العنوان العلامة ابن باز..
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1999
مشاهدات 46
نشر في العدد 1353
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 08-يونيو-1999
الزاهد الساعي في حاجات الفقراء المستزيد من العلم
بقلم: د. سالم نجم
تحدث العلماء والأحباب عن مناقب سماحة الوالد، وقالوا عنه بحق وصدق عالم فذ حرص طول حياته على قول كلمة الحق وبيان جوانب الإسلام العظيم، كما عمل على نصرة السنة والدفاع عنها والذود عن دعوة الإسلام والرد على شبهات المغرضين والكائدين للإسلام والمسلمين، فكان نعم العالم الحكيم والأب الرحيم بأبنائه وتلامذته، الكريم مع طلاب العلم وضيوفه من خارج مكة يؤويهم ويخدمهم في بيته العامر، وكان رحمه الله آية في النشاط وعلو الهمة ولم تقف في طريق بيانه وإرشاده عقبة إلا تجاوزها، وهو علم من أعلام الدعوة في القرن العشرين لا يجود الزمان بمثله كثيرًا.
غير أني سأتحدث عن فضيلة الإمام ابن باز من واقع خبرتي حول صفتين كريمتين من صفاته الكثيرة الخيرة شاهدتها بنفسي:
1 - سعيه في سد حاجات الفقراء والمعوزين:
في موسم حج عام ١٣٨٩هـ، التقيته في مقر رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، فرأيته إنسانًا مهيب الطلعة، مشرق الوجه بسيطًا في مظهره، يلبس ثوبًا أبيض من القطن، وعلى رأسه طاقية وغترة بيضاء، ويمسك بيده عصا من غصن شجرة رحب بي وتبسط في الحديث معي، وسمعت منه صدق الحديث وأحسست نور الهداية ينطق بها لسانه، ثم توجهنا إلى صلاة الظهر في المسجد المجاور، وجاء نفر من كرام القوم سلموه زكوات أموالهم دون أن يحصوها عدًّا ودون أن يعلمها هو نقدًا، ثقة متناهية بين الطرفين، وتم ذلك في دقائق معدودات وبهدوء شديد وبعد الصلاة جاء فقراء المسلمين أصحاب الحاجات فوزع عليهم المال الذي في يده كل حسب حاجته بعد أن استمع إلى كل منهم وواساهم ونفحهم كلمات رطبة مضيئة من القرآن الكريم، ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم علمت بعد ذلك من صحبه الكرام أن هذا دائه مع المحسنين والفقراء من المسلمين، وكان كثيرًا ما يسد حاجات الفقراء والمساكين من ماله الخاص نسأل الله أن يتقبل منه أعماله الصالحة في خدمة دينه وأمته، ونبشره بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله تعالى عبادًا اختصهم بحوائج الناس، يفزع إليهم في حوائجهم، أولئك الآمنون من عذاب الله».
2- الاستزادة من العلم: شرفتني أمانة رابطة العالم الإسلامي باختياري خبيرًا في العلوم الطبية لمجلس المجمع الفقهي في دورته المنعقدة في مقر الرابطة بمكة المكرمة في الفترة ما بين ١١ - ١٥ رجب ١٤١٩هـ، وكانت هذه فرصة طيبة أقابل فيها سماحة الوالد واستمع إلى توجيهاته وأناقشه في المسائل الشائكة والممارسات الطبية خاصة فيما يتعلق بالأمراض الوراثية، وعلى مدى أسبوع كامل ودهشت لعمق تفكيره ورغبته الأصيلة في التعرف على دقائق الموضوع المعروض للبحث، ولا عجب ذلك حتى يتيقن من مطابقة الآراء والفتاوى للواقع والتي قد تصدر في مثل هذه المشكلات العلمية، واستمرت المناقشات في المجلس برئاسته لفترة زمنية تزيد على الساعتين، كان يرحمه الله حريصًا على التمييز بين معنى العلوم الوراثية وعلوم الهندسة الوراثية حتى وضحت الفكرة تمامًا لفضيلته والسادة الفضلاء أعضاء المجمع والخبراء.
ولقد ذكر فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي جانبًا مما دار في اجتماع المجمع مشيرًا إلى سماحة الوالد وإدارته للجلسات، يقول: لقد رأيته يستمع وينصت إلى الآراء كلها ما يوافقه منها وما يخالفه ويتلقاها جميعاً بالاهتمام ويعلق بأدب جم، ويعارض ما يعارض منها برفق وسماحة دون استعلاء، ولا تطاول على أحد متأدبًا بأدب النبوة ومتخلقًا بأخلاق القرآن وأضيف هنا أن فضيلة الإمام ابن باز كان ينزل عند رأي إخوانه أعضاء المجمع، حينما يرى الصواب في جانبهم، وهذه سمة العلماء العاملين الصادقين الذين يدورون مع الحق حيث دار.
وترجل الفارس
كنت في خيام اللاجئين من كوسوفا في ألبانيا ضمن وفد قطر عندما تلقيت خبر وفاة الشيخ عبد العزيز بن عبدالله بن باز، فتضاعف الشعور بالمأساة، واشتد ألم الحزن ونحن نشاهد تلك المناظر في المخيمات، لأن وفاة الشيخ ابن باز هي في الواقع صدمة للعالم الإسلامي في هذا الزمن، الذي فقد المسلمون فيه الرجال الذين يعيشون مشکلات شعوبهم، ويبذلون النفس والنفيس في سبيل دعوة الإسلام.
لقد كان الشيخ ابن باز نبراسًا في العالم الإسلامي يهتدي به السائرون في الطريق المظلم، وكان علمًا للحق والخير في وقت تغلب فيه الظلم على الحق والشر على الخير، لقد كان رحمه الله يجهر بكلمة الحق لا يخاف في الله لومة لائم، وكان يتصدى لأهل البدع والخرافات الذين يفسدون عقائد المسلمين ويتصدى للعلمانيين الذين يحاربون الإسلام بطرق مختلفة، فقد وهبه الله قدرة على خوض المعارك الفكرية، وأيده باستحضار الحجج الدامغة والأدلة التي لا يرقى إليها الشك من كتاب الله وسنة رسوله.
إننا عندما نبكيه نبكي العلم والأخلاق والإخلاص والتقوى والصلاح، ونبكي الغيرة على الإسلام فأين لنا مثله في هذا الزمن الذي كثر فيه المنافقون والدجالون، وكثر فيه المتنطعون والمتشدقون والمتعالمون؟
ولا يسعنا إلا أن نقول: لاحول ولا قوة إلا بالله.. إنا لله وإنا إليه راجعون.
عبد القادر بن محمد العماري- قطر
باكستان: حُزن العلم والعلماء
عبر وزير الشؤون الإسلامية والأقليات وعضو مجلس الشيوخ الباكستاني راجا ظفر الحق عن عميق حزنه والحكومة الباكستانية لفقدان أكبر علماء الإسلام في العصر الحديث الشيخ ابن باز، وقال الوزير لـ المجتمع: «إن أثر الشيخ رحمه الله واضح.. لا على المجتمع السعودي فحسب، وإنما في المنطقة المحيطة والعالم الإسلامي أجمع، وأن العديد من العلماء الباكستانيين تتلمذوا على يديه، وأنه كان موضع استشارة لهم في الأمور المستجدة»، واصفًا إياه بأنه كان صاحب عقل مفتوح وناضج.
وقال الشيخ سميع الحق أمير جمعية علماء الإسلام في باكستان ورئيس الجامعة الحقانية تعليقًا: «إن تسعين عامًا من الجهاد والعلم هي رحلة الشيخ ابن باز»، مضيفًا أنه يسمى هذا العام الهجري بعام فقيد الأمة الإسلامية وحزن العلم والعلماء.
أما الدكتور محمود غازي - رئيس لجنة تطبيق الشريعة في باكستان – فقال: لقد فجع العلماء وطلاب العلم والعالم الإسلامي بأسره بوفاة أبو العلماء، وشيخ المشايخ.
واعتبر الدكتور أحمد العسال - نائب رئيس الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد - وفاة الشيخ مصابًا جللًا للعالم الإسلامي والجامعة الإسلامية العالمية طلابًا وأساتذة وعلماء، حيث كان رحمه الله عضوًا مؤسسًا في مجلس أمناء الجامعة، وأضاف أن الشيخ ابن باز لقي الله بعد أن أدى واجبه في كل جانب، في الدعوة والتربية والجهاد بكل صدق وإخلاص.
وأعربت الجماعة الإسلامية في باكستان وكشمير عن أساها لوفاة الشيخ معتبرة أن وفاته تركت فراغًا فكريًا كبيرًا في الأوساط العلمية والفقهية، وذكرت بالعلاقات الوثيقة التي كانت تربطه بالأستاذ أبو الأعلى المودودي – مؤسس الجماعة الإسلامية في باكستان واعتبر كل من القاضي حسين أحمد وعبد الرشيد الترابي - أميري الجماعة الإسلامية في پاکستان وكشمير - أن الأمة الإسلامية فقدت عالمًا جليلًا وقاضيًا حكيمًا قلما يعوض، عرف بمناصرته للحق ووقوفه إلى جانب المظلومين من أبناء الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، وكان -رحمه الله - منارًا يرشد أبناء الأمة الإسلامية إلى عبادة الله واتباع سنة رسوله الكريم.
سامر علاوي- إسلام آباد
مات العالم السلطان
بقلم: د. محمد منير الغضبان
إي والله العالم السلطان الذي تربع على قلوب الناس في الديار السعودية بدون عساكر ولا جيوش، لا ينازعه أحد في سلطانه على هذه القلوب، وليس سلطان يوم أو شهر أو سنة، إنما يكاد يكون سلطان نصف قرن من الزمان، فقد قدمت السعودية منذ ثلث قرن، وما سمعت فوق اسمه في مجال العلم أحد، وحين لم يكن مفتيًا للمملكة، إنما كان رئيسًا للجامعة الإسلامية، ومع هذا فقد كان اسمه هو الذي يسطع في سماء العلم، لقد كان كهفًا للناس يلجأون إليه في الملمات، ويسارعون إليه يستفتونه في النازلات عامتهم وخاصتهم، يسألونه حكم الشرع في كل حدث، وموقف الإسلام من كل جديد، فإذا قال صدقوا على قوله، فلم يناقشه أحد إلا خاصة إخوانه في هيئة كبار العلماء يستفتيه الناس ليطبقوا ما يقول، وينفذوا ما يفتي، وصل من الثقة في قلوب العامة ألا يسألوا أحدًا بعده، وإن سألوا غيره فلا يركنوا حتى يسألوه.
والله عز وجل هو الذي نصبه سلطانًا على هذه القلوب وأميراً على هذه النفوس، وقد استمد سلطانه من شريعة الله عز وجل، وهذا ما لا تعرفه في الأرض إلا عند هذه الأمة، كان -رحمة الله عليه- كفيف البصر، لا يملك من عناصر القوة إلا العلم الذي أخذه بحظ وافر، فمكن الله تعالى له في قلوب العباد. وكان سر هذا التمكين له في رأيي والله أعلم شيئين:
الأول: علمه، فقد كان سلطانه من فقهه في دين الله، واستعماله الدليل في كل ما يقوله، فلا يسوق قولًا بغير دليل حتى للذين لا يعرفون بالأدلة من العوام، ولا يطالبونه بها، لقد كان رائدًا في هذه المدرسة الفقهية، إن لم نقل إنه المؤسس الفعلي لها.
الثاني عمله، فقد كان سبب ظفره بهذه السلطة على القلوب استقامته الشخصية وسلوكه في حياته العامة والخاصة، فخلال ثلث قرن ما سمعت امرؤ يطعن في تصرف له، أو اتباع هوى أو لوثة في الدنيا، مع أن الدنيا كانت بين يديه منقادة له، ولم تكن في قلبه كأنما سخرها للناس، يستخدمها في مصالح الأمة.
جاء في الحديث القدسي: «أوحي ربك إلى الدنيا فقال يا دنيا من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه»، قد يختلف الكثيرون من أهل العلم معه في الرأي، وقد يختلفون معه حتى في المنهج الذي يمثله في مدرسته، لكن لا يختلفون أبدأ على الإشادة باستقامته ونزاهته وزهده وتواضعه.
مدرسة الأخذ بالدليل: وإذا قلنا إنه مؤسس هذه المدرسة مدرسة الأخذ بالدليل، فما معالم هذه المدرسة وما خطوطها العريضة في فهمي أن لها معلمين كبيرين المعلم الأول: الاتباع لرسول الله في كل صغيرة وكبيرة، وكما برز في جيل الصحابة عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما- إمامًا لهذه المدرسة في عهده، حتى قال مالك عنه ممن حدثه أن ابن عمر كان يتبع أمر رسول الله وآثاره وحاله ويهتم به حتى كان قد خيف على عقله من اهتمامه بذلك، وهذا لا يعنى أبداً أن الصحابة جميعًا لم يكونوا متبعين - معاذ الله - فكلهم برسول الله مقتد، وله متبع، وكلهم من رسول الله مقتبس، لكن هذا الحرص على التنفيذ العملي، والتقيد السلوكي بكل خطوة، وبكل خطرة، وبكل موقف وقد مثله في الجيل الأول ابن عمر - رضي الله عنهما - فكذلك كان ابن باز في عصره، يمثل الاتباع الدقيق للنص وتنفيذه بكل جزئية من جزئياته.
المعلم الثاني: كان ابن باز - رحمه الله- أحرص الناس على سلامة الأمة، وبعدها عن الفتنة، فكان يمثل الوسطية بين الحاكم والرعية ما وسعه سبيل إلى ذلك، ولهذه الثقة التي تمتع بها عند الفريقين أمكن أن يحقق التواؤم والتلاحم.
إن من يشهد هذا التمكين لابن باز - رحمه الله - في قلوب الأمة ليذكر الرأي القوي الذي يفسر أولي الأمر بأنهم الأمراء والعلماء فالناس يأتونه راغبين من كل فج يسألونه عما نزل بهم من أمر من خلال الإذاعة أو الصحافة أو المقابلة الشخصية، أو الكتابة له، وينفذون ما يفتي لهم دون تردد، فكان بحق مفتي الأمة كما أطلق عليه الذين رثوه وأبنوه.
ويحس المرء وهو يجلس بين يديه بإلغاء الحواجز تمامًا بين الرئيس والمرؤوس، وكأنما هو مع أب رحيم شفوق كل أبناء الأمة بنوه، ولهذا كثيرًا ما كان يطلق عليه كلمة الأب، بين طلبة العلم الذين يفدون إليه من كل فج سائلين وشاكين ومتعلمين، وإنني لأحس أن له ديناً في عنقي ما أستطيع إيفاءه أرجو الله تعالى أن يثيبه على خير الجزاء، ولا أقل من كلمة وفاء في حقه، وقد غادر هذه الدنيا إلى دار البقاء، مخلفًا جبالًا من المآثر والفضائل والجهاد والدعوة في سبيل الله نسأل الله تعالى أن يتقبلها منه ويتغمده برحمته ويجعله مع الصديقين والشهداء والصالحين عنده، وحسن أولئك رفيقًا، وخلف الأمة عوضًا عنه، إنه ولي ذلك والحفيظ عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل