العنوان موقف الأمم المتحدة المتخاذل من قضيتنا
الكاتب علي عزت بيجو فيتش
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1993
مشاهدات 60
نشر في العدد 1071
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 19-أكتوبر-1993
مأساة البوسنة وإرث المرحلة الشيوعية
السيد الرئيس..(*)
إن المجتمع الدولي ليس لديه سياسة محددة أو خطة واضحة
للعمل السياسي الذي ييسر انتقال الهياكل الشيوعية التي ظلت في السلطة 50 عامًا إلى
مفاهيم مبنية على الحرية والديمقراطية.
إننا نعتقد بأنه من غير الممكن أن نجد حلاً للصراعات العالمية أو
المحلية، ما لم يتخذ موقف واضح تجاه القضية الشاملة لإرث ما بعد المرحلة الشيوعية،
لقد اتضحت الجوانب السلبية لهذه المشكلة تمامًا في قضية بلادي، فمن الواضح أننا
نعاني من عدوان تمارسه علينا بقايا قوات النظام الشيوعي، ومن الواضح أيضًا أن
اقتلاع فرص التطور الديمقراطي تحدث أمام أنظار أوروبا وأمريكا والعالم أجمع.
إن هذا العمل يتم تنفيذه بالقوة ابتداءً من الاعتداء، والقتل الجماعي
للمدنيين وتدمير كل آثار الحضارة والثقافة، واجتثاث شعوب كاملة من خلال ممارسات
بربرية تحرق وتدمر، ويتزامن مع هذا العنف الذي لم يسبق له مثيل في التاريخ ما يجرى
الآن من تقطيع أوصال وطننا.. إن هذا العمل يقوم به المجتمع الدولي الذي يجرى على
وطننا لصورة دولة ما بعد المرحلة الشيوعية، ولسوء الحظ فإن التجربة تجري في اللحم
الحي على جسد شعبنا وحكومتنا، لمجرد تطبيق افتراضات نظرية متعددة يتعرض بسببها
وطننا ودولتنا للفناء.
فشل المبادرات الدولية وخطة التقسيم
إن أول تجربة طبقت في هذا الصدد كانت من قبل مؤتمر لندن، ورغم ذلك فإن
هذه الفكرة التي سعى أصحابها إلى وقف هذا العدوان رفضت بدون أدنى محاولة لتطبيقها،
وكل ما أسفرت عنه هو تصعيد الحرب في وطننا، وجاءت بعد هذا محاولة لإيجاد حل للأزمة
التي أصبحت أكثر تعقيدًا عن طريق إصلاح سياسي وقانوني ودستوري، عرف هذا المشروع
بخطة «فانس- أوين» والتي لم يحاول أحد تنفيذها.
ورفضت الخطة لتحل محلها خطة جديدة مبنية على افتراض زائف، وهو أن ما
يجري في البوسنة والهرسك حرب أهلية بين ثلاثة شعوب، ولذا فإن تقسيم الأراضي هو
الحل الوحيد، ورغم ذلك فإن هذه الخطة لا تنفذ احترامًا للفكرة التي تقسم الأرض على
أساس الأغلبية العرقية، ولا احترامًا للهدف الأساسي لإحلال السلام، ولهذا فإن تطور
الأحداث وانفلاتها سوف يستمر ولن يسبب هذا سوى المزيد من المآسي لشعبنا.
الاختيار الصعب: حرب عادلة أو سلام جائر
السيد الرئيس... والآن فإن شعب البوسنة والهرسك مطلوب منه أن يختار
بين أمرين: إما حرب دفاعية عادلة أو سلام جائر، وفي حالة استمرار الحرب فإنها
ستزيد من معاناة شعبنا والمزيد من دمار أمتنا، كما ستعني موت الآلاف المؤلفة من
أبناء وطننا.. إن خطة السلام الجائر هذه خطة بها خلل؛ لأنها بنيت على فكرة مرفوضة
وساقطة تاريخيًا، وهي الفكرة التي بنيت على أساس التقسيم العرقي والتمييز العنصري.
ويضاف إلى خلل الخطة سوء عدالة التقسيم؛ لأنه يرضى رغبة المعتدي
الجاني بنصيب أكبر على حساب الضحية. وعلى كل حال فإن الأخطاء الموجودة في الخطة
المسماة بخطة السلام المفروضة علينا ليست أخطاء فلسفية.
فأولًا: لأن أي خطة تضفي الشرعية على جرائم الإبادة وتشجع التقسيم
العرقي ستزرع حتمًا بذور عدوان وتشعل نيران الانتقام. ثانيًا: أي سلام لا ينصب على
الأسباب الحقيقية للحرب لن يقدم- على أحسن أحواله- سوى إسعاف مؤقت فضلًا عن علاج
أساسي.
وأخيرًا: فإن أي خطة سلام لا تنهض بأعباء دولة بوسنية قابلة للحياة
والنمو، ولا تفي حتى بالمطالب الأساسية الدنيا للمجني عليهم، ولا توفر الإجراءات
الضرورية للتطبيق والاستمرار فإنها خطة سلام غير واقعية.
تعديلات برلمان البوسنة لتحقيق السلام
إن قبول برلمان البوسنة المشروط لمقترحات السلام تعتمد على نفس
التعديلات القليلة جدًا والتي نتمسك بها بشكل ثابت كأمر ضروري لتحقيق سلام دائم.
هذه التعديلات تجيء كالتالي:
1- إن جمهورية البوسنة داخل الاتحاد المقترح لجمهوريات البوسنة
والهرسك لا بد أن تتميز جغرافيا واقتصاديًا وسياسيًا ودفاعيًا.
2- على القوات المعتدية أن
تتخلى عن الأراضي التي ذبحت وطردت السكان المدنيين منها حتى يتمكن البوسنيون من
العودة إلى ديارهم، فهناك أكثر من نصف مليون لاجئ من المستحيل أن يعودوا إلى قراهم
ومدنهم التي طردوا منها إذا ما استمرت القوات الصربية التي ارتكبت أعمال القتل
والاغتصاب والتعذيب في السيطرة على تلك الأراضي، وهناك خيار مطروح بأن تخضع تلك
الأراضي مؤقتًا لإدارة قوات حفظ السلام الدولية.
3- لا بد أن يشمل الاتفاق
النهائي ضمانات شاملة ومحددة تتعلق بتطبيقه من قبل الدول والمنظمات الإقليمية التي
سوف تضطلع في الواقع بتنفيذ السلام. إن مثل هذه الضمانات لا بد أن تكون جزءًا
متكاملًا مع اتفاقيات السلام لا يجوز تأجيلها إلى وقت آخر وإلا فإننا نخاطر بتبني
اتفاق آخر سوف يصبح مثل العديد من الاتفاقيات السابقة عديمة الجدوى بالنسبة
للسلام، وغير ذي قيمة إلا بإضفاء المزيد من الشرعية على أعمال المعتدي.
4- وفي حالة إخفاق المجتمع
الدولي في تنفيذ خطة السلام فإنه عندئذ لا بد أن يسمح لنا بأن نتسلح للدفاع عن
أنفسنا وبدون التعديلات القليلة السابقة فإننا نهيب بكم ألا تهددونا بقول خطة
السلام الجائرة هذه.
مسؤولية مجلس الأمن والواقع الإنساني
وانسجامًا مع سلطة مجلس الأمن ومسؤوليته التي لا يمكن له أن يتخلى
عنها فإن عليه تقييم الخطة التي أعدها كل من اللورد أوين والمستر ستولتنيرج وذلك
لتحديد مدى تطابقها مع ميثاق الأمم المتحدة وقراراتها التي طبقها مجلس الأمن في
حالات سابقة عديدة.
لا يمكن لمجلس الأمن أن يهرب من مسؤولياته بتناقضات تتستر وراء مبرر
يتكرر بشكل دائم مفاده: «أننا سوف نقبل بما تقبل به كل الأطراف» في حين أن طرفًا
واحدًا وهو الضحية يعيش تحت ضغط تهديد حقيقي من التجويع الجماعي والإبادة. وبينما
تستمر المفاوضات حول هذه المسائل فإنه من المفيد زيادة فريق الوساطة ليشمل ممثل
الناتو الذي من المرجح أنه سيضطلع بمهمة التنفيذ وسيضيف هذا كله قدرًا من الوضوح
والمصداقية إلى المحادثات التي فقدت ذلك حتى الآن.
والآن اسمحوا لي أن أستحضر أمامكم المأساة الإنسانية التي توشك أن
تحدث في بلادي، فنيابة عن كل البوسنيين أشكر الأمم المتحدة والحكومات الصديقة
والمؤسسات الخاصة والأفراد الأبطال الذين قدموا المساعدة الإنسانية إلى البوسنة.
إننا نقدر من الأعماق تلك الجهود التي أنقذت وما زالت أرواحًا عديدة، لكن مع قدوم
الشتاء نحتاج إلى عون أكبر لتجنب الجرحى والجياع الاستسلام للموت جوعًا، والمرض
والتعرض للظروف الجوية القاسية.
المطالب الإنسانية العاجلة وحقوق الأقليات
وفي هذا الصدد فإنه من الضروري أن المجتمع الدولي وأعضاءه المقتدرين
والمنظمات الإقليمية المهتمة بالموضوع:
1- أن يتخذ خطوات لتشجيع
وتنفيذ اتفاقيات وقف إطلاق النار التي تم الاتفاق عليها مؤخرًا من قبل كل القوات
المتورطة في القتال.
2- أن يتخذ خطوات لوقف حظر
المساعدات الإنسانية والإمدادات الضرورية الأخرى مثل: الماء والكهرباء والغاز كما
هو واضح في قرارات مجلس الأمن العديدة.
3- إعادة افتتاح مطار توزلا
لإيصال المساعدات الإنسانية لأكثر من مليون شخص.
4- رفع الحصار حول مدينة
سراييفو كخطوة أولى تجاه رفع حصار كل المدن البوسنوية بما فيها المناطق الآمنة
التي حددها قرار مجلس الأمن 824، 836.
إن الأقلية البوسنوية في صربيا وهم مسلمو السنجق محرومون من حقوقهم،
فكثير من المدافعين عن تلك الحقوق إما مسجونون أو مبعدون، يجرى هذا في الوقت الذي
يدافع النظام الصربي ظاهريًا عن حقوق الصرب العرقية في كرواتيا ولا يعترف للأقليات
الأخرى بنفس الحقوق في صربيا. إننا نطالب بنفس الحقوق لمسلمي السنجق كما يطالب
الصرب لأنفسهم في كرواتيا، ولا يجوز أن تتغاضى المفاوضات المستقبلية عن هذه القضية
السياسية المهمة لحقوق الإنسان.
الخواء الأخلاقي وازدواجية المعايير الدولية
وكما وضح رئيس الولايات المتحدة كلينتون من قبل أمام هذا المجلس بأن
الأمم المتحدة لا يمكن أن يتورط في كل صراع عالمي لكن يجب أن يكون اشتراك الأمم
المتحدة من خلال استراتيجية واضحة سياسيًا وعسكريًا في موضعها الصحيح وللأسف فإن
تورط الأمم المتحدة حتى الآن في البوسنة والهرسك أصبح متناقضًا مع أي هدف واضح أو
حزم في اتخاذ القرار. إن الخواء الأخلاقي الذي نشأ عن هذا الاضطراب ملأ فراغه
الإذعان لرغبات المعتدي على حساب الضحية.
هذا هو تدخل الأمم المتحدة بمراوغتها وتقاعسها وإصرارها المتعجرف على
أنها تؤدي دورها وعدم السماح لنا بتسليح أنفسنا، وهي بهذا تسقط تاريخيًا كأداة
رئيسية في دمار وطني، وهنا بعض الأسئلة التي لا يمكن التهرب من الإجابة عليها:
لماذا لا يوجد تنفيذ فعلي حتى الآن لقراري مجلس الأمن 824، 836 الداعيين لرفع
الحصار عن مدننا؟ ماذا حدث لمطالب مجلس الأمن الذي تضمنها القرار 752 الداعي إلى
انسحاب الوحدات الصربية العسكرية وشبه العسكرية مع أسلحتها الثقيلة من بلادنا؟
ولماذا لا يوجد تنفيذ فعلي لقراري مجلس الأمن 787، 838 الخاصين
بمراقبة الحدود بين صربيا والبوسنة والهرسك واللذين يمنعان التدفق المستمر والمكثف
للأسلحة والمواد التي تصل إلى المعتدين في البوسنة؟ لم يعد الأمر مقبولًا أن تتحدث
عن عدم التدخل. بل إن تورط المجتمع الدولي في البوسنة بدأ بفرض حظر الأسلحة واستمر
من خلال هذه السلسلة من التعهدات التي لا تنفذ إما أن الأمم المتحدة أن تستمر في
تدخلها أو تقرر وقفه بطريقة أو بأخرى لكن لا يمكنها الاستمرار بالسياسة الحالية
التي تجعلها شريكًا في تدمير شعب البوسنة.
التزام البوسنة بالسلام ونداء للعدل
ستظل حكومتي ملتزمة بالسلام وبمثل المجتمع الديمقراطي التعددي، ولسوء
الحظ فإن شعوبًا تدعي رعايتها لهذه المثل عالميًا خانت تلك المثل بتقاعسها وخنوعها
داخل حدودها.
لا يمكن أن نستمر في الكفاح
دون مساعدة كافية من الخارج، أو على الأقل بدون إتاحة الفرصة الكاملة للدفاع عن
أنفسنا. إن تصرف برلماننا واضح في التزامه بالسلام، ومطالبته بدولة لها مقومات
الحياة والنمو وسلام دائم، تلك المبادئ التي نبذت بشكل مؤسف من قبل أولئك الذين
عليهم المسؤولية الأعظم في دعمها في بلادي.
ولا نستطيع أن نتكيف مع القلاقل التي تبديها بعض الحكومات ونسمح لهم
بالضغط علينا للتخلي عن آخر أمل في حفظ الذات وفي سلام دائم وحقيقي. وبالرغم من أن
هناك إجراءً لتخدير شهود تلك الجريمة عن الإحساس بمدى الرعب الذي تحدثه فإن الرعب
نفسه لن يزول، وإن الأجيال القادمة من الصالحين وأهل العدل في كل أمة لن يغفروا
ولن يثقوا في البلاد التي سمحت بحدوث تلك الجريمة.
على الأقل إن هناك بليون فرد «عدد المسلمين في أنحاء العالم» ينتظرون
من هذا المجلس أن يتحرك فهل أنتم مستعدون أن تسلموا البوسنة وشعبها إلى الفناء؟
تلك البلايين من البشر الذين ذكرتهم وليس هم فحسب لن يغفروا لكم؟!!
(*) نص الخطاب الذي ألقاه الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش أمام
الجمعية العامة للأمم المتحدة في 7/10/1993م وقد قمنا بالتصرف في الترجمة بشأن
عبارات البروتوكول التي في أول الخطاب وقد ترجمه وأعده للنشر عبد الحق حسن.
انظر أيضا:
علي عزت بيجوفيتش
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل