العنوان حوار مع الشيوعيين.. في أقبية السجون - الحلقة ٣٠ النظرة الإسلامية للتاريخ
الكاتب عبدالحليم خفاجي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أبريل-1973
مشاهدات 91
نشر في العدد 147
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 24-أبريل-1973
«يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار»
حوار.. مع الشيوعيين.. في أقبية السجون
بقلم: الأستاذ عبد الحليم خفاجي المحامي
الحلقة ٣٠
النظرة الإسلامية للتاريخ
تفنيد كل الأسس التي قامت عليها الماركسية نبتت الرغبة القوية في معرفة ما يجب أن يكون عليه الإسلاميون من شيء عن صلة الإسلام بالاستقلال أو المذهب الرأسمالي عمومًا كان ذلك من فهمهم الناقص أو من استقرائهم كتب التاريخ، لأننا طالما ..... تجنيهم على الإسلام بعبارات في بداية تعرفنا..
....ن وقد تبينوا خلو كل من الماركسية من الأصالة أن أصبحنا نحب أن.. من خلال اختبار جديد..... معرفتهم بالتاريخ ....به تاريخ العالم الإسلامي على وجه الخصوص، بل لتطبيق الشريعة الإسلامية على الأخص.
....... سلامة منظار....... المادي للتاريخ من...، لأنهم وجدوا لهذا مادة خصبة في تاريخ...... المظلم وفي تاريخ.....ات وتحاشوا عمدًا أو سهوًا هذه المساحة العريضة من العالم الإسلامي في الزمان.
حتى يظل اعتقادهم ....كة التاريخ على حاله أمام أي حقائق جديدة، كان لنا سؤال واحد نوجهه لهم فرادى أو مجتمعين.
ونود أن يعطينا الزميل ردًا إسلاميًا من القرآن أو السنة يشتم منه رائحة الاستقلال.
الزميل: معذرة لأنه لم يكن لي سابق اهتمام بهذه الكتب المقدسة وهناك زملاء مختصون في دراسة الأديان.
الأخ: أذن فأنت على الأقل قد درست كتب الفقه بما فيها من آراء فقهية واستجابة للقضايا العملية المتغيرة وموجود منها آلاف الكتب والمراجع ويسهل عليك أن تضع أيدينا على رأي فقهي يظهر منه أي محاباة لنظام الإقطاع أو يدعم فكرة الاستغلال، خصوصًا وأنكم ترون أن كل الشرائع والقوانين ما وضعت إلا لخدمة الأقطاع وتأمين الاستغلال.
الزميل: للأسف لم تسمح ظروفنا بهذه الدراسة عن الإسلام بالذات....
الأخ: حسنًا إذن فمن السهل أن تقرأ التاريخ فهو أسهل من الفقه وتاريخ الإسلام مليء بالفترات المضيئة التي حظيت بتطبيق الرسالة السماوية وبفترات الانتكاس والانحراف كذلك فهل تستطيع أن تدلنا في تاريخ هذه الرقعة العريضة على صور الأقطاع بالشكل الذي نجحتم في تصوير بشاعته على مدار تاريخ أوروبا وتعطينا مثلًا ولو من فترة الانتكاس.
الزميل: أنا حقيقة مقصر في دراسة الإسلام كنصوص وكتاريخ واعدكم بان أتلاقي هذا النقص وان كنا تعتبر أن الأقطاع في البلاد الإسلامية لم يأخذ الشكل المعروف في أوروبا إذ ظهر في شكل أمراء المماليك والسلاطين.
الإخوة: نوصيكم يا زملاء بدراسة الإسلام من جديد دراسة فهم أو نقد أو ما شاء لكم الفرص فالمهم أن تحتكوا به عن قرب وسيعرف الإسلام كيف يجذبكم إليه ويعيدكم إلى حظيرته..
• أما نحن قلنا في التاريخ نظرة مبنية على عقيدتنا في الوجود وعلى فهمنا النصوص الإسلام واستقرائنا لتاريخ العالم أجمع....
• فبمنظار عقيدة التوحيد يكون تفسيرنا للتاريخ كاملًا لا إهمال فيه لعامل من العوامل وأي العوامل له الدور الرئيسي في حركته غير غافلين عن فترات الانتكاس دون أن تجعل من الانحرافات أسسًا مشروعة تفسر بمنطقها فترات الاعتدال...
تاريخ الرسالات السماوية
تاريخ العالم هو تاريخ الرسالات السماوية، التي أعطتنا المفهوم الصحيح عن الإنسان وقضاياه وعلاقته بحقائق الوجود من حوله وأعانته على السير مهتديًا بها... ولا يقول بغير ذلك إنسان يؤمن بالله واليوم الآخر وينظر إلى وقائع التاريخ بأمانة فلم ينقطع حبل الله بينه وبين عباده مند درج أول إنسان على وجه الأرض وهو آدم عليه السلام، وقد عرفت البشرية طريق الإيمان بالله وتوحيده منذ أن كان للإنسان تاريخ على ظهر الأرض.. والرسالات السماوية من مهدها الأول كانت واضحة المعالم فهي دائمًا تخص شقًا منها بأمور العقيدة والشق الثاني للشريعة.
أ-فشق العقيدة: تتناول ما يدعو إليه كل رسول من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فحقائق العقيدة ثابتة في كل الرسالات وفي كل الأزمان والأماكن، لها لا تقبل وجودها الواقعي النسخ ولا تتغير ولا يسوغ أن تكون محلًا للاجتهاد.. ودور الرسالة هو في الكشف عنها والتدليل عليها والأقناع بها وتوضيح الصلة بينها وما هي الغايات من ورائها...
ب - شق الشريعة: وتشمل العبادات والمعاملات.. والعبادات شعائر ومناسك برسومها وهيئاتها الخاصة وكذلك يقول أهل الشريعة «لا يعبد الله إلا بما شرع به» أما المعاملات فتنظم التعامل بين البشر بما يحقق العدالة ويوفر صيغة الاختيار في جميع الميادين..
والشريعة تخضع لسنة التغير والتطور أي للنسخ ومن ثم فقد قيل إن الشرائع -لا العقائد- ينسخ بعضها بعضًا والإسلام نسخ ما قبله من الشرائع..
وما هو إلا حين من الدهر حتى غمرت الأرض بالشعوب والقبائل.. وفي كل البقاع والظروف كانت تلازمها رحمة الله ورعايته، ﴿وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِی كُلِّ قَرۡیَةࣲ نَّذِیرࣰا﴾ (الفرقان: 51)، ﴿وَكَذَ ٰلِكَ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ رُوحࣰا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِی مَا ٱلۡكِتَـٰبُ وَلَا ٱلۡإِیمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلۡنَـٰهُ نُورࣰا نَّهۡدِی بِهِۦ مَن نَّشَاۤءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ﴾ (الشورى: 52).
وكانت حركة التاريخ تتحدد دائمًا بعاملين:
العامل الأول: الإنسان المكلف:
التفسير الشامل بحسبان كل العوامل في حركة التاريخ.
دور العقيدة والإيمان في تسيير التاريخ البشري.
الإنسان المكلف هو العامل الرئيسي وتأتي ظروف الزمان وأهمية المكان في المرتبة الثانية.
منطق الرفض- من غير علم- كان سببًا في بعدهم عن الإسلام.
باسترشاده بالرسالة السماوية تتم دوائر الحركة الصحيحة في جميع المجالات فيتقدم الإنسان وتتقدم الحياة أيضًا، ويطول شرح كيف أن الرسالات هي التي قدمت الإنسان عمرانيًا، ولا يمكن أن يغيب عن الإنسان المكلف أنه سيد هذه الحياة وأن الله سخر له ما في السماوات وما في الأرض وأنه مستخلف عن الله فيها، وأنه هو المقصود الأول وهو المخاطب الوحيد ومن واجبه أن يظل في مكانه المرتفع فوق كل مادة رغم كر الأيام وتغير الظروف، وأن يظل ممسكًا بدفة التاريخ فلا تحيد مركبته عن طريق الهدى إلى الضلال فتجنح إلى الطغيان الفردي أو الجماعي أو المادي أو المعنوي على حساب التوازن السليم بين هذه الحقائق جميعًا. فأي تكريم للإنسان بعد هذا ومهما حملت ظروف الزمان والمكان من جديد من عصر العصي إلى عصر الذرة، فالإنسان هو الإنسان جوهره ثابت قيمه ثابتة رسالته خالدة دوره واضح وعليه أن يحقق حريته الحقيقية بعبوديته لله وبسيادته على مقدرات الأرض فلا يستعبده ظرف أو هوى ولا يهزمه زمان أو مكان.
ويرشدنا القرآن الكريم إلى هذا المنهج الصحيح في فهم التاريخ أي بالنظر إليه على أنه تاريخ الرسالات السماوية لا تاريخ الصراع الطبقي كما تراه الماركسية، ولا تاريخ الأجناس والملوك والرؤساء والبطولات الفردية كما تراه النظرة الغربية.
كما يرشدنا إلى أولوية دور الفرد المسلم في دفع حركته إلى الأمام وباستعراض القصص القرآني يظهر الاهتمام واضحًا بالرسل في المقام الأول باعتبار أن الرسول هو النموذج الإنساني الكامل الذي حقق السيادة على ظروفه الأرضية وعلى ظروف قومه واستخدمها في سبيل غايات أسمى وأبقى فنقرأ قوله تعالى ﴿ نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ (القصص: 3) فموسى -عليه السلام- هو المقصود الأول وهو مناط التغيير في مجتمع فرعون المنتكس وهو بؤرة الضوء التي ستبدد ظلام النفوس والأوضاع أما فرعون وماذا يكون اسمه وما عساه أن يكون عليه من قوة أو ما أشاد من عمران فهو في المحل الثاني أو الثالث.
على نفس النهج نقرأ قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ (البقرة: 258) فإبراهيم- عليه السلام- أولًا أما الذي حاجه وما كان عليه من ملك فلا يهم ماذا يكون اسمه ويكفيه «الذي» ﴿وإلىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحَا﴾ ولا يعنينا من هو حاكم ثمود ولا مجالسهم التنفيذية فصالح -عليه السلام- أولًا، وهكذا وعلى هذا الهدى سار المؤرخون الإسلاميون -رضى الله عنهم- قبل أن تغزونا مناهج الشرق والغرب وتفرض على أجيالنا في التعليم، ففي كتاب «البداية والنهاية» لابن كثير يدخل قصة التاريخ من باب العقيدة فيحدثنا في الفصول الأولى من الكتاب عن الله تعالى وصفاته وأسمائه الحسنى وعن قصة الخلق وعالم الغيب من ملائكة أو جن ثم يتدرج في الكلام عن آدم- عليه السلام- فالأنبياء من بعده وتسلسلهم في التاريخ حتى يصل إلى موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام، وبعد هذه السلسلة الذهبية في التاريخ يظهر لنا حرص المؤرخين المسلمين على تناول الأحداث وخاصة ما بعد السيرة النبوية من خلال تبويب السنين الهجرية فهم يسردون أحداث سنة بعينها ثم السنة التي تليها، فنرى فيما كتبه الطبري وابن الأثير وابن مسكويه وابن خلدون وابن كثير ذلك المنهاج واضحًا جليًا، حتى يصل المؤرخ إلى عصره ثم يختم ابن كثير كتابه بالكلام عن الموت والبرزخ والبعث والحساب وبهذا تتم الدورة الكبرى ويسير التاريخ البشري على نفس السنن الكونية في الحركة.
العامل الثاني: ظروف الزمان والمكان:
لهذه الظروف وزنها من خلال تفاعل الإنسان معها، ولكن ليست لها الأولوية فالمجتمع البشري يزداد عدده وتتنوع حاجاته وتتشابك علاقاته وتتعدد مشاكله، وكلما تقدم الزمن ازدادت تجاربه ونما أسلوب تفكيره، فهذا ابن آدم يحار كيف يدفن أخاه فيبعث الله غرابًا يعلمه ومن الطبيعي أن تتجدد الحاجة إلى تغير التشريع وإلى تطور الأسلوب المستخدم في تبصير الناس بحقائق العقيدة.
وفي ظل تطبيق سليم للرسالة السماوية، وفي ظل تفاعل سليم بين الإنسان المكلف صاحب الأولوية في الفعل والسيادة على الأرض يتحرر كل فرد من جميع القيود الخارجية والداخلية ويتساوى الناس أمام الحقوق والواجبات لمن شاء أن يتقدم أو يتأخر. كما تتكافأ المجتمعات من الناحية الإنسانية المكرمة مها تفاوتت ظروفها المادية اختلفت في العمران فهي دائرة في مستوى حضاري واحد وتوصف جميعها من زاوية صلتها بالله بأنها مجتمعات مسلمة ابتداء من آدم- عليه السلام- حتى خاتم المرسلين حتى ما شاء الله لدينه أن يظهر في الأرض، وقد تردد هذا الوصف على مدار القرآن الكريم مثلما تردد وصفها بالأمة الواحدة في قوله تعالى ﴿ إنِّ هٰذهِ أُمَتُكُمْ أٌمّةً وَاحِدَةً ﴾ (سورة الأنبياء: 92) وقوله تعالى ﴿ مِلّةَ أَبِيِكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمّاكُمُ المُسَلِمِينَ مِنْ قَبْل﴾ (الحج: 78) وقوله تعالى ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ ِ﴾ (سورة الشورى: 13) وقول تعالى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 136) أما عندما توصف المجتمعات من زاوية علاقتها بالأرض في حالة انتكاسها فسمها.
البقية: حوار مع الشيوعيين
.... أقطاعيه أو رأسمالية اشتراكية أو شيوعية فهي ذلك كله قد ارتدت على..... وعكست وجهة الإنسان.
حالة الانتكاس
لعلنا في غير حاجة إلى التذكير بأن التغير أو الانتكاس..... يصيب النفوس أول ما يصيب ذلك بأن الله لم يك يغير نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وبعدها...... المجتمع أو ينتكس ﴿كَٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَیۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِیرࣱ مِّنۡهُمۡ فَـٰسِقُونَ﴾ (الحديد: ١٦) ... تمتد الأيدي الآثمة إلى.... هذا الدستور الخالد فتصيبه بالتبديل وتحريف الكلم عن مواضعه فيقع المجتمع فريسة لألوان الصراع الاقتصادية والسياسية الدينية والاجتماعية وينتقل داخل النفوس ويصير فيها...... متشاكسون.. وما يحدث بسبب الانتكاس يحدث أيضًا في حالة غيبة الرسالة وعجز الإنسان عن تحقيق مركز التوازن بين جميع حقائق الوجود بنفسه.
• من ذلك يتضح أن الصراع بسبب العوامل الاقتصادية ما هو في حقيقته صراع جزئي داخل الصراع الكبير الذي يعيش فيه المجتمع كل جوانبه.. وهل كان وراء انتكاسة قوم لوط سبب اقتصادي؟
وما أصوب منطق المؤمنين حين يرون التاريخ سجالًا بين الحق والباطل، بين الهدى الضلال، بين الإسلام والشرك دورات لا تتوف.. حتى بين فرصة تغيير المجتمع ننتكس إلى الوضع الصحيح، خلال النفوس التي اهتدت..... لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
الرسالة من جديد..
كان الله يمن على خلقه بالرسالة من جديد ليخرج المجتمع من ترديه في الضلال ومن غرقه في الصراعات وقد تظلل الأرض عدة رسالات في وقت واحد وكانت الرسالة الجديدة تحوي نفس خصائص الرسالة السابقة في شقي العقيدة والشريعة من خلال الواقع الجديد الذي تستوعبه الشريعة الجديدة والأسلوب الجديد في عرض العقيدة.
المقياس الحضاري:
برسالة السماء تقاس عظمة الأمم.. الأمم التي كرمت الإنسان وذخرت بالرجال لا أمم الأشباح.. ويوم يهزل الإنسان ويتنكب الطريق وتستعبده الظروف ويتضاءل في نفسه فكل شيء بعده تافه هزيل لا يدعو إلى تفاخر، بل يستوجب العبرة والرئاء مهما خلف من قصور وسدود وآثار لا تبيد.. بهذا المقياس السليم يخبرنا الله في أكثر من موضع في القرآن الكريم عن الأمم السابقة.. فقوم موسى لما تولوا عنه مديرين تولت عنهم نعم الله كلها ﴿كَمۡ تَرَكُوا۟ مِن جَنَّـٰتࣲ وَعُیُونࣲ ٢٥ وَزُرُوعࣲ وَمَقَامࣲ كَرِیمࣲ ٢٦ وَنَعۡمَةࣲ كَانُوا۟ فِیهَا فَـٰكِهِینَ ٢٧ كَذَ ٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَـٰهَا قَوۡمًا ءَاخَرِینَ ٢٨فَمَا بَكَتۡ عَلَیۡهِمُ ٱلسَّمَاۤءُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَا كَانُوا۟ مُنظَرِینَ﴾ (سورة الدخان: 25-29).
﴿وَدَمَّرۡنَا مَا كَانَ یَصۡنَعُ فِرۡعَوۡنُ وَقَوۡمُهُۥ وَمَا كَانُوا۟ یَعۡرِشُونَ﴾ (الأعراف: ١٣٧) لأن هذا الملك المريض لم يعد يساوي شيئًا بعد أعراضهم عن الله لأنه ليس شاهد كذلك حضارتهم ورقيهم أخبرنا عن قوم عاد حين كفروا دمرت عليهم الربح كل شيء فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم، وأخبرنا كيف خسف بقارون وبداره الأرض وكيف جعل أرض لوط عاليها سافلها.
• وفي الصورة المقابلة كيف نجى نوحا عليه السلام وصالحًا وهودًا وإبراهيم ولوطًا هم والقلة الذين آمنوا معهم ليعلمنا أن الإنسان المؤمن لا يعدله عند الله شيء وأن السادرين في الغي هم وعالم المادة سواء محياهم ومماتهم.
في التاريخ نظرتان:
• إذا نظرنا إلى التاريخ من زاوية حضارية نجد أن تاريخ العالم كان سجالًا بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال بين الإسلام والشرك في دورات لا تتوقف حتى انتهينا إلى خاتم الرسالات السماوية بكل خصائصها العالمية إلى يوم القيامة...
• وإذا نظرنا إلى التاريخ من زاوية عمرانية نجده قد أنتقل من عصر الصيد والرعي إلى عصر التجارة والزراعة إلى عصر الصناعة إلى عصر الفضاء.. وعلى امتداد هذا الخط المادي العمراني تنتشر المجتمعات المرتقبة المتحضرة والمجتمعات المرتكسة وعندما يرتفع مستوى الإنسان الحضاري بالإسلام «أي بالرسالة السماوية لان للرسالات جميعًا صفة الإسلام» يتحقق التوازن في جميع ميادين التعامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بما يحقق الحرية الحقة والعدالة والمساواة بين البشر، وعندما ينخفض مستواه بالانتكاس تعود إلى الظهور كل أشكال الصراع الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي، والنفس.. ودخلت الأرض عصرها الصناعي وهي مزدحمة بالمجتمعات المنتكسة حضاريًا فانتشر المرض برغم التقدم الكبير في المستوى المادي.. وهنا تكمن المصاعب أمام الدعاة ويكمن معها عظم الدور الكبير للساعين إلى الإمساك بزمام حصان الصناعة الجموح لإعادة سيادة الإنسان المكلف مرة أخرى ليعود للبشرية مقامها الكريم.
النمو لا يتوقف
تهادي التاريخ في موكبه الطويل حتى أنتهى إلى خير أمة أخرجت للناس ولم يكن حملة رسالة محمد عليه السلام يدخلون على الشعوب بهذا الدين العظيم على اختلاف ألسنتها وألوانها وعلى اختلاف درجة تقدمها العمراني حتى حققت الرسالة الإسلامية على يدهم في زمن وجيز أعظم انتصاراتها الحضارية فهيأت للجميع أكرم حياة وجعلتهم أسياد الظروف فلم يستعبدهم زمان ولا مكان وظلت هاماتهم الشامخة لا تنحني إلا لله وحده في أخوة إنسانية سامية.
وتنتظم الأمم جميعها في هذا الموكب الفريد تسهم في حركته وتتحمل نصيبها من المسئولية مثلما يتحمله كل فرد فيها إلى ما شاء الله لهذا التيار أن يجري فهذا عيسى عليه السلام يقول «لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقص، بل لأكمل فان الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل».. ويعطينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا التوجيه الحكيم في تصوير جديد
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
«مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بني بيتًا فاحسنه وأجمله إلا موضع لبنة. فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة.. فأنا اللبنة. وأنا خاتم النبيين».
فالتاريخ في نموه وحركته لا يتوقف واضعًا الأفراد والأمم أمام ابتلاءات جديدة ويكشف القرآن الكريم عن هذه الحقيقة الخالدة في قوله تعالى ﴿وَأَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَـٰبِ وَمُهَیۡمِنًا عَلَیۡهِۖ فَٱحۡكُم بَیۡنَهُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَاۤءَهُمۡ عَمَّا جَاۤءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلࣲّ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةࣰ وَمِنۡهَاجࣰاۚ وَلَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةࣰ وَ ٰحِدَةࣰ وَلَـٰكِن لِّیَبۡلُوَكُمۡ فِی مَاۤ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُوا۟ ٱلۡخَیۡرَ ٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِیعࣰا فَیُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِیهِ تَخۡتَلِفُونَ﴾ (المائدة: ٤٨).
1- فظاهرة النمو المطرد في قوله تعالى ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ﴾ (المائدة: 48)
٢- وهذا يقتضي تغير البيئات مما جعل لكل منها شرعة ومنهاجًا.
٣- والحكمة دائمة واحدة ﴿لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ﴾ (المائدة: 48)
٤- والجزاء هو النتيجة يوم يرجعون إلى الله فينبئهم بما كانوا فيه يختلفون»
وهكذا كلما أستمر التاريخ في نموه وتقدمه العمراني كلما كان حظ القادرين على الهيمنة على تياره وتسخيره من الكرامة عند الله كبير ومن الجزاء مضاعفًا، ولعل ذلك هو ضمن ما يكشفه المعنى العميق من قول حكيم لرسول الله بين أصحابه في معرض الشوق إلى إخوانه وأن ثواب الواحد منهم بعشرة «لأنكم تجدون على الحق أعوانًا وهم لا يجدون».
مع التفسير المادي للتاريخ
أ- نظريًا:
كل منا نظر إلى التاريخ من خلال عقيدته في الوجود فلم تلتق تبعًا لذلك مناهج التفسير فمن خلال نظرتنا لم يكن التفسير المادي أكثر من تسجيل لفترات الانتكاس في حياة الشعوب بما يستتبعه الانتكاس من صراعات على كل المستويات، وكان موقف الماركسيين من العامل الاقتصادي بالذات موقفًا منحازًا لا علميًا.
كان بريق التفسير المادي الوحيد هو فيما يقدمه من تحليلات عن الرأسمالية بلغ الإعجاب بها حدًا حمل على الاعتقاد بصحة التحليل على ما سبق في التاريخ من عصور وصحة ما سيؤول إليه المستقبل، ولكن حتى هذه الرأسمالية التي أجاد الماركسيون تشريحها بحيث أصبحت موطن افتتانهم بجدوى الماركسية حتى هذه سنرى فيما بعد حقيقة العوامل التي اشتركت في إخراج المجتمعات الأوروبية من حياتها التقليدية إلى صورتها الحالية ومركز الاقتصاد بينها، وقد رأينا قبل ذلك عدم صحة تنبؤات ماركس عن المستقبل.
لقد أنصف أنجلز حين كتب إلى صديقه بلوخ سنة ۱۸۹۰ قبل وفاته بخمس سنوات أنه هو وماركس قد بالغا في تقدير أهمية الأسباب الاقتصادية، وفي رسالة أخرى لصاحبه ستارلنبرج كتب يقول: «ماركس وأنجلز مسؤلًا جزئيًا عن حقيقة أنه في بعض الأوقات قد أعطى أتباعنا أهمية للعامل الاقتصادي أكثر مما يستحق ولقد اضطررنا إلى تأكيد صفته المركزية في معارضتنا لخصومنا الذين كانوا ينكرونه، ولم يكن هناك وقت ولا مكان ولا فرصة لإنصاف العوامل الأخرى في الحركة التاريخية» «۱»
يقول الأستاذ العقاد في «حقائق الإسلام وأباطيل خصومة» «ويقرر لنا التاريخ أنه لم يكن قط لعامل من العوامل الإنسانية أثر أقوى وأعظم من عامل الدين، وكل ما عداه من الحركات المؤثرة في حركات الأمم فإنما تتفاوت فيه القوة بمقدار ما بينه وبين العقيدة الدينية من المشابهة في أصالة الشعور وبواطن السريرة هذه القوة لا تضارعها قوة العصبية، ولا قوة الوطنية، ولا قوة العرف، ولا قوة الأخلاق ولا قوة الشرائع والقوانين، إذ كانت هذه القوة إنما ترتبط بالعلاقة بين المرء ووطنه أو العلاقة بينه وبين مجتمعه أو العلاقة بينه وبين نوعه على تعدد الأوطان والأقوام، أما الدين فمرجعه إلى العلاقة بين المرء وبين الوجود بأسره، وميدانه يتسع لكل ما في الوجود من ظاهر وباطن ومن علانية وسر ومن ماض أو مصير إلى غير نهاية من أزال لا تحصى في القدم وآباد لا تحصى فيما ينكشف عنه عالم الغيوب وهذا على الأقل هو ميدان العقيدة الدينية في مثلها الأعلى وغايتها القصوى، وإن لم تستوعبها ضمائر المتدينين في جميع العصور».
ب- واقعيًا:
نجد من وقائع التاريخ ما يعتبر نقدًا عمليًا لمنطق الماركسية التي تجعل الغلبة دائمًا للظروف المادية التي تدفع إلى تشكيل العلاقات الإنتاجية والاجتماعية.
فإذا أخذنا مجتمعات تتفق في الأساس المادي مثل الزراعة نجد وقائع التاريخ تبين لنا أن بعض هذه المجتمعات عاش في ظل علاقات إسلامية خالية من الصراع لقرون طويلة، وأكثر من هذا قامت هذه العلاقات تارة من خلال الملكية الخاصة وأحيانًا كثيرة من خلال الملكية العامة «الأرض الخراجية» كما عاشت بعض هذه المجتمعات الزراعية في علاقات إقطاعية أو عبودية وبعضها عاش حياة مشاعية كمشاعية مزدك في فارس قبل الإسلام فما الذي أوجد هذا التفاوت الاجتماعي بين مجتمعات أساسها المادي واحد.
ومن العصر الحديث نجد الأدلة التي تؤكد فوقية الإرادة الإنسانية على الظروف المادية، فالإرادة الإنسانية عطلت حتميات ماركس داخل المجتمعات الرأسمالية حتى اليوم.
وتحققت الشيوعية مرحليًا في مجتمع إقطاعي على يد لينين في روسيا بإرادة إنسانية اختارت بيئة أقل تطورًا من الناحية المادية وأكثر بعدًا عن الشروط الموضوعية لقيام الثورة.
ورغم تساوي روسيا مع أمريكا في المستوى الفني اليوم إلا أن الاختلاف واضح في الشكلية الاجتماعية ولم توحد الآلة بينهما فكريًا أو اجتماعيًا.
ورغم الاتفاق المذهبي بين روسيا والصين فإن الاعتبارات القومية باعدت بينهما مع أن المفروض حسب منطقهم المادي أن تزيدهما الأيام قربًا لا بعدًا.
وقد نشطت الدراسات في الوقت الحاضر لمعرفة نسبة اشتراك العوامل الإنسانية والعوامل الاقتصادية في إحداث التغيير الاجتماعي ودرست أوروبا بالتفصيل باعتبارها حقلًا خصبًا لهذه الدراسة وقد حوى كتاب «مراحل النمو الاقتصادي» لروستو «۲» أول رد علمي غربي على نظرية ماركس في تفسير التاريخ وهو «يعتبر الإنسان وحدة أكثر تعقيدًا فهو لا يسعى للمصلحة الاقتصادية وحدها، بل للسلطة، واللهو، والمغامرة وبكلمة مختصرة فإن صافي السلوك الإنساني لا يعتبر في نظرنا سعيًا وراء شيء أقصى بل موازنة بين أهداف إنسانية بديلة ومتناقضة في كثير من الأحيان إزاء مجالات الاختيار التي يرى البشر أنها مفتوحة أمامه».
بهذا التقدير الذي يعطيه روستو لدور الإنسان ثم بدراسة واقع أوروبا يقسم روستو المجتمعات إلى خمس من ناحية أبعادها الاقتصادية «۱» المجتمع التقليدي «۲» المجتمع الذي تحققت له الشروط المؤهلة للانطلاق «۳» المجتمع المنطلق «٤» المجتمع السائر نحو النضوج «٥» المجتمع الذي دخل عصر الاستهلاك الشعبي العالمي وبتطبيق نظريته على أوروبا يرى أن أول بلد تحقق فيها شروط الانطلاق وانتقلت من المجتمع التقليدي هي بريطانيا.
وقد قال سدني هوك أحد مشاهير الكتاب الماركسيين «إذا تطرق الشك إلى نظرية صراع الطبقات فبان فسادها فإن صرح النظريات الماركسية ينهار من أساسه».
«۱» الشيوعية نظريًا وعمليًا لكاريو هنت ص ٦٤
«۲» أستاذ التاريخ الاقتصادي في مؤسسة ماساشوستس للتكنولوجيا وكان يعمل مستشارًا سياسيًا للرئيس كنيدي ولجونسون من بعده.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل