; بعد مقتل بوضياف- أزمة شرعية للنظام في الجزائر | مجلة المجتمع

العنوان بعد مقتل بوضياف- أزمة شرعية للنظام في الجزائر

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يوليو-1992

مشاهدات 55

نشر في العدد 1007

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 14-يوليو-1992

تعيين علِي كافي خلفا لرئيس المجلس الأعلى للدولة السابق بوضياف زاد الوضع السياسي في الجزائر تعقيدًا خاصة باقتراب موعد محاكمة قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ أمام المحكمة العسكرية ببليدة يوم 12 يوليو الجاري ومع انتشار الإشاعات واختلاف الروايات حول عملية الاغتيال.

الاستمرارية

وأكبر مظاهر الأزمة السياسية الحالية تكريس عدم شرعية النظام باختيار السير فيما سعى «باستمرارية» خط بوضياف الذي بنى سياسته على التنكر لكل التطورات الحاصلة داخل المجتمع الجزائري وعدم احترام إرادة الشعب وخياراته. 

وقد أكد في خطابه الافتتاحي إصراره على «مواصلة عمل بوضياف مهما كانت التضحيات» ووعد «مواجهة كل من يريد وضع مصلحة الدولة في خطر بكل قوة» لكنه لم يشر إلى مقاومة الفساد.

من هنا كتبت إحدى الصحف الفرنسية «ليبراسيون»: إن استمرارية كافي لا تقنع، مشيرة إلى خيبة أمل الشارع الجزائري، بما في ذلك الإسلاميون والمثقفون[1] في إمكانية حصول تغيير سياسي، والشيء الذي أكدته الصحيفة اليمينية «لوفيجارو» التي توقعت أن ينتهج كافي خطًّا سياسيًّا أكثر مجاملة باعتبار ماضيه الديبلوماسي في الوطن العربي منذ عام ١٩٦٢. لكنه ليس بالرجل المطلوب أو المرغوب فيه شعبيًّا نظرًا لماضيه الحزبي، عضو اللجنة المركزية لجبهة التحرير الوطنية منذ عام ۱۹۷۹ والأمين العام للمنظمة الوطنية للمجاهدين التي تضم قدماء المناضلين والتي اقترنت في أذهان الناس بكل أصناف الفساد بسبب حصول أعضائها على امتيازات خاصة تتجاوز القانون مثل تسهيلات في توريد سيارات أجنبية ورخص لفتح محلات مقاهي أو سيارات أجرة.

وفي هذا الصدد علقت جريدة «لوموند» بقولها: يمتلك كافي شبكة تأثير واسعة وزبائن يساعدونه على توطيد حكمه على عكس بوضياف، ولكن لا يمكِّنه ذلك بالضرورة من شهرة كبيرة. ونقلت قول البعض الذين يرون أن النظام لا تهمه الآن السمعة ولا الصورة المنقولة عنه.

جيش النكبات

من ناحية أخرى لم تتغير المعطيات الرئيسية للوضع السياسي لأن خليفة بوضياف بالإضافة إلى كونه من نفس التركيبة السياسية التي حكمت البلاد طيلة ثلاثين سنة، فإنه يلعب الدور التقليدي المتمثل في كونه الغطاء للسلطة الفعلية للجيش،  وعدم قفز خالد نزار وزير الدفاع الرجل القوي في النظام إلى سدة الحكم بوجه سافر رغم الضغوطات الداخلية والخارجية دليل على أن المؤسسة العسكرية فضلت البقاء في الظل لأن التوتر في البلاد لا يسمح بسياسة استعراض العضلات التي تولد الانفجار الحتمي للشارع السياسي المكبوت منذ الانقلاب على المسار الديمقراطي.

وقد عبر الأمين العام لجبهة القوى الاشتراكية حسين آيت أحمد في حديث الصحيفة «لوموند» عن جوهر المشاكل الحاصلة في الجزائر اليوم بقوله لقد أفسد الجيش البلاد وهو الذي يمتلك بالفعل أساس السلطة وجبهة التحرير الوطنية لم تكن البتَّة المركز الحقيقي للقرار. 

والجيش هو بالتالي المسؤول عن النكبات التي عرفتها الجزائر لأنه تحت سيطرة المغامرين والانتهازيين عادة من هنا جاء الرد بمسألة الاغتيال حسب رأي آيت أحمد «فإن الخلل في نظام الأمن لحماية بوضياف» يؤكد فرضية مؤامرة حقيقية وأضاف: «إن كل ما حصل إنما يندرج في إستراتيجية مركز قوة يعارض إعادة المسار الديمقراطي.. وأشك كثيرًا في قرارة نفسي أن يكون الإسلاميون وراء ذلك».

* حسين آيت أحمد، ورابح كبير يستبعدان تورط الإسلاميين في مقتل بوضياف

من جهته أزاح رابح كبير الرئيس السابق للجنة الشؤون السياسية والعلاقات الخارجية للجبهة الإسلامية للإنقاذ والموجود تحت الإقامة الجبرية أزاح مسؤولية الإسلاميين في عملية الاغتيال كما جاء في تصريحه لصحيفة اليقظة الجزائرية وأكد على أن هذه العملية اقترفها متعطشون للسلطة ومتآمرون، وإيقاف مدير ورئيس تحرير جريدة الخبر الجزائرية التي أعلنت في صفحتها الأولى عن إقالة وزير الداخلية العربي بلخير بعد ثبوت وجود خلل أمني في حراسة الرئيس، دليل على الحرج الذي يوجد فيه النظام الحالي أمام تصاعد الأصوات للمطالبة بكشف كل الحقيقة مهما كانت التكاليف.

والحل أن يقف وراء هذا الطلب المُلِح عائلة بوضياف والنخبة السياسية ولكن أيضًا الرأي العام في الداخل والخارج.

الحقيقة.. كل الحقيقة

ولتحويل الأنظار وتخفيف وطأة التعطش للحقيقة، فقد أقر النظام الجديد الموعد الذي حدد لمحاكمة قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ من طرف المحكمة العسكرية ببليدة، وتوقع البعض تأجيل المحاكمة مرة ثانية بعد الاغتيال في انتظار هدوء الأوضاع.

في المقابل حرصت السلطات الجزائرية على منع المراقبين والصحفيين الأجانب من حضور المحاكمة لأنها ستتحول إلى محاكمة للنظام نفسه.

كما أكد المجلس الأعلى للدولة في تركيبته الجديدة العديد من المرات على رغبته في أن يكون التحقيق بشأن الاغتيال نزيها ومستقلًا ويلقي كل الأضواء على الحقيقة وهو ما ركزت عليه الصحافة المحلية التي ارتاحت لاختيار أحمد بوشيب رئيسًا للجنة التحقيق وهو صديق لبوضياف وقد أعطيت كل الصلاحيات لهذه اللجنة من أجل قيامها بعملها بكل حرية وتقديم نتائج التحقيق في ظرف عشرين يومًا.

عبر شقيق بوضياف عن أمله في أن يكون أعضاء اللجنة شجعاء ونزهاء ولهم روح التضحية من أجل كشف هوية مدبري هذه المؤامرة المحبوكة مهما كانوا.

وبغض النظر عن العملية بحد ذاتها فإن انعكاساتها الإقليمية هي التي شدت انتباه الملاحظين الأجانب وهو الشيء التي أكدت عليه مجلة «إفريقيا الفتاة» الصادرة في باريس والتي اعتبرت موت بوضياف «حدثًا مغاربيًّا بمجرد اعتبار تطور سياسة دولة الاتحاد المغاربي تجاه الظاهرة الإسلامية مرتبطًا إلى حد كبير بالوضع الجزائري».

* إن الجزائر دخلت مأزقا سياسيًّا خطيرًا يصعب التكهن بعواقبه

وأشارت كذلك إلى انعكاسات هذا الحدث على قضية الصحراء وذكرت أن بوضياف له توجهات تصالحية ولكنه كان على خلاف مع الجيش بخصوص هذه المسألة ولم يكن حرًّا في تصرفاته ومواقفه، وأضافت: إن موته سيلغي كل هذه المؤشرات لصالح الحِفاظ على الوضع القائم، وبالتالي يمكن القول بأن الجزائر قد دخلت مأزقًا سياسيًّا يصعب التكهن بعواقبه وإصرار أصحاب القرار على المضي قدمًا في مسار مسدود الأفق ينذر بمستقبل مليء بالمفاجآت؛ لأن الشعب الجزائري من خصائصه عدم الرضوخ والشهامة وروح التضحية وعدم السكوت عن طريقة ثوراته ونضالاته.
________________________

[1] في الأصل: الإسلاميين والمثقفين.

الرابط المختصر :