; لماذا أمريكا في الصومال؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا أمريكا في الصومال؟

الكاتب محمد عبدالحميد أحمد

تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1993

مشاهدات 70

نشر في العدد 1037

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 09-فبراير-1993

أبعاد التدخل الأمريكي في الصومال: المصالح والاستقرار

السياسة الخارجية الأمريكية ومحور إعادة التشكيل

قد لا تحتل الصومال أي أهمية استراتيجية لأمريكا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي لكنها قد تشكل مصدر قلق للمصالح الأمريكية إذا ما استمر غياب حكومة مركزية تستطيع ضبط الأمن في البلاد.

ولقد أوضح الرئيس السابق جورج بوش محور السياسة الخارجية الأمريكية يوم (15/2/92) في خطاب ألقاه في ولاية تكساس عندما قال: «إن لم نشكل العالم فسيشكلنا العالم، فمهمة الولايات المتحدة على المستوى الخارجي كما تراها إدارة الرئيس بوش في هذه المرحلة من الزمن هو إعادة تشكيل وترتيب العالم لخدمة المصالح الأمريكية»، وقد عارض دعاوى الانكفاء إلى الداخل والاهتمام بالشؤون الأمريكية الداخلية على حساب الشؤون الخارجية ونعت أصحاب هذه الدعاوى بقصر النظر.

وأكد في خطابه على ضرورة التدخل في مناطق النزاع في العالم حيث تدعو المصالح الأمريكية ووصف ترجيح الاهتمام بالشؤون الأمريكية الداخلية بأنه سيكون بمثابة «كارثة» على الولايات المتحدة ودورها القيادي في العالم. وقال إن أي تراجع في التدخل الأمريكي في العالم «خطأ ستدفع الأجيال الأمريكية القادمة ثمنًا فادحًا له».

وعلى ما يبدو أن الأمم المتحدة أصبحت من أبرز أدوات تحقيق الأهداف الأمريكية في العالم، فمن خلالها تجد أمريكا الشرعية الدولية لتحركاتها وتضمن اصطفاف وانتظام بقية دول العالم خلفها رغبة أو رهبة دون معارضة جدية، وأي محاولة لمواجهة أمريكا أو معارضتها يضعها (الدول المعارضة) في مواجهة الأمم المتحدة «الإجماع الدولي»، وبالتالي تظهر أمريكا منفذة للإرادة الدولية وليس لاستراتيجيتها ومصالحها الخاصة.

دوافع التدخل الأمريكي في الصومال

دافع إنساني

مما لا شك فيه أن الجانب الإنساني قد لعب دورًا في قرار الإدارة الأمريكية بإرسال القوات الأمريكية إلى الصومال والعمل على استصدار قرار من الأمم المتحدة للتدخل هناك، فلم يعد في نهاية هذا القرن دافع تحرك وتدخل الدول الكبرى في المواقع المضطربة من العالم هو صراع النفوذ والتنافس فيما بينها فقط، إنما أصبح التلفزيون بما ينقله من صور الفجائع عاملًا قويًا في تحريك الشعوب وإجبار الحكومات على التحرك لنزع أسباب الاضطرابات وخاصة الإنسانية منها، وهذا بالضبط ما قامت به الشبكات التلفزيونية الأمريكية المختلفة في تقاريرها اليومية عن المأساة الصومالية، مما اضطر الإدارة الأمريكية للقيام بما قامت به.

نزع السلاح وإعادة الاستقرار

أما الأهداف الأمريكية الأخرى من وراء تدخلها في الصومال فيمكن تلخيصها في التالي:

نزع السلاح: إن من أبرز ركائز السياسة الخارجية الأمريكية سابقًا وحاضرًا هو المحافظة على عنصر الاستقرار في دول العالم، ففيما يتعلق بالحكومات الديكتاتورية والقمعية التي تدور في الفلك الأمريكي فإن استقرارها وبقاءها مقدم عند الولايات المتحدة على المبادئ الأمريكية، أما ما يتعلق بالدول المناوئة للسياسة الأمريكية فإن أمريكا تقدم أيضًا عامل الاستقرار في تلك الدول انتظارًا لتغير أنظمتها من داخلها أو خارجها بما يخدم المصالح الأمريكية.

من هذا المنطلق فإن إعادة الاستقرار للصومال هو للحيلولة دون انتشار وتوسع دائرة الاضطراب إلى دول مجاورة، فاستمرار الصراع في الصومال سيأخذ بعدًا سياسيًا أكبر مع الزمن مما سيؤدي إلى تدخل قوى إقليمية أو دولية متنافسة لمناصرة هذا الفريق أو ذاك بتسليحه ودعمه في محاولة لكسب النفوذ.

وإذا ما حدث ذلك فإن الصومال سيصبح ملجأ لما يسميه الغرب بالعناصر «الإرهابية» وبالتالي مصدرًا «للإرهاب»، وساحة لتصفية النزاعات الإقليمية كما كان الحال في لبنان، وقد برر الرئيس بوش للشعب الأمريكي في خطابه السابق التدخل الأمريكي في الصومال محذرًا بأن عدم التدخل سيضعف أمريكا اقتصاديًا في «عالم تتفاقم فيه حالة الاضطراب وتتزايد فيه مظاهر الصراعات القومية التي بدورها ستربك الأسواق العالمية».

ومن هنا فإن إعادة الاستقرار للصومال مرتبطة بنزع السلاح وإقامة نظام حكم يضبط الأمن ويدور في الفلك الأمريكي. وتنفي الإدارة الأمريكية أن جمع السلاح الصومالي هو أحد مهامها، إلا أنه من المرجح أن أمريكا ستلقي تنفيذ هذا الهدف على عاتق الأمم المتحدة لتقوم بتنفيذه، فإذا ما بدأت القوات الأمريكية بحملة جمع السلاح فستبدو على أنها منفذة لإرادة الهيئة الدولية، وقد تترك أمريكا مهمة جمع السلاح لما فيها من بعض المخاطر لقوات دولية أخرى (عربية أو إسلامية).

تحجيم الحركة الإسلامية وتطبيق التجربة

الهدف الآخر من التحرك الغربي نحو الصومال هو:
الحيلولة دون استغلال الحركة الإسلامية لغياب حكومة مركزية في الصومال ومحاولة ملء الفراغ القائم وطرح نفسها كبديل ومخلص، وقد أكد هذا وفد الكونغرس برئاسة جون لويس والذي عاد لواشنطن يوم
(21/11/92) من جولة له في الصومال، فقبل نزول القوات الأمريكية الأراضي الصومالية بثلاثة أيام كتب لويس في صحيفة «الواشنطن بوست» (6/12/92) مقالًا تحدث فيه عن الجانب الإنساني الصعب الذي يمر فيه الصومال، وكذلك الاضطراب الذي يمكن أن يلحقه وضع الصومال بالدول المجاورة وخاصة كينيا، وأكد أن هذه الأسباب تستدعي التدخل الأمريكي هناك، وأضاف لويس قائلًا: «بالإضافة لذلك، فهناك مخاطر ازدياد مكاسب المتدينين المتطرفين في هذه الدول التي تمر في حالة فوضى».

إن التدخل الأمريكي في الصومال سيكون الأول أو الأخير في الشؤون الداخلية لدول أخرى اعتمادًا على نتائج التجربة الصومالية فستكون المحاولة الأخيرة إذا ما فشلت في تحقيق أهدافها وستلقي شكوكًا كبيرة حول إمكانية نجاح أي محاولة للتدخل في شؤون دول أخرى، أما إذا ما نجحت دون خسائر أمريكية تذكر في الأرواح، فإن هذه التجربة ستطبق في العديد من دول العالم، وعلى رأسها - كخطوة مستقبلية – جنوب السودان لمحاولة اقتطاعه وإقامة دولة مسيحية فيه.


خريطة الحركات الإسلامية في الصومال



 

الرابط المختصر :