتكب المأثم أصحاب المأتم وأحس المؤتمرون بالدسائس فوقف المسؤولون فيه منها موقف الحزم، والقموا كل أفاك حجرًا، وكان أصحاب هذه الوجوه ممن يحضرون بعض جلسات المؤتمر في بعض لجانه، فلاحظ المراقبون عنهم أنه كلما جَدَّ جِدّ المؤتمر رموا في نفسه قذاة وشغلوه بالنافلة عن الفرض، فذكروا مسجد الصخرة وهوّلوا من تداعيه للسقوط ما هولوا حتى كأن القدس -وهي في لهوات الضيغم العادي- لا تستحق في نظرهم من العناية بإنقاذها عُشر ما يستحقه هذا المسجد من العناية بترميمه وتزويقه، وهم يرون بأعينهم أن القنبلة اليهودية التي رمت المسجد ما زالت آلتها مسددة، وأنها كانت واحدة فأصبحت معددة، وكانت قديمة فأصبحت مجددة ويرون بأعينهم استعدادات اليهود لا تزال قاصمة الظهر بنا، ويعتقدون بأنهم فاعلون وكان خطباء المؤتمر يتألفون الشارد ويقولون لهؤلاء الوجوه يا إخواننا نحن أعوانكم فكونوا أعواننا، نحن مجتمعون لإقامة فرض فلا تشغلونا عنه بنافلة، ونحن نريد للإسلام العالية فلا تنزلوا به إلى السافلة، نحن معكم في احترام المسجد ولزوم ترميمه، وإن سقوطه إضاعة مضاعفة للمال وخسارة خاسرة للفن، ولكننا في حالة توجب علينا أن نستعمل النظر البعيد، وإن السقوط أخف وقعًا على نفس الحر من عار الإسقاط؛ لأن اليهود مصممون على احتلال القدس وهدم الأقصى لإعادة هيكل سليمان وعلى هدم مسجد الصخرة ونسف الصخرة، أفتمارون في هذا؟!
إن اليهود بنوا أمرهم على كلمة وهم واصلون إلى تطبيقها ما دمنا على هذه الحالة، فلنبن نحن أمرنا على عكسها، إن كنا رجالًا، ونعمل على تحقيقها متساندين.
هم يقولون: لا معنى لفلسطين بدون القدس ولا معنى للقدس بدون الهيكل المطمور تحت الأقصى، فلنعكس نحن لهم القضية ما دامت الأقدار قد أوقفتنا منهم هذا الموقف، ولنقلها صريحة مجلجلة يفسرها العمل؛ لا فائدة لنا في الصخرة والأقصى بدون القدس، ولا فائدة لنا من القدس بدون فلسطين، فالثلاثة واحد وليس الواحد ثلاثة، فإذا قبلنا هذا وقرناه بالتصميم وعرف اليهود تصميمنا أقلعوا عن غيهم وقالوا ما قال أسلافهم: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ (المائدة: 22)، أما إذا علموا عنّا هذه الأنظار القصيرة -وقد علموا وسيعلمون- فإنهم لا يزيدون منّا إلا احتقارًا ولا يزدادون بنا إلا تمرسًا، وأي عقل يستسيغ التفكير في الترميم والإصلاح لمسجد معرّض لخطر النسف في كل حين وبينه وبين العدو رمية سهم مسترخي الوتر، وأذكر حق الذكر أن المجاملة لإخواننا أصحاب هذه الوجوه زادت فوق هذا الحد، فوعدهم المسؤولون عن المؤتمر، وكنت أحد المصرحين بهذا الوعد، بأنه سيكون المسجد الصخرة حظ مما يجمعه المؤتمر من المال لإجراء التصميم الضروري الذي يحفظه إلى حين، وتفرق المؤتمرون على هذا بعد أن قلدوا طائفة منهم أعمالا أثقلها جمع المال لفلسطين.
هذه الكلمة التي أصبحت تقابل بالوجوم والإطراق لكثرة ما لابسها من الشكوك وأحاط بها من التهم، ما كاد المكتب الدائم الذي انتخبه المؤتمر يباشر أعماله واللجنة المالية تنظم وفودها للطواف على العالم الإسلامي حتى أعلنت الجرائد تشكيل لجنة من أصحابنا أنفسهم أعينهم لجمع الأموال لترميم مسجد الصخرة، وكان ظهور هذه اللجنة في الميدان مقرونًا بالحزم والإصرار والعجلة وتأييد الحكومة الأردنية برصد المال اللازم لتطوافها وبالتوصيات الرسمية.
وكشفت الحقيقة المخبوءة عن نفسها وهي أننا قوم لا نصلح لصالحة، وأننا هازلون على جد الحوادث، لا نأتي في أعمالنا وتصرفاتنا إلا ما يقر أعين أعدائنا ويجرئهم علينا ويقلل معانينا في صدورهم، فبينما فريق منفعل مثلًا يبكي على فلسطين ويحترق حسرة عليها ويقول: أضاع الله من أضاعها، ويوقف أوقاته وجهوده على تحريرها وينعش ولو بالقول آمال البائسين منها، إذا فريق منا يتباكون على مسجد متداع إن لم ينقض اليوم نسف غدًا بالمدافع المنصوبة والقنابل المصبوبة، ثم يهتمون به إلى حد أن يجمعوا أموال المسلمين ليرمموه ويزخرفوه حتى إذا نسف نسفت معه تلك الأموال التي أبت أن تنفق في الدفاع عن فلسطين والقدس وفي طيه الدفاع عن مسجد الصخرة، فتذهب هي ومسجد الصخرة هباءً منثورًا نتيجة الطيش وقصر النظر.
وكنا يوم إعلان الخبر عن هذه اللجنة وعملها في القدس في اجتماع رسمي لمكتب المؤتمر، فهالنا الأمر وقصدنا رئيس هذا الوفد في داره في جماعة من أعضاء مكتب المؤتمر، وقلنا له كلمة الحق في وفد الضرار هذا وفي نتائجه وآثاره في عقول الأعداء والأصدقاء، قلنا له: إن العالم حكم علينا بالسفه والخطل في نكبة فلسطين، وأقام على حكمة البينات والشواهد، فما بالنا نقيم له كل يوم دليلًا جديدًا على عدالة هذا الحكم علينا؟! من يقيم للعالم المتفرج علينا حجة على أن ترميم مسجد الصخرة في هذا الوقت وعلى هذا الحال مصلحة راجحة، ومن يقنعه بأن هذا العمل مقدم على الدفاع عن فلسطين، ومن يقنعه بأن ترميم مسجد أجدى على فلسطين ومدينة القدس من شراء دبابات ومدافع؟ وقلنا له: إن الناس رجلان: رجل يائس من فلسطين والقدس، فهذا لا يجيز له يأسه أن ينفق فلسًا واحدًا على شيء ميؤوس منه، ورجل راج لتحرير القدس وفلسطين من ورائها فهذا لا يبيح له رجاؤه أن يبدأ بما بعد الأخير، وأن يبدأ بزخرفة الدار قبل تحرير الدار، بل يبدأ بالاستعداد ثم بالإعداد لطرد العدو الغاصب، وللترميم وقت معروف عند جميع الناس وهو انتهاء المعركة واندمال جراحها، وكلا الرجلين لا يفكر فيما فكرتم فيه، ولم يشغل فكره فيما شغلتم أفكاركم به، ولم يضع برنامج الإصلاح والترميم والزخرفة في مكان برنامج الاستعداد والدفاع عما يريد أن يصلحه.
فأي الرجلين أنتم؟ أم أنتم قسم ثالث مما لا يعرفه العقلاء؟ أم أنتم قسم رابع ممن يعرفون بسيماهم وأعمالهم؟ وهم سخنة أعين العرب والمسلمين وقرة أعين اليهود والمستعمرين يعاونهم بأعمالهم الطائشة أكثر مما تعاونهم إنجلترا بالرأي وأمريكا بالمال؟! وأي عون أعون لليهود على احتلال القدس والنكاية في المسلمين بهدم مقدساتهم ممن يزهد المسلمين في الدفاع، وينزل في نفوسهم الأمن والطمأنينة على القدس ومقدساتهم، فلا يشك عاقل أن هذا الوفد الصخري سيطوف بالمسلمين طالبًا المال لترميم المسجد الفلاني بالقدس، وسيخطب ويتحدث عن ذلك فيكون من آثار الخطب والأحاديث في نفوس المسلمين أن القدس لا خوف عليها ما دامت همة العلماء حملة العمائم منصرفة إلى ترميم المسجد، وفي ضمن الترميم إعادته إلى سابق جماله من زخرفة الفسيفساء والأصباغ، وهذه مظاهر عرس لا مظاهر مأتم، هذا هو الذي يقع في أذهان الناس حين تهدر شقائق الخطباء بالترهيب من سقوط المسجد والترغيب في إقامته وبماذا؟ بالمال؟ وأين المال؟ هاتوا، وكم؟ ها هي الخرائط تنطق والأرقام تصدق أنها بعض مئات من آلاف الجنيهات.
أيها السادة الوافدون، أيها المسلمون السامعون: إن النغمة العبقرية المقدسة التي يجب أن تتفجر بها كل حنجرة وتهدر بها كل شقشقة ويتحرك بها كل لسان هي أن فلسطين ضاعت بالبخل والتخاذل والمطامع السخيفة، في المغانم السخيفة، وأن السرائر بليت والدفائن نبشت وصحائف المجرمين نشرت فلم تبق منها خافية، وسينصب ميزان حسابهم في الدنيا قبل الآخرة، ومن أنقذه الموت من حساب الدنيا فحساب الآخرة أشق، وعذاب الآخرة أشد، وأن استرجاع فلسطين ممكن وميسور بالبذل والاتحاد والتعفف عن المطامع، فإذا ظاهر الرأي الرأي في المعقول وشاركت اليد اليد في البذل وظهر المجتمع العربي والمجتمع الإسلامي من المخذلين والمعذلين ومن الذين يتناولون الأمور الكبيرة بالعقول الصغيرة والأنظار القصيرة ويعارضون تشييد الحصون بتزويق المساجد، إذا وقع هذا فأبشروا باسترجاع فلسطين ومحو العار، وإلا فإن فلسطين ضاعت ضياع الأبد بقدسها وأقصاها وصخرتها، وكأنكم بأرض العرب كلها قد ضاعت وبهؤلاء القادة وقد أصبحوا عبيدًا لليهود وبهؤلاء الطاعمين الكاسين النائمين وقد أيقظتهم الأحداث على الدواهي الدهياء، وكأنكم بأصحابنا الصخريين قد أصبحوا لاجئين لا في عين السلطان، بل في عين الشيطان.
من ذا الذي لا يعتقد أن إثارة فكرة وقد الصخرة في هذا الوقت بالذات هي معاكسة للمؤتمر وضرار له وتعطيل لسيره وإبطال لنتائجه، ولو كانت طفيفة، ومجموعها الدفاع العملي عن فلسطين؟ ومن ذا الذي لا يعتقد أن هذا في صالح اليهود لا في صالح المسلمين؟ وأنه زيادة في يقينهم بأننا قوم نلهو ونلعب، ومن الذي لا يستخرج من اشتمال وفد الصخرة على العمائم الكبيرة أن علماء الدين هم الذين تولوا كبر هذه الزلة، ومهما تكن لحكومة الأردن من يد بالنيابة في تنشيطه وتمويله فإن ذلك لا يدفع الغضاضة عن علماء الدين والسخرية بهم من الناس أجمعين.
وهل يعتقد أعضاء الوفد الصخري أن المسلمين بلغوا في البذل والتضحية أن يبذلوا لوفد المؤتمر ولوفد الصخرة؟ كلا، إن المسلمين ليعجبون -ولهم الحق- بوفدين في وقت معًا، هذا يجمع لتحرير فلسطين، وهذا يجمع لترميم مسجد في القدس، ويقولون: هل اتحد الوفدان وسيرًا لغرض واحد أو في الحساب أول وأخير؟ وفي الأشياء ضروري وكمالي، وفي المقاصد مهم وأهم وفي القضايا جزئيات وكليات؟! أفلم يكن في المؤتمرين وإخوانهم الصخريين من يفرق بين قضيتين ويعطي لكل واحدة مكانها ومكانتها وظرفها واعتبارها؟ هذا ما يتصوره المسلمون ما داموا على التكريب العقلي الإنساني ثم يختمونه بحكم القرائن القريبة والبعيدة بأن وراء الأكمة شيئًا أو أشياء ووراء هذه النفوس نوازع تختلج وأهواء تعتلج، ومتى تطرق الشك في البعض سرى إلى الكل؟ نعم وهذا منطق سليم.
أليست هذه الأعمال التي تزيد النفوس المضطربة بالشكوك اضطرابًا، أليست هذه جريمة؟!
أيها الإخوان الصخريون:
إنكم ومن أعانكم على مشروع الصخرة بالمال أو نشطكم عليه بالرأي لم تزيدوا على أن أحييتم في الإسلام سنة من سنن المصريين القدماء في قصة عروس النيل، كانوا يزينون فتاة للموت وأنتم تزينون مسجدًا للهدم!
[1] (*) مجلة «الأخوة الإسلامية» العدد الحادي عشر، السنة الثانية، بغداد ۱۷ شوال ۱۳۷۳ هـ الموافق لـ ١٨ يونيو ١٩٥٤م
أشار الإمام الإبراهيمي الجزء الرابع، ص ٢٩٦، دار الغرب الإسلامي ١٩٩٧م، الطبعة الأولى